E-mail                   Home

 


البُعد الأيديولوجي للقيم

(دراسات عربية)

على الرغم من الحضور الاجتماعي الدائم والدور الهام الذي تؤديه القيم في توجيه نشاط الفرد وسلوكه، إلا أنها بقيت موضوع دراسات هامشية لفترة قريبة نسبياً. وربما كانت الصعوبات المنهجية لدراسة هذه الظاهرة بذاتها أو بعلاقاتها مع نظائرها من الظواهر الإجتماعية الأخرى، أحد أهم الأسباب النظرية في ذلك. على أن حساسيتها والتوظيف الأيديولوجي للقيم في خدمة الأهداف الأيديولوجية، كانا على الأرجح السبب العملي. وحين نفتش في الأعمال الفكرية عبر التاريخ عن كيفية ومكانة تناولها للقيم، نلاحظ دون عناء أنه باستثناء النادر من الأعمال، كان تناولاً تحديدياً للأسمى والأقيم دون الخوض في المفهوم القيمي ذاته وارتباطاته وانعكاساته. فقال أحدهم بالمعرفة قيمة تسمو على كل القيم (أرسطو)، ورأى آخر في الرضا الناتج عن تجنب الألم، أم القيم (ارستب)، وآخر في الرضا المتأتي من الأمن والطمأنينة الداخلية (أبيقور)، أو في الحقيقة (كونفوشيوس). واعتبر ديكارت التجربة والعقل قيم معيارية للفصل بين الجيد والسيئ، بين المفيد والضار. القيم عند ستيوارت ميل هي كل ما يحقق النفع بعد إخضاعه للتجربة. الحرية مثلت أرفع القيم وأسماها عند مجموعة من المفكرين (هيجل، فيخته، سبينوزا، سارتر... الخ).[1]

بيد أنه مع تطور المعارف المختلفة، وظهور مناهج وأساليب بحث تجريبية فعالة في إضاءة الظواهر والعلاقات الاجتماعية، منذ منتصف القرن الماضي، راحت تتضح معالم هذه الظاهرة وأبعادها ودورها في حياة الفرد والمجتمع، خاصة وأن تلك الدراسات ركزت على العلاقة ما بين القيم والوعي من ناحية، والقيم والنشاط البشري من ناحية ثانية. وكان من أولى تلك المعالم اليقينية، التأكيد على أن القيم المنتشرة عموماً في المجتمعِ تمس مساً مباشراً وتؤثر بقوة في مجمل العلاقات الإجتماعية، وذلك من حيث كونها بعُداَ متبلوراً في الخلفية النفسية لتصرفات الأفراد، ومن حيث كونها جزءاً من الذهنية الإجتماعية العامة. لكنه اتضح أيضاً وبثبوت على وجه التقريب، بأن القيم السائدة في المجتمع (فرادى)، ومدى حضورها في سلوك الفرد هو على علاقة مباشرة بمقدار الطاقة الإيديولوجية- الاجتماعية المرصودة لإحضارها أو تدعيمها كمؤشر للسلوك من ناحية، وهي، أي القيم، خاضعة للتأثير التوطيدي أو التعديلي من مختلف الأنظمة الفكرية العاملة في المجتمع من ناحية ثانية. هو كذلك، لأن القيم مثلها مثل العديد من مظاهر الضبط أو التوجيه الإجتماعي، كالحق والأخلاق وغيرها، تتكون تمثيلاً لوعي ولتراكمه ولانتشاره على نطاق واسع في البنية النفسية، الواعية أو العفوية، لجموع الأفراد... القيم خاضعة للتعديل والتبديل، للتأثير والتأثر. القيم بقدرتها وأهميتها تلك، وبخضوعها هذا، مثلت حقلاً خصباً للاستثمار الإيديولوجي. وبالتالي نشطت الإيديولوجيات المختلفة على غرس قيم واقتلاع أخرى بما يضمن لها تجنيد الأفراد "الطوعي" وفي الغالب غير الواعي في عملية التحقيق المصلحي الخاص بها. وقد سهَّل الأمر عليها كثيرا، حقيقة أن الفرد يبلور مفاهيمه القيمية اجتماعياً (في خضم العلاقات الاجتماعية)[2] ، لكنه يمتلكها شخصياً ثم لا تلبث أن تتملك هي تصرفاته وقد جهل العلاقة الوظيفية لتلك القيم في إطار الصراع المصلحي وفي إطار الحياة الاجتماعية بشكل عام. فهو غير قادر على تلمس الروابط بين ما يمتلك من قيم وبين مبررات حضورها على هذا النحو في سلوكه وبين أهداف مصدرها، خاصة وأن الفوارق بينه وبين مصدر قِيمهِ الحقيقي تحدّ من نطاق إدراكاته وقد تحول هو ذاته إلى مصدر لنشرها ودعمها والحفاظ عليها.

لقد وقفت الإيديولوجيات، وتقف اليوم وراء قسم كبير من القيم، إما بشكل مباشر (كمصدر) وأما بالإشراف على الأنظمة الفرعية داخل المجتمع والتي تشارك بقوة في عملية الإنتقاء والإختزال القيمي. فالإيديولوجيات كنظام أفكار "معيارية" لإعادة صياغة الواقع الإجتماعي وما يحتويه من علاقات ومؤسسات وتطلعات، تهتم كثيراً بأنظمة المجتمع الفرعية من منطلق أنها تمثل روافد أساسية في مسيرة تحقيق الجوهر الإيديولوجي- المصلحة، وبالتالي تخضعها هي الأخرى إلى إعادة صياغة بما يتفق والمرامي الإيديولوجية الأساسية. وتهتم كثيراً بالنظام القيمي، أكثر من اهتمامها مثلاً بالأخلاق أو بالتقاليد أو بما شابه. لأنه إذا كانت الأخلاق تمثل بالنسبة للفرد منطلقات لضمان الاستقرار في حاجاته وعلاقاته الاجتماعية، فإن القيم هي ذاك الوهج الذي يؤمن له استقراراً في حاجاته التوجهية النفسية. فالتخلي عن النظام والضوابط الأخلاقية لا يؤدي بنشاطات الفرد إلى التشتت والضياع، ولكن فقدان المؤشرات القيمية ليس أمامه إلا أن يؤدي بنشاط الفرد إلى الفوضى. وبتعبير آخر، تجسد الأخلاق حاجة اجتماعية أولاً، وربما حاجة إنسانية ثانياً، بينما تنطوي القيم على حاجة نفسية شخصية أولاً ومن ثم حاجة اجتماعية. لكن الحاجات الاجتماعية العامة لا تكتنف ذلك المقدار من الطاقة التجنيدية لمواقف وعواطف ونشاطات الأفراد الذي تكتنفه الحاجات النفسية الإنسانية الفردية المباشرة. لأنه- نتابع مقارنتنا- لو تفحصنا الأخلاق نجد أنها مقولة اجتماعية أساساً تنعكس على، وتتمظهر في سلوك الفرد الخاص ومنه تكتسب أهميتها، في حين نلاحظ أن القيم هي مقولة نفسية فردية تستبد بجهد الفرد لتعزيزها اجتماعياً، وبسلوكه على حد سواء. وكلما ازداد استبدادها بجهود الفرد وسلوكه اقتربت له أهميتها أكثر- في بنيته النفسية- من مستوى وجوده المادي ذاته. فلا غرابة، إذاً، أن نجد فرداً يربط وجوده المادي بالحفاظ على قيمه، أو فرد يعتدي على نفسه أو على الآخرين إذا ما انعدمت أو تعرضت مضامينه القيمية للخطر. فلطالما كان الاعتداء على الكرامة والشرف والعِرض كقيم في المجتمع العربي (بغض النظر عن كيفية فهمها) سبباً لإنتقام مؤلم- القتل- ذاك القتل الذي تدعمه الإيديولوجيات المشرفة على التشريعات الدستورية، في حالة العرض، رافعة هذه عالياً فوق قيم الحرية الشخصية وفوق بيولوجية المعايشة العملية العواطف، بل فوق الإنسان وحياته.

من هنا، من حقيقة تفاني الإنساني الفرد في خدمة قيمه، حرصت الإيديولوجيات باستمرار على استحضار أو تعزيز القيم المنسجمة مع نهجها، ومحاربة القيم المعيقة لهذا لنهج، وذلك بمحاولة دءوبة منها لاستقطاب أقصى استعدادات الأفراد لدعم مسيرتها ومصالحها. بمعنى أن التوظيف الإيديولوجي للقيم كان ولا زال أحد أوجه النشاط لإيديولوجي في مبتغاه السلطوي التوطيدي والمصلحي التنموي. وكان الفكر الفلسفي الماركسي أول من تطرق إلى، وكشف عن بعض جوانب العلاقة العضوية بين الإيديولوجيا والقيم. فأكد كارل ماركس على الاستخدام الإيديولوجي للقيم ودعا للاستفادة منها كعوامل مساعدة جداً على إحداث التغيير الثوري، أو كعوامل في عملية تحرير الإنسان (ماركوز)، أو كمضامين إيديولوجية بجوهرها (ماكس فيبر) .[3]

وفي الحقيقة، لم يقدم كارل ماركس نظرية محددة حول القيم الاجتماعية ولم يبحثها بشكل خاص. لكن الباحثة الألمانية اجنيس هيلير، أمضت ردحاً طويلاً في بحث المفهوم القيمي في أفكاره وأعماله، وتوصلت إلى أن القيم بمفهوم ماركس هي "ظاهرة تاريخية مرتبطة مباشرة بعملية التطور وخاضعة لطبيعة علاقات عناصر أو ذوات التطور".[4]  فالقيم السائدة في المكان والزمان المحدد، ما هي إلا تعبير أمين عن طبيعة الطبقة المسيطرة، كما تؤكد السيدة هيلير.[5] أما القيم التي دعا إليها الفكر الماركسي، فقد أتت استجابة صريحة وواضحة، وفي إطار الوسيلة والممكن، لحشد الناس في معركة الحساب مع طبقة الملاك الرأسماليين، ومع النظام الرأسمالي برمته.

إن الممارسات الإيديولوجية في حقل القيم، وعبر التاريخ، لم تخرج عن نطاق توظيف هذه في خدمة المصلحة والسيطرة الإيديولوجية. وإن كان المجال هنا لا يتسع لمعالجة مفصلة لأكثرها، إلا أننا سنتوقف عند أهمها لتلمّس هذه الممارسات بشكل محنتصر.

فمن ناحيتها، الإيديولوجيا المسيحية ممثلة بتعاليم الكنيسة، نشرت إبّان فترة سيطرتها ودافعت عن قيم من شأنها الأساسي تعزيز سلطة الكنيسة والحفاظ عليها. وقد اعتمدت الإيمان مفتاحاً لكامل النظام القيمي، مقيمة بذلك جسراً متيناً بين تعاليمها (القيمية) وبين أسباب الأخذ بها واحترامها. لقد اتخذت الإيديولوجيا المسيحية الكنسية من الإيمان معياراً للقيمة المطلقة- إرضاء الله والفوز بالحياة الآخرة. لكنها في الوقت نفسه نصبت نفسها مدخلاً إلى تلك القيمة، كشاهد يستمع الله إلى أقواله في المحاكمة أمام قضاء الرب، وكوصي الله التوجيهي للعباد في الحياة الدنيا، وكوسيط بين المعبود وعبده، محولة نفسها إلى جزء أساسي من معيار القيمة المطلقة- الإيمان. وأصبح إرضاء الله بمفهومها وتفسيرات اتباعها- كقيمة- ليس توجهاً فردياً أو مستقلاً، بل هو خضوع لإرادة الكنيسة وبواسطتها. فالذي يؤمن بالله بعيداً عنها وعن تأثيرها لن يعترف الله بإيمانه.

القيمة الأخرى التي نشرتها الإيديولوجيا المسيحية الكنسية بهدف تقوية واستمرارية سيطرتها، تمثلت بالمساواة، لكن المساواة أمام الله وليس أمام القانون الدنيوي. فالحياة الدنيا بذاتها لا تمتلك أية قيمة، وما تحتويه من عدم مساواة وإجحاف بالحقوق وظلم ومعاناة ومحن وغيره، ما هي إلا من أعمال الشيطان الذي يحكم الأرض بنزال وتحدِ مع الله، وذلك لإبعاد الإنسان عن عبادة الخالق، وبالتالي يجب الصبر عليها بلامبالاة ما داَم جزاء المظلوم الصابر أن يحصل على القيمة المطلقة- إرضاء الله[6]. الكنيسة والقائمون عليها كمندوبي الله في الأرض غير خاضعين بأعمالهم للتقييم من بني البشر، لأن أعمالهم من وحي التعاليم الربانية. وكونها وكونهم جزءاً من الإيمان، فهي وهم أقرب إلى ملائكة الله من البشر، يخاطبون الله بشأن العباد ويستجيب لخطاباتهم، وبالتالي لا يتساوون مع غيرهم من البشر في الحياة الدنيا. إذ لا يمكن أن يتساوى العابد والمعبود. البشر متساوون فيما بينهم أمام الكنيسة ورجالها، لكن ليس معها أو معهم أبداً. ولا يجوز أن يتطلع البشر إلى حقوق متساوية مع رجال الكنيسة. بدلاً من ذ لك، يستطيعون أن يخشعوا في طلب الرحمة من الرب عن طريقهم، وتقبيل الأيادي طمعاً في الاقتراب من القيمة المطلقة، والتي يمثل القس سبيلاً إليها.

مثل هذا الدور أو الموقع السلطوي، هو اليوم هدفاً جوهرياً، وربما وحيداً تصبو إليه بعض الإيديولوجيا "المستوحاة" من التعاليم الإسلامية، مركزة جهدها على إبراز الإئتمار بأمر الله وإرادته مفتاحاً للقيمة المطلقة- الخلود في جنات الله. لكن تطلعاتها لا تقف عند هذا، بل تحاول الظهور بمظهر المالك الوحيد لذلك المفتاح، وبمظهر الحريص على تقريب البشر من القيمة المطلقة، والذي يمكن أن يتم بتسلمها السلطة والسهر على تنفيذ إرادة الله على الأرض. فهي ترفض الاعتراف بأنها تريد السلطة من أجل السلطة؛ هي تريدها خدمة للقيمة المطلقة واستجابة لمطالبها؛ هي تريدها لتأخذ إرادة الله مكانها في الأرض، تلك الإرادة التي تتساوى مع إرادتها ما دامت قد اقتربت من الله أكثر من باقي البشر!.

الإيديولوجيا الرأسمالية انبرت منذ ظهورها للتصدي لقيم الكنيسة المتعارضة مع قيمها الوظيفية، مكثفة جهدها لإضفاء المعنى القيمي على التوجهات والأفكار والظواهر الإجتماعية التي من شأنها ترسيخ وتبرير النهج الرأسمالي وإظهاره وكأنه نظام علاقات تحكمها القيم الإنسانية المجردة، وإظهار شريحة الرأسماليين كدائرة قيمة بذاتها يرمي الكل إلى الانضمام إليها، لكن لا يدخلها إلا القليل. فقد فرزت الإيديولوجيا الرأسمالية وأبرزت عدة ظواهر كقيم أساسية، معزِّزة بذلك موقعها وضامنة استمرارية سيادتها، ومن أهمها الملكية والحرية. وبالطبع، هنا لا نبحث في المضامين المجردة أو غيرها لهذه المقولات، وإنما نتفحص البعد الإيديولوجي لها كقيم.

الإيديولوجيا الرأسمالية لم تتوقف عند الملكية الخاصة من الجانب الحقوقي فقط. فالحق في الملكية الخاصة، ساد ولقرون طويلة قبل ظهور الرأسمالية وإيديولوجيتها. بل سعت لإكسابها معاني قيمية شتى، من المادي وحتى الروحي، بحيث يصبح التطلع إلى الملكية الخاصة يسمو فوق كافة التطلعات القيمية الأخرى، رامية من ذلك إلى:

1- رفع الموقع القيمي للشرائح المتخمة بالملكية فوق الموقع القيمي لغير المالكين وفق المعيار القيمي هذا- أي الملكية. هذا الرفع والفصل الذي يؤمن للرأسماليين صفة السمو فوق الآخرين[7]، وبالتالي يؤمن لهم مجموعة كبيرة من الإمتيازات، لا تقل عن امتيازات الكنيسة، وإن كانت قد أتت هنا بشكل آخر.

2- لم يكن بخافٍ على حملة الإيديولوجيا الرأسمالية بأن الإنسان أسير قِيَمه. وإذا ما جعلت من الملكية الخاصة قيمة في ذهن الأفراد، فإنها تكون قد حققت سبل استمرارها من جانبين:

أولهما، إيجاد جيش من المدافعين المتعصبين عن الملكية الخاصة كحق وكقيمة. فهم لن يدافعوا عنها لأنها تخدمهم أو لأنهم يملكون، وإنما لأنها تملكهم كقيمة. هذا الجيش سيدافع عن الملكية الخاصة سواء أثقلت كاهله وكان ممن لا يملكون، أو كان من المالكين. ولعل هذا يساهم في توضيح كيف أن فقراء الولايات المتحدة وأوروبا مستعدون بغالبيتهم العظمى أشد الاستعداد للدفاع عن الملكية الخاصة كقيمة- على الرغم مما يعانونه بسببها.

ثانيهما، تحقيق أقصى درجة ممكنة من إخضاع القاعدة العريضة من المجتمع لإرادتها. أي لإرادة طبقة المالكين وللحاملين لإيديولوجية التنظيم الرأسمالي لحياة المجتمع. الملكية الخاصة بتحولها إلى مفهوم قيمي (مقولة قيمية) في أذهان ونفسية الأفراد، تصبح توجهاً أو هدفاً يسعى الكل لتحقيقه، أو تحقيق أكبر قدر منه، مستخدمين شتى الوسائل. لكن هذا مرتبط اعتمادياً على أصحاب الملكية الكبار الذين يحددون في نهاية المطاف الفرص الممكنة لتحقيق الأفراد لأهد افهم. فهم، أي أصحاب الملكية الكبار، يمثلون الوسيط بين الملكية وبين الساعين إليها، على نحو ما مثلته الكنيسة من وسيط بين رضا الله وبين الساعين إليه. فهم يملكون القيمة، وهم يوزعون ما شاؤوا وكيفما شاؤوا منها تناسباً مع مقدار ما يبديه الفرد من خضوع لإرادتهم.

إنه لمن المؤلم حقاً، أن نرى اليوم مقدار ما آل إليه جهد الإيديولوجيا الرأسمالية لجعل الملكية قيمة عظمى من إخضاع الإنسان وأسره في إطار هذه القيمة، ومن فتك في مفاهيم الإنسان القيمية الأخرى. فلقد استعبدته أيما استعباد، وأصبح ينذر حياته ونشاطه لخدمتها. فهو لا يملك الثروة أو المال بقدر ما تملك هذه الثروة أو المال وتتصرف بإرادته وشعوره العاطفي، وتفتك بأسرته، وتحدد انتماءاته، وتقوده للخد اع والخيانة والقسوة والقتل إذا ما كان ذلك سبيلاً لخدمتها. الإيديولوجيا الرأسمالية، بتنصيبها الملكية كقيمة عظمى، ومعياراً لقيمة الإنسان، جعلت منها المحور الرئيسي لمعنى الوجود، المحور الرئيسي لاهتمامات ونشاطات وعلاقات ومرامي الجماهير، وهدفاً على حساب الإنسان وحاجاته المادية والروحية ... مثلما هو العرض في البلاد العربية على حساب الإنسان وحاجاته البيولوجية وشعوره العاطفي وحريته، وإن كان العرض في البلاد العربية ليس هو المحور القيمي الرئيسي، وليس هدفاً قيمياً بذاته بقدر ما هو قيمة تقف خلفها إيديولوجيا، لتسهيل وتبرير الاعتداء الصارخ على قيم أخرى في مقدمتها الحرية والإنسان.

الإيديولوجيا الرأسمالية وقفت- مشكورة- خلف عملية إبراز الحرية كقيمة. لكن ميلها هذا لم ينبع من فهمها للحرية بعلاقاتها مع المتطلبات النفسية والطاقات الإبداعية والنشاط الفعال للإنسان وغيرها من مضامينها الإنسانية. بل كاستجابة ووسيلة لاحتياجات ولشروط نشاط رأس المال. دعوتها للحرية، وجدت قاعدتها الصلبة في حقيقة أن تضاعف رأس المال ذاته، ممكن بسهولة أكبر وأسرع بتأمين حرية تنقله وتنقل الأيدي العاملة وِالبضاعة والاستثمار وحرية المنافسة. أي أن الإيديولوجيا الرأسمالية دعت للحرية تأكيداَ وضماناً لحريتها في الحركة والنشاط كعنصر هام في عملية إخصاب رأس المال، وليس كمفهوم إنساني مجرد. والحال هذه، ليس غريباً ذاك التزامن الطويل بين دعوتها للحرية واستعبادها للشعوب، بين دعوتها للإنسانية والقيام بحروب عالمية. ومهما يكن من أمر، الحرية اليوم أصبحت قيمة تجاوزت ما أرادته لها الإيديولوجيا البرجوازية. لكن هذه الإيديولوجيا ما انفكت تحاول توظيف الحرية كقيمة في خدمة مصالحها مضفية علىِ المصالح المتناقضة مع مصالحها صفة التهديد الخطير للحرية كقيمة، لذا تجند كماً كبيراَ من الطاقة الاجتماعية والبشرية للانتقام من مصادر التهديد لهذه القيمة التي أصبحت جزءاً من محركات البشر الانفعالية. الإيديولوجيا الرأسمالية لا يهمها ولا تدافع عن الحرية النازفة فعلاً، بل تدافع عن المصالح الذاتية مستفيدة من نزف الحرية هنا أو هناك، بمحاولة تنكرية لاستدرار انفعالات الآخرين الداعمة. مثلها في ذلك مثل من يدافع عن امرأة تتعرض لخطر فيستحق الثناء والتأييد ما دام المارة لا يعلمون أن ضالته في حقيبتها.

الإيديولوجيات التحررية طورت هي أيضاً نظاماً قيمياً خاصاً يصب في خدمة الهدف الإيديولوجي. فجعلت من الوطن والشهادة والتضحية والبطولة والغيرية قيماً تعلو أي قيم أخرى[8]. هذه وإن كانت قيماً من نواح عديدة، إلا أن الإيديولوجيات التحررية تبرزها على نحو خاص، وتغرسها بعمق في البناء النفًسي للإنسان إلى درجة اختفاء الفوارق بين وجوده المادي وبين هذه القيم، وبذلك تدفع به إلى تقديم أقصى جهد ودفع أكبر ثمن في سبيل صيانة هذه القيم (قِيَمِهِ) في سبيل تحقيق الهدف الإيديولوجي.

إيديولوجيات الحكم المطلق تنمي أيضاً مجموعة من "القيم " تمد الاستبداد بأسباب الاستمرار كنهج. وفي الحقيقة، هذا النوع من الإيديولوجيات، بخلاف غيره، ينشط في محاربة قيم بذاتها أكثر من نشاطه التعزيزي لبعض القيم بذاتها. أول ما يحارب، يحارب الإنسان كقيمة بذاته والحرية كقيمة بالمفهوم المجرد أو العملي لهما. ذلك أنه إذ ا ما مثل الإنسان قيمة بذاته في المفهوم والممارسة الاجتماعية، صعب تماماَ الاعتداء عليه حتى في ظل وجود أسباب مادية مؤلمة، وصعب أكثر من هذا الاعتداء عليه بسبب موقف أو نشاط سلمي. لكن حضورية مثل هذه الصعوبة يحسر فرص، أو حتى أية فرص لنشوء الحكم المطلق أو استمراره. فهذا وذاك متناقضان متنافيان. ولهذا، تهتم مثل هذه الإيديولوجيات بتنمية كافة المفاهيم "القيمية" التي تنتقص من الإنسان كقيمة بذاته من ناحية أولى، والمفاهيم "القيمية" التي تدفع الإنسان إلى قبول الحكم المطلق أو تهميش مقاومته له من ناحية ثانية. أما محورها الأول فينطوي على: الوطن (مجسداً بها دون غيرها)، المصلحة العليا (وهي مصلحتها)، التضحية في سبيليهما أو القتل من أجليهما، الأبوية، الشرف أو العرض... وجملة أخرى من شبيهاتها والتي تجرد الإنسان من أولوية قيمته بذاته. فهو وسيلة لحماية هذه القيم وفي خدمتها دون أن تكون هي بخدمته أو أن يكون بذاته قيمة يجب الدفاع عنها. ويتمثل المحور الثاني ب: الغيبيات (الحياة الآخرة)، القضاء والقدر، الصبر (السلبي)، وغيرها مما تجعل الإنسان يرى في المحن الحياتية محناً لقيمه الشخصية المحددة والسلبية كما هو واضح. فبسبب من هذه القيم، لا يقاوم محن الحياة بقدر ما ينظر إليها باستخفاف، ما دامت خارج إرادته، أو ما دام الصبر قيمة.

هذا العرض المقتضب، يتيح لنا تلمس الخطوط العريضة لخلفية القيم الإيديولوجية، لكنه يبين لنا أيضاً، دور الاستثمار القيمي في التحقيق الإيديولوجي بشكل أولي وربما جزئي، على أمل أن يثير اهتمام الباحثين لدراسات أوسع وأشمل. على أن هذا العرض قد يؤدي بالبعض إلى طرح السؤال التالي: كيف يتسنى للإيديولوجيات إحداث التأثير على المفاهيم والظواهر وتضمينها بعداً قيمياً؟

الجواب على هذا السؤال عمل معقد بطبيعة الحال، وربما مثَّل موضوع دراسة مطولة أو دراسات عديدة. لكن لا بأس من الإشارة باختصار إلى أنه استخدمت وتستخدم لهذه الغاية أساليب ووسائل وأنظمة شتى، قوام جميعها الإتصال. ذلك أن الإتصال هو السبيل الوحيد لإكساب ولإكتساب معاني ومفاهيم الأشياء. الإيديولوجيات، متلمسة هذه الحقيقة، تهدف فيما تهدف إلى السيطرة على الأنظمة والإمكانيات والوسائل الإتصالية في المجتمع، واحتكارها ما أمكن. ففي زمن كانت فيه وسائل الإتصال محدودة، استفادت الإيديولوجيا الكنسية من سيطرتها على مختلف التجمعات الدينية الدورية، ووعظ رجالها في كل محفل أو تجمع له امتداد ديني. ووجدت التعاليم الإسلامية في الجامع والخطابة الدينية فرصتها. ومع نشوء الكتاب بالكم الاستهلاكي- الطباعة بأعداد كبيرة وتكلفة قليلة- انبرت كافة الإيديولوجيات لإعتماده بين وسائلها الأساسية. ومن ثم فتح تطوّر وسائل الإعلام الجماهيري فرصاً وإمكانيات واسعة في هذا المجال، ومنه تحولت وسائل الإعلام الجماهيري هذه إلى هدف للصراع الإستيلائي الإيديولوجي، نظراً لأهميتها ودورها في غرس القيم- من بين أشياء أخرى.

والحقيقة لم يعد بخافِ على أحد تلك السيطرة الإيديولوجية على وسائل الإعلام؟ على أن سيطرة الإيديولوجيات الحَاكمة عليها تُصنف أربعة أصناف[9]

1- سيطرة كاملة مباشرة.

2- سيطرة جزئية مباشرة.

3- سيطرة كاملة غير مباشرة.

4- سيطرة جزئية غير مباشرة.

بيد أنه من غير المناسب التعمق في هذه النماذج أو في دور وسائل الإعلام في تعزيز القيم في سياق هذا النص. فهذه وتلك تحتاجان إلى دراسات خاصة.


 

 


 

[1]-Novak Popvic. Vrednosti Kroz istorija . Beograd 

نوفاك بوبوفيتش، القيم عبر التاريخ، بلغراد  1988ص 8- 22 

[2] - Kristiria Edkok. Stavovi,Promena Ponasahja Vrenosti,

 كريستينا ايدكوك القيم، المواقف، وتغيير السلوك، بلغراد 1978  ص 19

[3] - Zdravko lekovic, Vrednosti u socijalistickom misao, Beograd 1983

زدرافكو ليكوفيتش ، القيم في الفكر الاشتراكي، بلغراد 1982 ، ص 117

[4] - Agnes Heler, Hypothese Uber Marxistisch Theorie Der Werte, Edition Suhrkamp 1972, عن الترجمة الصربية لهذا الكتاب بعنوان " القيم والحاجات" بلغراد 1981 ص 21

[5]  المصدر نفسه. ص 65 وص 70-

[6] - لقد استغلت الكنيسة في هذا ما ورد في الإنجيل من مؤشرات داعمة وممكنة لهذا التوجه.

                                            أنظر مثلا أنجيل متى  6/1، 14 ، 19 ، 20 ، 25 

"بالمعنى الاٍ جتماعي، الإنسان قيمة بقدر ما يمتلك مما يعتبره[7]- المجتمع قيماً، وبقدر ما يدافع عن تلك القيم". أنظر نوفاك بوبوفيتش، القيم ووسائل الإعلام، بلغراد ، ص 16.

Novak Popovic, Vrednosti u masovnim mediama, Beograd 1988.

[8] - لاحظ شعارات ومضامين برامج الإيديولوجيات التحررية، وكذلك وسائل الإعلام التابعة لها.

[9] - للمزيد أنظر دراسة لنا بعنوان "إعلام الإيديولوجيا أم إيديولوجيا الإعلام"، مجلة دراسات فلسفية، العدد 4/89