E-mail                   Home

 


اللغة والإله ـ تشخيص لغوي للمقولات الدينية المركزية

(مجلة دراسات عربية)

مدخل عام

لعل اللغة، بمفهومها الأشمل والأوسع، هي من أكثر الظواهر الاجتماعية والإنسانية استقطابا لبحوث العلوم المتنوعة. ذلك أنه قلة هي العلوم التي استطاعت أن تمضي إلى غاياتها العلمية والمعرفية دون أن تبحث هذا الحامل الرمزي للمفاهيم؛ وذلك كجزء جوهري من مادتها الأساسية أو كعنصر تركيبي في بنيتها أو كعامل من بين عوامل أخرى يغطي جانبا هاما من اهتماماتها المركزية. ولو كان لنا أن نسوق أمثلة، فأننا نذكر بأن الفلسفة قد اهتمت منذ أقدم العصور ولا تزال مهتمة بالعلاقات القائمة ما بين الرمز اللغوي؛ وبخاصة الرمز المجرد، وما بين معانيه الاجتماعية. على أن الفلسفة عالجت أيضا مفاهيم الرموز والعمليات الإدراكية القائمة على أساس تبادل الرمز مع الإنسان الآخر، بل مع المحيط، وغيره … وغيره. أما علم الاجتماع، فقد عالج منذ نشأته وإلى يومنا الحاضر اللغة كأساس لا غنى عنه إطلاقا للقيام الاجتماعي، وكعامل ذي أهمية قصوى في وحدة المجتمع. ويهتم علم النفس بمختلف فروعه، باللغة بشكل ربما يكون أكبر من سابقيه. فنرى أن علم النفس الإكلينيكي يركز على اللغة في تشخيصاته وفي معالجاته إلى حد ما. وتمثل اللغة الوسيلة والمنهج الذي يكاد أن يكون وحيدا لتقصيات علم النفس التجريبي وبخاصة فيما يتعلق منه بمعالجات الإدراك والتعلم والتفكير …الخ. اللغة تقوم بذات الأدوار السابقة في إطار علم النفس الارتقائي. أما علم النفس الاجتماعي، فأنه ما كان له أن يؤدي وظائفه أبدا من غير الاهتمام العظيم باللغة، ليس فقط من كونها وسيلة لا غنى عنها في عملية التطبيع الاجتماعي للأفراد، بل ومن كونها عنصر مركب للميول الاجتماعية. ومن بين العلوم التي ظهرت مؤخرا وكانت اللغة في صلب بحوثها نذكر أيضا علوم الإعلام والاتصال. إن اهتمام هذه العلوم باللغة قائم على اعتبار أن هذه الأخيرة أداة يمكن بفضلها؛ وبفضلها وحدها، أن يتم التداول الاتصالي لمحتويات العقل وأن يتم نقل التجارب الإنسانية من شخص إلى آخر عبر المكان وعبر الزمان. وبالطبع، يمكننا أن نذكر علوما أخرى كثيرة اهتمت بحوثها باللغة بهذه الطريقة أو بتلك. فلنأخذ على سبيل التعداد لا أكثر العلوم السياسية (الخطاب السياسي)، وعلم الاقتصاد (التسويق والإعلان)، والأنثروبولوجيا، والسبرناطيقا وغيره، ناهيك عن علوم الآداب والثقافة؛ وأخيرا الألسنية. ولقد أدت بحوث هذه العلوم المختلفة إلى مجموعة معطيات لا خلاف حولها: اللغة هي نتاج إنساني متطور أبدا، وخاضعة لإرادة الإنسان دون غيره، تخدم في التفاهم بين البشر المتعايشين اجتماعيا، لها ظروفها المادية والحضارية، لها ظرفها المكاني والزماني.

بيد أنه من المفارقات الملفتة للنظر، أن العلوم الدينية، وبخاصة العلوم الإسلامية حصرت أكثر من غيرها الاهتمام باللغة في إطار الخطاب الديني والتوجهات الدينية اجتماعيا. وأنه لمن المحزن حقا أن هذه العلوم، حين عالجت اللغة عالجتها جزئيا وبغية شيء واحد: استنباط الأحكام الألوهية الكامنة في الخطاب الإلهي. أما القرآن، كلام اللـه المنزل، فقد احتل في العلوم الدينية (الإسلامية) مكانة هي فوق كل شبهات العقل البشري اللغوية المحضة، حتى لقد ساد أو كاد أن يسود الأذهان الاعتقاد - المفارقة - بأن كلام القرآن ليس هو أصلا من نتاج البشر الذي استخدمه الله إذ خاطب الإنسان، بل هو كلام الله الذي تعلمه الإنسان!

بالطبع، نحن لا نرمي، في هذا البحث، إلى سد ذاك النقص أو طمر تلك الهوة الفاصلة بين الواقع اللغوي الحقيقي والواقع اللغوي المتخيل في الدين. كذلك، لا نرمي إلى الغوص في أعماق اللغة مثقلين بالمنظار الديني أو بالطموحات الدينية. إننا نهدف قبل كل شيء إلى تفحص طبيعة تلك المفارقة وتلك الهوة منطلقين إلى هذه المهمة العلمية من العلاقة الفعلية ما بين الدين واللغة، الأول كمعطيات ثابتة في الزمان والثاني كعامل متغير في الزمان وفي المكان. نقطة انطلاقنا هي حقيقة اشتراط ظهور الديانات المعاصرة بمستوى معين من التطور اللغوي، وما لهذا الاشتراط من أبعاد وخلفيات ونتائج ومتطلبات وانعكاسات اجتماعية وحضارية وإنسانية. إن إدراك هذه وتداركها هو أحد الطرق لرؤية النور خارج الأنفاق المظلمة وخارج الجهل المقيت. ولتكن، والحال هذه، بدايتنا مع اللغة ذاتها.

المعروف أن اللغة، بأحكام الشيء، هي نظام رمزي معقد غاية التعقيد. ولئن كان هناك اتفاق أو شبه اتفاق على مفهومها العام، إلا أن هناك بالمقابل مداخل جد عديدة إلى بنيتها. كما أن هناك اختلاف يكبر هنا ويصغر هناك بخصوص ما تحمله اللغة من مسائل فلسفية ونفسية وإبداعية وحضارية وسياسية وغيره الكثير. فهل يستطيع الإنسان، على سبيل المثال، أن يفكر دون تملكه وتحكمه بمجموعة معينة من الرموز اللغوية؟ أو هل يستطيع أن يدرك تجارب وحدة اجتماعية ما دون أن يتقن التعامل السليم مع حد أدنى من الرموز اللغوية السائدة في الوحدة الاجتماعية المعنية؟ وهل لنظام لغوي محدد أن يحتم إلى حد ما إشكالا محددة من السلوك اليومي للأفراد المستخدمين له؟ وهل، أو إلى أي مدى تلعب اللغة دورا في تكوين ذهنية الأفراد المعنيين؟ وهل اللغة وسيلة للإبداع الفكري أم أنها أداة حاملة له وحسب أم أنها الاثنتين معا؟ وهل اللغة نتاج حضارات الإنسان المتعاقبة لا غير، أم أنها هي كذلك وهي عنصر مركب للصرح الحضاري أيضا؟ ما هو دور اللغة في تمايز المجتمعات وفصلها عن بعضها البعض بحدود جغرافية سياسية؟…الخ.

إن سلسلة المسائل التي تنطوي عليها اللغة تطول إن شاء الباحث. وهي من المحقق مسائل مشعبة خضعت لكم كبير من الدراسات ومن الفحص لكنها ما زالت بدون حلول مقبولة عامة ونهائية. بالرغم من ذلك؛ بالرغم من أن العلوم وبحوثها ظلت إلى غاية اليوم قاصرة عن وضع أحكام وحلول قاطعة لبعض مسائل اللغة، إلا أنها أبرزت كماً كبيراً من الحقائق وكشفت عن الكثير من الجوانب التي لها في نهاية المطاف أن تخدم في تبلور الأحكام والحلول المرجوة. ولحسن الحظ أن ما يهمنا في هذا المكان؛ في هذا البحث، هو تلك الحقائق الأكثر بروزا وثباتا، وعلى الأخص أهم صفات اللغة.

 

اللغة والإنسان

مما لا ريب فيه أن الإنسان هو الذي خلق اللغة، وهو الذي يسيطر عليها، وهو الذي يطورها باستمرار كيما تشتمل على اكتشافاته وتجاربه وعلاقاته المتنامية في ظل بحثه الدؤوب عن المزيد من المعرفة بنفسه وبمحيطه، وفي ظل مسيرة بنائه الحضاري الطموحة بلا حدود. فعقل الإنسان هو البيئة الوحيدة التي تولد فيها الرموز القابلة للتداول الاتصالي والدالة على ظواهر أو علاقات أو تجارب أو غيره مما له وجود مادي أو روحي. واللغة كنتاج إنساني، لا تعيش مستقلة عن الإنسان أبدا؛ فهي خاضعة له وملتصقة به ومعتمدة عليه كليا. وأنه لمن المستحيل أن يتكون رمز لغوي واحد خارج عقل الإنسان أو بعيدا عن وعيه، مثلما هو من ضروب العبث الخيالي تصور رمز لغوي ما قائما بذاته ومستقلا عن الإنسان، أو أنه قام بذاته ومن ثم سخره الإنسان لاحتياجاته الاتصالية أو غيرها. فإلى الإنسان، وإلى الإنسان وحده، تعود نشأة الرموز اللغوية كافة، ومعانيها واستخداماتها وحياتها.

غير أنه هذه هي علاقة ذات جهة واحدة، وليس بوسعنا عكسها وإهمال الإطار الاجتماعي والحياة الاجتماعية في آن. بمعنى أنه، في حين أن الرموز اللغوية تتكون في وعي الإنسان ويمكن لها أن تستمر فيه دون غيره، فأن الإنسان بمقدوره، خارج الإطار الاجتماعي، أن يستمر دون أن يكون متحكما برموز لغوية ما. فوجود الإنسان المادي لم يعتمد على اللغة ولا يعتمد عليها. لأن اللغة، في نهاية المطاف، لا تؤدي وظائف فيزيولوجية ولا وجود لأثر لها في ذهن الوليد. لكن العلاقة العكسية تأخذ زخما آخر ومعنى آخر حينما يرمي الإنسان إلى التحقيق الذاتي اجتماعيا. فوجوده الاجتماعي يعتمد على اللغة إلى حد كبير. وفي هذه الحالة تكون الرموز اللغوية أداة لا غنى عنها في حال من الأحوال. ذلك أن التحقيق الذاتي اجتماعيا يعني فيما يعني مقاسمة الآخرين النشاطات والتجارب والعواطف؛ يعني المشاركة التفاعلية مع الآخر. إنما هذا بدوره لا يتم، وليس له أن يتم إلا بفعل وسيط يُمكّن من نقل التجارب والمشاعر والعلاقات من شخص إلى شخص. على أن الإنسان لم يتلمس ولن يتلمس على الأرجح وسيطا ممكنا غير الرموز اللغوية بما فيها الإيماءات.

وفي الحقيقة، من الصعب تصور رموز لغوية خارج التجمعات البشرية. ذلك أنه حتى يكون بمقدورنا أن نشير إلى مجموعة رموز أو إلى مجموعة أصوات بتعبير ومفهوم لغة، فأنه لابد من وجود عدة أشخاص يستطيعون، أو شخصين على الأقل يستطيعان استخدام تلك الرموز أو تلك الأصوات بعلاقاتها الواضحة مع معانيها المحددة. بالمقابل، يصعب على المرء تصور مجموعة من الأشخاص المتعايشين فيما بينهم ماديا وروحيا دون أن يتوفر لديهم إيماءات وأصوات ورموز يتقنونها جميعا ويدركون معانيها بطريقة مشابهة.

في هذا الإطار، يمكننا القول إذن، إن الإنسان إذ أنتج الرموز اللغوية إنما فعل ذلك تلبية لمراميه إلى المشاركة الوجدانية والمادية مع الآخر؛ تلك المشاركة التي تتحدد حدودها بحدود النظام الاتصالي الرمزي القائم. وإذ يكتب الألسني المعاصر، الشهير نعوم تشومسكي أن اللغة هي " … وسيلة للتعبير عن عدد لا محدود من الأفكار ووسيلة للاستجابة في مجال لا محدود من الحالات "[1]،فإنه لمن المحقق أنها وسيلة للتعبير للآخر وليس للذات، وسيلة للتفاعل مع الآخر وليس مع الذات. هذا الانعكاس هو الذي يُمكن من التقاء أو تصادم أو تقاطع محتويات العقل والروح كأساس تقوم عليه المشاركة والتفاعل الاجتماعيين.

يظهر أيضا، مما أوردنا أعلاه، أن هناك ترابط وتلاحم عضويين ما بين القيام الاجتماعي وضرورة وجود نظام رموز لغوي عامل. ذلك أن اللغة كنتاج إنساني تظهر وتنمو للقيام على وظائف اجتماعية أساسية، ولا تأتي كخيار من بين خيارات أخرى. فاللغة هي من صنع الإنسان المطارد بعصا الضرورة الاجتماعية؛ أو على حد تعبير أحدهم: ظهرت اللغة كحاجة عملية؛ نشأت أساسا عن الحاجة، عن ضرورة الاتصال مع الآخرين[2].

غير أن علاقة الإنسان باللغة لا يتوقف عند نتاج الرموز أو عند تعلمها كإرث حضاري أو كأداة لا بديل عنها للتحقيق الذاتي اجتماعيا. إنها علاقة مشعبة ومعقدة ويمكن دراستها من مداخل عديدة جدا. غير أن علاقة اللغة بالفكر وبالتفكير تهمنا على نحو خاص في هذا البحث.

قد يكون من الملفت للنظر أن يتزايد باطراد عدد العلماء الذين يرون أن الاختلاف الأساسي بين الإنسان وبين الحيوان يكمن في قدرة الأول على صناعة الرموز واستخدامها دون اللجوء إلى التعامل المادي والمباشر مع مدلولاتها. ولئن كان بوسع المرء أن يعثر على مئات المراجع وعلى عشرات المفكرين المعاصرين الذين يرجحون هذا الاعتقاد، إلا أننا لم نعثر على من هو قبل ديكارت يطرح هذا على نحو بارز وبشكل شبه قاطع. لقد كتب يقول: بنفس الطريقة، نستطيع أن نتلمس الفرق بين الإنسان والحيوان. إنه لشيء على أهمية عظمى أنه لا يوجد على الإطلاق بشر أغبياء، ولا نستثني هنا المعتوهين نفسيا، وليس بمقدورهم أن يربطوا الكلمات في وحدة لغوية، وينطقون بها معبرين عن معتقداتهم. إن هذا الشيء لا يوجد عند أي حيوان مهما بلغت درجة كماله[3].

على أنه مع ظهور نظرية كاسريير حول الصيغ الرمزية، في منتصف الخمسينات من هذا القرن، راح العلماء يلقون اهتماما أكبر لقول ديكارت المذكور، وحصل اعتقاده هذا على مؤيدين كثر، وتزايدت بشكل مذهل البحوث التي تحاول إضاءة الجانب الرمزي كعامل بنيوي في تحتم قدرة الإنسان على التطور والخلق والإبداع. فالرمز، بالأحرى التعامل مع الرموز، هي من ميزات الإنسان وحده، وهي التي جعلته قادرا على استثمار ملكاته العقلية في عملية تأقلمه مع المحيط وأقلمة المحيط - بحدود الممكن - مع احتياجاته. ولعل الاعتقاد بأن الرموز هي أداة من أدوات التفكير الإنساني كانت خلف دعوة كاسريير إلى تعريف الإنسان على أنه حيوان رمزي Animal symbolicum بدلا من تعريفه على أنه حيوان عقلي Animal rationale.[4]

وفي الواقع، لا يستطيع أحد أن يجزم على نحو من اليقين إلى أي حد بإمكان الإنسان أن يفكر دون إحاطته وتملكه لسلسلة ما من الرموز. ثم أنه من الملاحظ أن الرموز اللغوية تتراكم وتتعدل عبر الزمان كنتيجة منطقية ملائمة لتطور وعي الإنسان ومعارفه. وإنه لمن المؤكد أن العمليات التفكيرية المعقدة لا تقوم إلا في إطار نظام رموز لغوية متطور نسبيا. كما أنه، في ظل الافتقار إلى نظام من الرموز القابلة للإدراك، لا يمكن للأفكار مهما كانت درجة بساطتها أن تظهر للعيان وأن تُطرح قيد التداول الاتصالي، هذا إذا كان من الممكن إنتاجها أصلا. ومهما يكن من أمر، فإن الإنسان لا يعرف غير اللغة حاملا مباشرا لمحتويات عقله، ولا يعرف غير اللغة وسيلة للعبور إلى محتويات عقول الآخرين. فاللغة هي الجسر الذي يربط بين عقول البشر ويمكّن محتويات تلك العقول من التداخل والتنقل. بدونها، معارف الإنسان تقتصر على تجاربه الشخصية والمباشرة. بواسطتها، معارف الإنسان تتسع لتشمل تجارب المجموعة الاجتماعية المتفاعلة فيما بينها. وما أقفر الإنسان معرفة وما أشد بؤس وعيه وما أبسط تفكيره حينما تقوم هذه على التجارب الشخصية المتقوقعة في داخله وحسب.

ثمة جانب آخر لهذه النقطة على غاية من الأهمية. فتجارب الإنسان ومعارفه الشخصية تفتقر إلى المحيط الزمني في ظل غياب اللغة. بدون رموز لغوية، تجارب الإنسان ومعارفه الشخصية تنحصر في داخله وفي الإطار الزمني الذي يعيش فيه؛ فلا يكون لها أي جذور في الماضي ولا أي وجود أو أثر في المستقبل. فهي تنشأ معه وتموت معه أيضا. ذلك أن اللغة في الحقيقة، هي العامل الوحيد الذي يمكن من تراكم المعارف والتجارب البشرية ونفخ الحياة فيها عبر الزمان. اللغة هي التي تمكن الإنسان من العودة إلى معارف وتجارب سابقيه؛ وهي التي تمكن تجاربه ومعارفه من البقاء على قيد الحياة بعد مماته. بدون اللغة، لا يكون بمقدور الإنسان الاستفادة من تجارب الإنسان الآخر، السابق أو المعاصر، مثلما لا يستطيع الإنسان اللاحق أن يستفيد من تجاربه. إنها بمثابة المخزن الذي يحفظ التجارب والأفكار عبر الزمان، وبالتالي لا ينبغي على الفرد التعرف على الأشياء من حوله دون أسس معرفية سابقة واعتمادا على قدراته ونشاطاته المستقلة عن غيرها وعن غيره. بهذا المعنى، وفيما لو أخذنا بالافتراض المحتمل بأن الإنسان يستطيع التفكير دون تملكه لمجموعة من الرموز اللغوية، فأننا سنجد أن تفكيره في هذه الحالة لن يتعدى نطاق معايشاته الشخصية بحال؛  تلك المعايشات المستقلة عن سابقاتها وعن لاحقاتها، والتي قد تكون متماثلة في التعاقب الزمني اللانهائي. لهذا، يمكن القول أن اللغة هي أداة تفكير، ليس فقط لأن الإنسان المعاصر عاجز عن التفكير بدون اللجوء إلى الرموز اللغوية، بل لأنها قبل هذا، مثلت وتمثل مفتاح آفاق التفكير من حيث أنها تضع كما هائلا من تجارب ومعارف متراكمة عبر الأجيال في متناول الفرد بدلا من أن يكون مضطرا إلى اكتشاف العالم من حوله انطلاقا من الفراغ المعرفي المطلق واعتمادا على التجربة الشخصية دون سواها.

ومثلما هي علاقة الإنسان باللغة لا تتوقف عند المسائل التكوينية والاستخدامية، فأن علاقة المجتمع بها لا تقتصر على هذه المسائل وحسب، بل سرعان ما تتعداها مكتسبة صفات عديدة. واحدة من تلك الصفات هي على غاية من الأهمية بالنسبة لبحثنا هذا، والتي ندعوها "المعادل الاجتماعي للرمز اللغوي".

 

المعادل الاجتماعي للرمز اللغوي

لمحّنا إلى أن الرموز اللغوية تنشأ حاملة لخصائص تكوينية للمجتمع. فهي التي تُمكن الأفراد من الاتصال الفكري والمعرفي فيما بينهم. على أن هذا بدوره يمثل الوجه الأساسي والقبلي للحياة الاجتماعية. وحتى فيما لو افترض أحد ما أن هناك إمكانية معينة لنشوء كيان اجتماعي بعيدا عن هذه الخلفية البنيوية، عن الرموز اللغوية، فأنه سيوافقنا القول بأنها ستظل مجتمعات صغيرة وبدائية، وستظل متقوقعة في إطار محدود جدا من المعارف والتجارب غير القابلة للتراكم عبر الزمان، هذا إذا كانت قابلة بطريقة أو بأخرى للتداول الاتصالي. ذلك أن الرموز اللغوية، إلى جانب خصائصها التكوينية للمجتمع، إلى جانب خصائصها الكثيرة الأخرى، لها خاصية تطورية للحياة والكيان الاجتماعيين. وإذا كان بإمكان المرء أن يتصور المجتمع المعاصر دون أنظمة رموز لغوية متطورة، فأنه لا بد أن يتخيله مجتمعا خاليا تماما من المطابع ومن المطبوعات ومن وسائل الأعلام الأخرى ومن الهاتف ومن المدارس والجامعات ومراكز البحوث ومن البنوك والأوراق المالية ومن البرلمانات ومن المؤسسات القضائية والثقافية وغيرها، ومن المواصلات ومن العلوم على مختلف أنواعها، ومن … ومن … إلى ما شاء من تصوُّر. فتراكم التجارب والمعارف الذي ما كان ممكنا إلا بفضل اللغة من ناحية أولى، والرموز اللغوية كأنظمة عاملة بلا انقطاع من ناحية ثانية، هما اللذان مكَّنا من بلوغ مختلف أوجه نشاطات المجتمع هذا المبلغ من التطور. على أنه ليس بوسع الرموز اللغوية أن تلعب هذا الدور الجوهري إلا بفضل علاقتها المباشرة والمتينة جدا بدلالاتها الاجتماعية المحددة.

ففي واقع الأمر، ما من رمز لغوي إلا وله دلالاته، والتي قد تتمثل في ظاهرة طبيعية أو في علاقة اجتماعية أو في علاقة ميتافيزيقية أو في غيره مما له وجود مادي أو روحي أو غيبي في وعي الإنسان. ومن المهم هنا التوكيد على وجود الدلالة؛ دلالة الرمز، في وعي الإنسان. ذلك أن الرمز إذ يولد في وعي الإنسان، إنما يولد وهو على ارتباط وثيق جدا بمدلوله. بتعبير آخر، يظل عقل الإنسان عقيما وعاجزا عن خلق الرموز ما لم يسبق ذلك إحاطته الواعية بالمدلول عليه. فالدلالات يجب أن تدخل وعي الإنسان أولا؛ ومن ثم يولد الرمز اللغوي الحامل لها، إنما العكس لا يمكن أن يكون صحيحا بحال من الأحوال. على هذا، يمكن القول أن الرموز اللغوية لا تتكون ولا تظهر في حقل الاتصال ما بين البشر ما لم يطال الوعي الإنساني الظاهرة أو العلاقة المعنية. في هذا الصدد يقول  ت. جورجيفيتش: الرموز اللغوية تولد أثناء التجربة من أجل تحديد معاني أعمالنا والأشياء من حولنا[5].

يمكن أن نضيف هنا؛ تدعيما لهذه الحقيقة التي سيكون لها أهميتها الخاصة في الصفحات اللاحقة، أن الإنسان المعاصر، أي إنسان عاقل، يجزم بلا ريبة أو شك أن هناك كما هائلا من الظواهر الكونية ومن العلاقات الإنسانية الحياتية، المادية والروحية، مما لازال مجهولا أو غائبا عن وعي الإنسان. لكنه سيتوقف عند هذا الحد، أو إن صح التعبير سيطلق عليها مجتمعة تعبير "أسرار الكون". على أنها فرادى لا زالت خارج النظام الرمزي اللغوي، لا زالت دون رموز لغوية تشير أو تدلل عليه. هي ستبقى كذلك مادام وعي الإنسان ظل قاصرا عن بلوغها. ويمكننا أن نلاحظ أيضا أن اللغة المعاصرة تشتمل على رموز لغوية كثيرة؛ بل كثيرة جدا، لم تكن موجودة في لغة الأجداد. أكثر من هذا، فبعض تلك الرموز لم تكن متوفرة في لغة الآباء حتى. ذلك أن وعي إنسان هذا الجيل أو سابقه كان قاصرا عن إدراك مدلولاتها. فالأشياء القائمة عمليا في وعي الإنسان هي، في نهاية المطاف، الإطار الطبيعي والحقيقي المحتم للرموز اللغوية نشأة واستمرارا. فما لا يعيه الإنسان لا رموز لغوية له، كما أنه لا رموز لغوية إلا في حدود الوعي.

بيد أن الرمز اللغوي يظل عاجزا عن تأدية وظائفه الاجتماعية المتنوعة ما لم يتوفر له شرطا جوهريا، ذلك هو انتقاله، حاملا مدلوله، من وعي الفرد المكون له إلى وعي الجماعة. لأنه، إذا كانت الرموز اللغوية تتكون في ذهن الفرد، فإنها لا تكتسب قيمتها وشرعيتها ولا تشغل وظائفها إلا في بيئة الوعي الجماعي. وفي الحقيقة، قد نفتقد إلى الدقة إذ نطلق على رمز ما اسم تسمية "الرمز اللغوي" ما لم يتسن لأفراد المجتمع تداوله اتصاليا كحامل لمعنى أو لمفهوم محدد على هذا النحو أو ذاك. فالرمز اللغوي هو في الأساس الرمز الذي يستطيع أفراد المجتمع، أو بعض أفراد المجتمع، استخدامه مرتبطا بمدلوله في اتصالاتهم وفي نشاطاتهم الذهنية. على أننا سنعمد في هذا البحث إلى تسمية المعنى أو المفهوم القائم في وعي الجماعة والمرتبط برمز لغوي معين "المعادل الاجتماعي للرمز". إننا نأخذ بالاعتبار سلسلة من الحقائق:

     1. إن الرموز اللغوية لا يمكن لها أن تعيش أو تستمر إلا في بيئة الوعي الجماعي. إنما الوعي الجماعي متطور متغير، وعليه فأنه من المحقق تاريخيا أن بعض الرموز اللغوية تبقى ثابتة في حين أن معانيها (مدلولاتها) تتغير من عصر إلى عصر؛ بل من جيل إلى جيل. وهذه تتكون بشكل خاص من الرموز الحاملة لمعان أو مفاهيم مجردة.

    2. إن بعض الرموز اللغوية لا تمتلك معنى ملموسا، محددا وواضحا، في وعي الجماعة. وهي رموز ظهرت في الغالب كنتاج لتأملات الإنسان الميتافيزيقية والفلسفية الروحية والمادية. إنها لا تحمل معاني دقيقة، ويبدو أنه لا يمكن التوصل إلى معان دقيقة بشأن مدلولاتها التي هي عادة ما تكون ظواهر تخيلها الإنسان، ونسب إليها بعض صفاته أو بعض صفات الحيوان أو غيره من ظواهر الطبيعة.

    3. إن بعض الرموز اللغوية تكتسب مع الوقت معاني بعدد المجموعات الاجتماعية والمصلحية العاملة ضمن المجتمع. وأخص بالذكر تلك الرموز التي تحمل معاني مجردة.

     4. إن بعض الرموز اللغوية تنحصر، حاملة معانيها، في إطار شرعية معينة دون غيرها.

     5. والحال هذه، إننا إذ نستعيض عن معنى الرمز بتعبير المعادل الاجتماعي للرمز، فأننا، وكما سنرى لاحقا، نرمي إلى وضع الرموز وما تنطوي عليه من معان ومفاهيم في بيئتها السليمة، وإلى تحميلها مفاهيمها أو معانيها الحقيقية؛ أي معانيها المتغيرة في وعي الجماعة المتغير. نطمح من هذا أيضا إلى الابتعاد عن النقاش العقيم حول معاني الرموز بذاتها وقد أظهرنا فيما سبق كيف أنه من المقدر للرمز أن يعيش في وعي الإنسان ولا يعيش بذاته أو لذاته إطلاقا.

على أن الاعتبارات الواردة أعلاه تصبح أكثر وضوحا وأكثر أهمية إذ نلحقها بمحاولتنا تصنيف الرموز اللغوية انطلاقا من طبيعة علاقتها بالدلالات القائمة في وعي الجماعة. ويجب التنويه مباشرة إلى أن تصنيفنا التالي يتعلق بالرموز التعبيرية Semantics  دون غيرها. ذلك أن النظام الرمزي برمته خضع في الواقع لمحاولات تصنيف قد لا تحصى وعلى الخصوص من قبل علم الألسنية والمنطق وغيره[6]. من جانب آخر، توسيع التصنيف ليشتمل على الرموز غير التعبيرية يحملنا عن نطاق هذا البحث، حيث أن هذه لا علاقة لها بمادته المحورية. ويمكن القول على الفور أنه ثمة مجموعتين رئيسيتين وبارزتين من الرموز اللغوية:

          - الرموز اللغوية ذات الدلالات المادية الملموسة: وهي مجموعة الرموز التي أشد ما تتسم علاقتها بالمدلول عليه بالوضوح وبالتحديد التامين بحيث أنهما يكفلان تحييد أية ازدواجية في إدراك المدلول أو أي خلاف بشأنه. كما أنها رموز تكون، عادة، شديدة الارتباط بمدلولها شبه الثابت عبر الزمان وعبر التغيرات الحاصلة على وعي الإنسان. فهي، من حيث المبدأ، لا تشير إلى مفاهيم ولا تحدد علاقة أو علاقات بين ذاتين أو أكثر، ولا تنطوي على أبعاد أدرا كية معقدة. إنها رموز بسيطة إن صح التعبير، وذلك من كونها تحمل مدلولاتها بشكل ملموس ومحسوس وبارز؛ تلك المدلولات المنتمية في الغالب إلى العالم المادي البحت. إن هذه المجموعة من الرموز هي، من جانب آخر، لا تتعلق كثيرا بجوهر أو بباطن أو بطبيعة الأشياء بقدر ما تشير إلى ظاهر الأشياء. أخيرا الرموز التي نحن بصددها، هي رموز يستطيع أفراد المجتمع قاطبة استخدامها والتعامل معها بدون ما لبس أو غموض. من هذه المجموعة، نذكر على سبيل المثال: الشمس، الماء، اليد، القط، النوم، الآكل … الخ. على أنه لا بد أن نشير هنا بشكل جلي إلى أن هذه المجموعة وإن كانت لا تغير مدلولاتها الظاهرية إلا فيما ندر، إلا أنها لا تحافظ على مفعولها النفسي بنفس الطريقة. ربما كان العكس هو الصحيح. أي، غالبا ما يتولد عن إدراكها من الوعي المختلف حالات نفسية مختلفة. فاستخدام تعبير الشمس أو مرادفه في فترة من التاريخ السحيق كان يرافقه إحساسا بالخشية وبالخشوع، إنما الأمر في عالم اليوم ليس كذلك.

          - الرموز اللغوية ذات الدلالات الروحية المجردة: وهي على النقيض من سابقتها. فمدلولها يتصف بالغموض في بعض الأحيان وبالنسبة لبعض الأفراد. كما أنه من الممكن تأويل علاقتها بالمدلول عليه بطرق متنوعة، بل جد متنوعة في بعض الحالات؛ هذا المدلول المتطور أبدا المتغير وفق تغيرات الوعي الإنساني المعني بها. إن هذا يعود أساسا إلى ثلاثة أسباب رئيسية. فمن ناحية أولى، لم يتوصل الوعي الإنساني بعد إلى الثبات المطلق في كيفية إدراكه لمدلولات تلك الرموز. ومن ناحية ثانية، تشير هذه المجموعة من الرموز في الغالب إلى مفاهيم مجردة وإلى ظواهر افتراضية – غيبية أو إلى علاقات ميتافيزيقية أو روحانية. إن هذا هو بالضبط ما يسمح وما يفسح المجال واسعا لتأويلها وفق الوعي المتغير؛ بل وربما وفق المصلحة المتغيرة. ومن ناحية ثالثة، تتحدد مدلولاتها وتوظف في معظم الحالات وفق إرادة الشرائح الاجتماعية المسيطرة، وتعمل تلك المدلولات مرتبطة ومتفاعلة مع مختلف الأنظمة الفاعلة في المجتمع. يمكن أن نورد منها على سبيل المثال المقولات الدينية، الله، الشيطان، الحق، الحرية، القيمة، المعياري، الجمال … الخ.

في الحقيقة، مجموعة الرموز هذه هي التي دعمت بشكل أكبر توجهنا إلى أن ندعو دلالة الرمز اللغوي أو معناه بالمعادل الاجتماعي له. فهي ترتبط بمدلول متقلب متبدل بوتيرة سريعة عبر الزمان وعبر المكان. مدلولها يعتمد إلى حد كبير على طبيعة العلاقة بين المصالح المتناقضة أو المتصارعة في المجتمع. إنما، باستخدام تعبير المعادل الاجتماعي نستطيع أن ندرس دلالة الرمز ومفعوله في الظرف الزماني والمكاني المحددين مبتعدين ما أمكن عن دلالاته المجردة ذات الطابع الجدلي في الفكر الفلسفي وغيره.

على أن استخدام تعبير المعادل الاجتماعي للرمز يخدم أيضا في وضع حدود فاصلة ما بين منهجنا وتوجهاتنا في هذا الكتاب وبين منهج واتجاهات المدارس الفلسفية التحليلية والوضعية المنطقية. هاتان المدرستان يحصران غاية الفلسفة وطموحها في تحليل اللغة؛ ذاك التحليل الذي يبحث أساسا عن معنى الرموز المستقل عن طبيعة الإدراك الاجتماعي المحدد له، ويتوصلان على هذا الأساس إلى أن الرموز التي تشير إلى مدلولات داخلة في نطاق الميتافيزيقيا هي رموز خالية من المعنى. إن وضع حدود فاصلة بين هذا البحث وبين ذاك الاتجاه هو أمر يكاد أن يكون قائما بذاته. لأنه، وكما رأينا سابقا، ما من رموز لغوية ليس لها دلالات، وبالتالي معان في الوعي الجماعي. وكون تلك الرموز تحصل على مدلولات أو معان شتى من زمن إلى زمن غير متباعدين ومن مكان إلى مكان غير منعزلين؛ وكون معانيها أو دلالاتها من صنع الخيال البشري المحض السابح في فراغ من المادة تام، أو متأتية من تأملاته الميتافيزيقية لا يلغيان بحال مفعولها الاجتماعي والنفسي الفردي. فنحن لا ندرس الرموز، ونعتقد أنه يجب ألا تدرس إطلاقا في معانيها المحتملة أو الكامنة ورد هذا إلى الماضي؛ إلى التاريخ. بل لا ندرس معانيها المحتملة أبدا، إنما نعالجها ونعالج معانيها المرتبطة في المكان وفي الزمان ولا نسحب تلك المعاني على الأزمنة وعلى الأمكنة الأخرى؛ السابقة أو اللاحقة.

 

اللغة والسياق اللغوي

إذن، ما من رمز لغوي إلا وله دلالته؛ معادله الاجتماعي، والذي قد يتمثل في ظاهرة طبيعية أو يعبر عن علاقة أو تجربة إنسانية، أو عن مفاهيم مجردة، أو عن تصورات ميتافيزيقية أو غيره. ولئن كانت بعض الرموز اللغوية تتسم بالثبات النسبي عبر الزمان، إلا أن علاقتها بمعادلها الاجتماعي لا تحمل هذه السمة أيضا.على النقيض من هذا، المعادل الاجتماعي للرمز، في ماهيته وفي طبيعته وليس في ظاهره، يخضع للتغيير والتعديل خلال فترات زمنية قد تكون قصيرة بالنسبة لهذا أو متباعدة بالنسبة لذاك. فالتقدم المعرفي والوعي المتزايد والاكتشافات الجديدة تضفي على علاقة الإنسان بالظاهرة أو بالمفهوم المعني طابعا جديدا، كما تفعل الشيء ذاته مع علاقة الإنسان بالرمز اللغوي الدال عليها. بكلمة أخرى، ثبات الرمز اللغوي لا يكفل إطلاقا ثبات مضامينه المعتمدة على معارف الإنسان الجديدة، وعلى اكتشافاته وعلى احتياجاته المتغيرة عبر الزمان، وعبر المكان أيضا. على أن التطورات السريعة الحاصلة على طبيعة العلاقة ما بين الرمز وبين معادله الاجتماعي تتجلى أكثر ما تتجلى في اختلاف الحالات النفسية الناجمة عن استخدام الرمز اللغوي في الزمان وفي المكان المختلفين.

في الواقع، إن العودة إلى البعد الوظيفي للغة ودراسة الجانب التفاعلي منه، على الأصح، دراسة الرموز اللغوية وهي تؤدي وظائفها في إطار النشاطات العملية والعقلية والعاطفية للإنسان ستقود إلى الحقيقة التي انتهت إليها دراسات كثيرة، من مداخل متنوعة، ويمكن أجمالها في القول: التغيير التاريخي الحاصل على اللغة يرجع بمجمله إلى تغير احتياجات البشر والى تراكم معارف وتجارب جديدة. لنأخذ، على سبيل المثال، مارتين إذ يكتب مستنتجا: أن التغير التاريخي الذي يصيب اللغة (ويصيب أيضا مفعول رموزها النفسي والاجتماعي – الكاتب) هو صفة أساسية من صفاتها، لأنه لا بد لها أن تتغير إذ تتغير احتياجات المجتمع[7]. ولنأخذ أيضا ايفيتش، إذ يكتب: تجارب البشر الجديدة، والتي ليس لها حامل رمزي لغوي تكفي بذاتها لإجبار اللغة على التغير[8].

بيد أن دراسات أخرى استنفدت جل جهودها لتأكيد الاعتماد المباشر ما بين الرمز اللغوي وبين سياق استخدامه وبين مفعوله النفسي. ولقد بينت تلك الدراسات أن مضامين الرمز اللغوي تعتمد على السياق في العديد من جوانبه الرئيسية. فمن ناحية أولى، يستخدم الإنسان الرمز اللغوي بفضل العمليات الذهنية المعقدة؛ تلك العمليات الهادفة إلى وضع المفهوم أو الظاهرة في الرمز المناسب المنسجم مع الرموز الأخرى to code. إن هذه العمليات تتم متأثرة إلى حد بعيد بالسياق النفسي والمنطقي للفرد المعني. من ناحية ثانية، إن نبرة الصوت والتي تعتمد على السياق الذي يتم فيه القول تؤثر بشكل مباشر على طبيعة إدراك الرمز اللغوي. ومن ناحية ثالثة، السياق البلاغي يحتم إلى حد بعيد الفهم الكيفي للرموز اللغوية[9].

بيد أننا، إذ نتفق مع ايفيتش على مفهوم السياق بهذه التفاصيل فأننا نتفق معه جزئيا ليس أكثر. ذلك أن مفهوم السياق اللغوي، وخاصة حين تعالج الرموز اللغوية بعلاقتها معه ومع مفهومها النفسي لا ينطوي على هذه التفاصيل بقدر ما يؤسس على عاملين أساسيين، هما عاملا  الزمان والمكان. فهذان يحددان في نهاية المطاف السياق المعرفي، والسياق الاجتماعي، والسياق الحضاري، وسياق الحاجة والضرورة، وسياق المحتمات التاريخية والإنسانية. هذه السياقات هي التي تكوّن المضامين الحقيقية للرمز اللغوي، والتي قد تخضع لبعض التعديل في حالات إستخدامية خاصة لا يصح أخذها بالاعتبار كحالات تحتم تلك المضامين. فعلى سبيل المثال، المضامين الحقيقية للرمز اللغوي "صنم" ليست هي اليوم كما كانت عليه قبل ألفي عام. والرمز اللغوي "الله" لا يحمل نفس المضامين في المجتمعات المعاصرة المختلفة. وحينما ينطق شخص ما بهذا الرمز "الله" فقد تكون غايته التعجب أو طلب العفو أو غيره. على أن هذه ليست المضامين الحقيقية لهذا الرمز ولا تمثل النبرة أحد جوانب السياق هنا إلا كلحظية وكخاصة. فعلاقة الرمز اللغوي بمضامينه هي علاقة محددة اجتماعيا؛ في وعي الجماعة، ولا يصح النظر إليها من خلال سلوكيات مجازية محتملة.

إن السياق اللغوي في حركة اللغة التاريخية التطورية إذن، هو الذي يمد الرمز بمفعوله؛ هذا المفعول المعتمد كليا على المعادل الاجتماعي في اللحظة الزمنية المعطاة. أما المعادل الاجتماعي للرمز فلا يمكن له أن يكون خارج الوعي الجماعي أو بعيدا عن مجمل الاشتراطات الاجتماعية السائدة، بدءا من المعتقدات، مرورا عبر الوضع الطبقي والاقتصادي، وصولا إلى القيم الاجتماعية وضوابط السلوك ومستوى التراكم المعرفي. فالتفاعل الاجتماعي بمختلف أوجه نشاطاته المادية والروحية هو الذي يبرر ويثبت هذا المعادل الاجتماعي أو ذاك لهذا الرمز اللغوي أو ذاك. والحال هذه، نفهم من تعبير السياق اللغوي مجمل الشروط والعناصر التي شاركت في عملية التفاعل الاجتماعي الذي أدى إلى تثبيت أو تعديل أو تغيير المعادل الاجتماعي للرمز اللغوي المعني.

 

لغة الإنسان وآلهته

لننطلق، ببساطة، من السؤال القديم، المتكرر الطرح في الفكر الفلسفي والإنساني، هنا وهناك، على مدى قرون طويلة. فهل خلق الله الإنسان أم أن الإنسان هو الذي خلق الله؟ إن إعادة طرح هذا السؤال يرجع أساسا إلى تلمسنا إمكانية للإجابة عليه وفق معيار أصيل؛ وفق معيارنا المعتمد جوهريا في هذا البحث، أي وفق تتبع التطور التاريخي للمعادل الاجتماعي للرمز اللغوي الله. بيد أنه لنقل في البداية، مجازا، أن الله كظاهرة ربما كان سابقا للإنسان وخالق له؛ فهذا اعتقاد يمكن قبوله ويمكن رفضه دون طلب مبررات وبراهين ملموسة، هي أصلا مستحيلة. على النقيض من هذا، أنه لمن المؤكد واليقيني تماما أن الإنسان هو الذي خلق الله كتعبير؛ كرمز لغوي. ينتمي الافتراض الأول إلى عالم الميتافيزيقيا ويتحقق بعلاقات التدين، بينما تنتمي الحقيقة الثانية إلى وعي الإنسان المتراكم تاريخيا؛ ويمكن تلمسها في جملة الحقائق التاريخية الثابتة. منه، كانت الإجابة على الشق الأول من السؤال المطروح دائما ميتافيزيقيا. فالله كمحور في هذا السؤال هو أصلا مقولة ميتافيزيقية. لكن العودة إلى التراث الفكري الإنساني، بغية الوقوف على أجوبة الشق الثاني المحتملة، تبين أن معظم الاتجاهات حاولت الإبحار في خلفيات الإنسان الاحتياجية النفسية التي جعلته يخلق آلهته. ونشير، على أية حال، أننا لن نتوقف عند الجزء الأول من السؤال المطروح إلا بشكل مختصر وهامشي، وذلك لعدة أسباب نذكر منها:

أولا: لا طاقة لنا على تأييد الأحكام والاستنتاجات الميتافيزيقية؛  كما أنه لا قدرة لنا على التأمل الميتافيزيقي، ولا نتقن المحاجات الميتافيزيقية. فهذا ليس منهجنا في هذا الكتاب ولا هو من خصالنا. إنما معالجة إمكانية أن يكون الله قد خلق الإنسان والكون هي قضية لا تقع أبدا خارج الإطار الميتافيزيقي، ولا تنفصل عن التخيلات الإنسانية التي لا ضابط منطقي يضبطها ولا مبدأ علمي ترتكز عليه. فالله بذاته، كما ذكرنا، هو مقولة ميتافيزيقية.

ثانيا: يطرح السؤال فكرتين متناقضتين متنافيتين، ومنه كانت معالجة أحدهما تبرز إلى حد كبير حقيقة الأخرى. على أن تفحص إمكانية ما أن يكون الإنسان هو الذي خلق الله يمتاز بأسبقية علمية كبيرة جدا. مثل هذا التفحص يمكننا من استخدام الوسائل المنطقية والحقائق التاريخية من أجل الكشف عن حدود تلك الإمكانية. هذه الوسائل، على عكس الميتافيزيقية، تضع المرء على مقربة من الواقع الحقيقي، وتقود أحكامه نحو المزيد من الدقة والصحة.

إذن، هل خلق الله الإنسان؟ إن الإجابة على هذا السؤال التقليدي يمكن أن تكون هي الأخرى تقليدية، ومن ثم نمضي إلى النقطة التالية. مع ذلك نرى من الأهمية بمكان أن نتابع اطروحات اتجاهين حاولا معالجة الموضوع باستفاضة، وتفرع عن كل منهما اتجاهات عدة. على أن ثمة قاسم مشترك بينهما بالرغم من تضاربهما أشد التضارب. فكلاهما يقول أن من مميزات الإنسان، ككائن بين الكائنات الحية الأخرى، قدرته على الوقوف على العلة؛ علة الأشياء. ثم، لا يلبثان أن يفترقا ويتباعدا ويتناقضا حينما يحاول كل منهما تحديد علة هذا الكون. إضافة إلى ذلك، يفتقر كل منهما إلى القاعدة المعرفية الحقة في منطلقاته وإلى الحقيقة العلمية في تحليلاته، معتمدا المسلمات الميتافيزيقية المتراكمة تاريخيا في وعي البشر كقيمة أو كحقيقة وهمية.

يعتمد الاتجاه الأول، الاتجاه الديني (الإسلامي)، مجموعة من مسلمات ميتافيزيقية ثابتة منذ أربعة عشر قرن على أقل تقدير، ويحاجج مستخدما البديهة؛ البديهة الألوهية، أو بالأحرى، المعطيات الألوهية التي لا يصح النظر إليها إلا كبديهة، وذلك في محاولته للوقوف على علة الكون. إن الله، وفق هذا الاتجاه، يخبرنا بلسان مقربيه ورسله أنه هو بمفرده علة الخلق المستمرة، وأنه المتحكم بمصير المعلول، وعلينا نحن البشر المحدودين القدرات العقلية أن نسلم بالأمر دونما طلب توضيحات أو براهين من شأنه أن يغضب الله. هذه الحقيقة الألوهية يجب ألا تخضع للفحص والتمحيص العقلاني والذي لا بد أن يكون بلا طائل مادام العقل الإنساني عاجزا عن إدراكها مهما تعاقب الزمن. بهذا المعنى، الاتجاه الديني (الإسلامي) أنهى سعيه إلى معرفة علة الكون؛ أنهاه بشكل محزن ومؤسف إذ حرم عقله وتفكيره العقلاني من حقه الطبيعي (والإلهي أيضا) في التمظهر الحر في عملية تعرف الإنسان على المحيط الأوسع والتعامل معه بواقعية، وأنهاه بشكل قسري إذ وضع حدا ميتافيزيقيا لنشاطات العقل الباحثة عن العلل اللامتناهية. فالاتجاه الديني الإسلامي، لا يأخذ الله كعلة للخلق وحسب، بل هو أيضا علة الموت، وعلة مصائب الإنسان، وعلة أفراحه، وعلة رزقه وشبعه وجوعه وقلقه … الخ. الله هو علة الخلق وهو علة كل ما يطرأ على المعلول من تبدلات وتطورات ومواجهات. إنه علة هذا الكون وكل ما فيه وكل ما يدور ويحدث فيه. بيد أن الاتجاه الديني (الإسلامي) لا يقف عند هذا الحد. فالله الذي خلق الإنسان، حدد له نماذج من السلوك اليومي وأمره باتباعها كواجب اتجاه خالقه؛ واجب العبد اتجاه مالكه. أكثر من هذا، الله حدد للإنسان القاصر عن إدراك الحكمة من أمره شرائح من آداب الطعام والشراب والنكاح والزواج وغيره وغيره. وإذ أنه خلق للإنسان عقلا، إنما خلقه ليدرك هذا تعليمات الرب وينفذها دون استخدامه اللامجدي في معرفة أسرار الخالق والتي ستظل بعيدة عن مناله في كل حال. فهذا هو "مولانا" أبو العلا المودودي يقول: لقد وجدنا الألوهية لا تكمن في أي من العناصر المادية أو الإنسانية في هذا الكون. بل لا يحمل أي منها أي اثر للألوهية مهما صغر. بحثنا قادنا أيضا إلى استنتاج أن هناك كائن يسمو فوق كل ما تراه أبصارنا الضعيفة في هذا الكون. هذا الكائن يمتلك صفات إلهية، وهو الذي تقف مشيئته خلف كل الظواهر، وهو مبدع هذا الكون العظيم، وهو الذي يكفل قوانينه العجيبة، وهو مولى أبديته، وهو القائم على كل ما يحدث فيه، أنه الله سيد هذا الكون، الله الذي لا شريك له في ألوهيته[10]

يذهب الاتجاه الآخر إلى تأكيد أن للكون علة، علة لازالت مجهولة، إنما فد يثمر سعي العقل البشري الدؤوب في التعرف عليها. هذا الاتجاه، على النقيض من سابقه، لا يرى ثمة ما يدعو إلى إرجاع تلك العلة إلى خالق له صفة الديمومة عبر الزمان. ذلك أن الأحكام والتفكير القائمين على البديهة الألوهية لا أساس عقلاني أو علمي أو معرفي لهما على الإطلاق. في أساسهما يكمن الجهل بالعلة والتخيلات الميتافيزيقية والتي سرعان ما تتحول إلى أوهام؛ ومن  ثم إلى حقائق وهمية. فليس ثمة ما يدل على وجود خالق كعلة لهذا الكون كما تصوره المعتقدات الدينية السائدة. بالطبع، هذا الاتجاه وكما هو واضح من منطلقاته، لم يحسم بعد مسألة علة الكون بشكل قاطع أو محدد. على العكس، يؤكد على ضرورة ترك هذه المسألة مفتوحة لاجتهادات العقل البشري والعلوم المتطورة. لكن ثمة فلاسفة ومفكرين كانوا أكثر تسرعا من غيرهم، فقدموا اقتراحاتهم وأفكارهم في هذا المجال انطلاقا من تأملاتهم الميتافيزيقية البحتة. ولربما كان تصور فولتير ذا أهمية خاصة من كون أنه وجد صدى واضحا في مدارس فلسفية متنوعة لاحقة (الوجودية، الواقعية). لقد أنكر فولتير على الله تلك الصفات وتلك القدرات التي تحمله إياها المعتقدات الدينية. فالله حسب رؤية فولتير، كان موجودا كعلة أولى لهذا الكون وحسب. الله أعطى الكون حركته الأولى وانتهى دوره ومفعوله حيث راح الكون يسير وفق قوانينه الخاصة[11].

لا بأس من أن ندع هذين الاتجاهين عند هذه النقطة، ونورد اتجاه ثالث لا يجمعه معهما جامع. فبعيدا عن الله كمقولة ميتافيزيقية أو كعلة محتملة أولية لهذا الكون وحسب أو دائمة وأبدية، ظهرت مع بداية القرن العشرين مدرسة جديدة سرعان ما تطورت كثيرا وعلى الخصوص في العقدين الماضيين. يحاول مفكرون من هذه المدرسة البحث عن علة الكون في الكون ذاته معتمدين على معطيات الفيزياء، والفيزياء الكمية بشكل متميز. كما أنهم يأخذون بالاعتبار الحقائق التي قدمها علم الفلك. ولعل بول دافيس هو من أشهر ممثلي هذا الاتجاه في يومنا الحاضر.

إن نقطة انطلاق الاهتمام الفكري لهؤلاء يتمثل بحقائق الكون الفيزيائية وبمعطيات علم الفلك الثابتة، وبخاصة حقيقتين:

          - إن الكون ليس في حالة استقرار إطلاقا، وهو لم يكن كذلك في الماضي. فثمة تطور يطرأ عليه باستمرار. المجرات تبتعد الواحدة عن الأخرى، والنجوم في طريقها إلى التفحم؛ بمعنى أنها لن تضيء إلى ما لا نهاية.

          - إن قوانين الفيزياء تصاغ في ظل الزمان والمكان.

على أن الفيزيائي والفيلسوف دافيس يتوصل بناء على دراسة هذه الحقائق وخلفياتها وإمكانياتها إلى تأكيد أن الكون يستطيع خلق نفسه بنفسه، أو على حد تعبيره: قوانين الفيزياء لا تتعارض مع إمكانية أن يكون الكون قد أبدع نفسه[12].

بعد هذه اللمحة المختصرة بخصوص الأجوبة القائمة أو المحتملة على الشق الأول من السؤال المطروح في هذا الفصل، دعونا نعود إلى شقه الثاني ذو الاهتمام الجوهري في بحثنا هذا. فمن الواضح أن الإنسان لم يخلق الكون، إنما أيكون هو من خلق الله؟ والإنسان، عبر تاريخه الديني الطويل؛ الطويل جدا، خلق آلهة لا تحصى، فهل يكون آله السماء من جملة هؤلاء أم هو غير ذلك؟ ومما لا شك فيه أن الإنسان هو الذي خلق الرمز اللغوي "الله" فما هو معادله الاجتماعي والإنساني في وعي الجماعات المتغير عبر الزمان وعبر المكان؟ وهل عرف الإنسان الله، بالمعنى التوحيدي، قبل أن يقدم الله نفسه للإنسان؟ وهل قدم الله نفسه للبشرية بنفس المواصفات والخصائص والقدرات التي سجلها الإنسان له، والتي كانت معادل رمزه اللغوي في الوعي الاجتماعي السابق لذاك التقديم؟

قبل أن نمضي قدما في الإجابة على هذه الأسئلة معتمدين المعيار اللغوي، نشير إلى أن كثير من الفلاسفة والمفكرين؛ بل كثير جدا، مالوا أو يميلون إلى الاعتقاد بأن الإنسان؛ الإنسان وحده، هو الذي خلق الله، وهو الذي رعاه وطوره حتى أضحى على ما هو عليه من الفخامة. إلا أن معظمهم، في واقع الأمر، يبحث عن الأسباب التي  حدت بالإنسان إلى خلق آلهته وصولا إلى تأكيد أن الله هو ثمرة من ثمرات الوعي الإنساني. ولئن كنا، في هذا البحث، أقل اهتماما منهم بمعرفة الأسباب، ولئن كنا لا نعتبر ثمرة الوعي هذه سامة إلا بقدر ما يساء استخدامها، إلا أن هذا لا يعفينا من أن نورد بعض الملاحظات وأن نسجل بعض المواقف التي ستساعدنا بعد حين.

ويمكن القول مباشرة أن ديموقريطس هو الفيلسوف الأقدم الذي وضع الآلهة في وعي الإنسان دون أن يضع الإنسان في يد الله.  فالبشر  قادرون، في نهاية المطاف، على العيش بدون آلهة، إنما الآلهة لا يمكن لها أن تعيش إلا في ظل البشر. بتعبير آخر، لا وجود لآله حيث لا يوجد إنسان، إنما يوجد إنسان حيث لا يوجد آله. ديموكريت يعلل هذا بالقول: إن الخوف من الظواهر العظيمة في الطبيعة هو الأساس الذي يقوم عليه الاعتقاد بوجود آلهة[13]. من ثم، إذا كانت الآلهة موجودة حقا في مكان ما من هذا الكون، فأنه لمن المؤكد أنها لن تغير مزاجها أو توجهاتها تلبية للاستجداء البشري. وحين نفترض أن الآلهة هم ظواهر أو ظاهرة بين ظواهر الطبيعة الأخرى، فأنه يصبح من اليقين بمكان أنهم يخضعون هم أيضا للقوانين المتحكمة بظواهر الطبيعة كافة، وبالتالي ليس بوسعهم أن يفعلوا شيئا خارجا عن تلك القوانين أو ليس مسيرا بفعلها. 

وفي الحقيقة، مضت قرون كثيرة منذ ديموقريطس ومعاصريه دون أن يُعاد طرح مسألة أن يكون الإنسان هو الذي خلق الله. ذلك أن ظهور الديانة المسيحية أطبقت على هذه الموضوع نحو سبعة عشر قرنا. ولئن ظهر خلال هذه الحقبة مفكرون أفذاذ، إلا أن مبادراتهم الفكرية ظلت في إطار التوجهات الكنسية. فحرية الفكر والأفكار خلال هذه الزمن الطويل لم تكن لتبلغ حد التشكيك بالحقائق الألوهية بحال. على أن ولادة الرأسمالية في المجال الاجتماعي - الاقتصادي، وتكون أجنحة إصلاحية في الكنيسة ذاتها، مكنا من استئناف ما بدأه فلاسفة اليونان القديمة. وربما كان بيكون (القرن السابع عشر) من طلائع الفلاسفة الذين "تمردوا"على المعتقدات البشرية الدينية في ظل سيادة التعليمات المسيحية والكنسية. لقد فتح بيكون، بتمرده هذا، الباب مجددا لإخضاع الدين للمحاكمات العقلية. إن نقطة ارتكازه تتمثل في الاعتقاد بأن العقل البشري مثل المرآة التي تعكس الواقع بشكل مشوه.

توماس هوبس، صاحب نظرية التضليل الواعي، مثله مثل ديموقريطس وإن كان بشكل أعمق وأوسع، اعتقد أن الجهل مضافا إليه الخوف هما اللذان يكمنان في أساس الدين. والسلطات، حسب قول هوبس، تستفيد من هذه الحقيقة بشكل واع من أجل بلوغ أهدافها. فالسلطات لا يخفى عليها أنه بفضل الجهل والخوف يسهل صنع العبيد من الأحرار، وتعلم أيضا أن دونهما ما من أساس آخر للدين، ومع ذلك تشجعه تلبية لمصالحها.

وشن سبينوزا، هو الآخر، حملة فكرية قوية على الكنيسة والتعليمات الكنسية. ولقد اعتبر الدين نوعا من التخيلات اللاواقعية، ورأى السبب الرئيسي لنشوء الدين في عدم ثقة الإنسان بقدراته الخاصة وهو يتأرجح ما بين الأمل والخوف.

 

الله كتعبير - الله كمقولات ومفاهيم

إنه لمن غير المحقق قطعا متى ظهر الرمز اللغوي "الله" لأول مرة في التاريخ اللغوي البشري على وجه التحديد. هناك بالطبع مؤشرات وتقديرات متفاوتة كثيرا أو قليلا، إلا أن معظمها يعيد نشوء هذا الرمز أساسا إلى الحضارات التي تواجدت في بلاد الرافدين؛ في الفترة الواقعة ما بين أواخر الألف الرابع قبل الميلاد وأواسط الألف الثالث قبل الميلاد.

مهما يكن من أمر، من الثابت أن الله كرمز لغوي ظهر وساد في لغات الحضارات المختلفة السابقة بوقت طويل لظهور رسل الديانات التوحيدية. إن الإنسان هو الذي أوجد تعبير الله معتمدا على تطور وتطوير النظام الرمزي اللغوي. والحضارات البشرية عرفت الله كتعبير وتعاملت معه قبل أن يخاطب الله الإنسان وقبل أن يبعث بأنبيائه. في هذا الصدد، ثمة حقيقة على غاية من الأهمية، فإذا كان الإنسان قد عرف الله كتعبير قبل أن يقدم الله نفسه للإنسان بذات الرمز اللغوي؛ وإذا كان الله قد استفاد من الوعي اللغوي الإنساني وانتحل أحد رموز المنتجات اللغوية البشرية ليدلل به على ذاته، فأنه يمكن القول أيضا إن الله لا يحمل هذا اللقب إلا لأن الإنسان أراد له ذلك. ولو أن الإنسان دلل عليه بتعبير آخر لكان على الله أن يقبله وأن يقدم نفسه للإنسان به. ثمة حقيقة أخرى تقترن بسابقتها وتمتاز بذات الأهمية. فالله، إذ خاطب الإنسان لم يخاطبه بالقول: أنا من تدعوني الله … بل خاطبه قائلا: أنا الله..

وسواء كان هذا يعني أن الإنسان توصل إلى معرفة اسم الخالق الحقيقي بقدراته العقلية الخاصة وحسب، أو كان يعني أن الله اخذ اسمه عن السنة البشر واقره أبديا، فأن هذا يبرز لنا مجموعة من المؤشرات والحقائق والتي يجب أن تبقى ماثلة أمام الذهن العلمي وفي صلب البرهان المنطقي حين يتم تناول بعض من المقولات الألوهية وبعض من مفاهيم الله. أهمها:

          1. إن الله كتعبير هو نتاج بشري بحت، هو نتاج الذهن البشري وملتصق به دون غيره. الله كتعبير لا وجود له إلا في العقل البشري واللغة البشرية وبفضليهما.

          2. إن الله خاطب الإنسان، أول ما خاطبه، بعد انقضاء عدة قرون على إدراج الإنسان تعبير الله ضمن النظام الرمزي اللغوي المعمول به.

          3. إن الإنسان خاطب الله قبل أن يخاطب الله الإنسان. وإذ خاطب الله الإنسان إنما فعل هذا، قبل كل شيء، لتوضيح مفهوم هذا التعبير المتداول على السنة البشر.

          4. إن الإنسان إذ استحدث تعبير الله، إنما أراد بذلك الإشارة إلى مفاهيم أو مضامين أو مقولات محددة حينا متغيرة في أغلب الأحيان.

إن الله، يوم أن خاطب الإنسان، لم ينف كل تلك المفاهيم الإنسانية لهذا التعبير. على العكس، لقد أكد معظمها، وربما أكثرها جوهرية، وهذا ما سنراه بعد قليل. هذا يعني أن الإنسان توصل إلى معارف كثيرة عن الله قبل أن يقدم الله نفسه للإنسان.. هذا يعني أيضا أن الإنسان بمفرده، بقدراته العقلية الخاصة، انتج تعبير الله ونسب إليه بعض المضامين التي أكدها الله ذاته بعد ردح طويل من الزمن. والحال هذه، كيف يكون بمقدورنا الآن أن نفصل مفهوم الله كما رآه هو ذاته عن مفهوم الله كما رآه الإنسان؟ كيف لنا هذا والله لم يعط لذاته مفاهيم جديدة بقدر ما عدل بعض مفاهيم الإنسان له؛ في حين قَبِل البعض الآخر كما تخيلها الإنسان دون تعديل أو تبديل؟ ثم، ألم تأت تعديلات الله لمفاهيم البشر عنه مستقاة من البنية النفسية الإنسانية التي كانت سائدة من جانب أول، ومبنية على احتياجات البشر الواعية (الاجتماعية)؛ لا الطبيعية ولا البيولوجية، من ناحية ثانية؟

في الحقيقة ليس بوسعنا أن نقوم بذاك الفصل إلا تعسفيا وغائيا وبعيدا عن المنطق وعن العلم وعن الجدية وعن الصدق. فالله الذي أكد التعبير اللغوي البشري له، أكد كثيرا من المقولات البشرية عنه أيضا. وإذ أضاف إلى الوعي البشري بعضا من المفاهيم عنه، فأنه مما لا شك فيه أنه أسسها على الوعي الديني البشري المحض.

فمن المعروف أن تعبير الله في وعي الإنسان الديني؛ وفي غيره أيضا، لا ينطوي على مدلول مادي ملموس وواضح. فالله بذاته هو ظاهرة لا يمكن لحواس الإنسان أن تطالها، وجل ما يمكن عمله بهذا الخصوص أن يمتلك المرء بعض الشجاعة المتهورة فيقول أن الله هو عبارة عن نور، أو هو كائن شبيه بالإنسان، أو هو قوة  لا متناهية واعية، أو شيء من هذا القبيل مما هو مرفوض تماما من قبل الخطاب الديني والتعاليم الدينية. إن تعبير الله لا يرتبط بظاهرة محددة إنما بصفات ظاهرة هي بدورها غير ملموسة وغير محددة بتسلسل منطقي مقبول. ويمكن القول بكثير من الحرية أن المدلول الاجتماعي للرمز اللغوي الله، بعد تكون الديانات الإنزالية، يتمثل في مجموعة صفات ومؤثرات إنسانية، منسجمة حينا ومتناقضة أحيانا أخرى، وليس بظاهرة مادية قائمة من ذاتها وبذاتها. وبالطبع وعي الإنسان بتلك الصفات أو المؤثرات كان حاضرا وكان عاملا أساسيا في أغلب نماذج التدين عبر التاريخ الطويل. ولئن كانت في الماضي السحيق، وإلى أن ظهرت الديانات التوحيدية، ترتبط بموضوع مادي محدد وملموس، يتم تبديله من زمن إلى زمن، إلا أن هذه الصفات والمؤثرات أصبحت في عصر الديانات الإنزالية ترتبط بظاهرة لا يمكن الاستدلال المادي عليها. بكلمة مختصرة: الصفات ذات الصفات، والإنسان ذات الإنسان، لكن حاملها كان من صنع البشر في زمن بائد، ثم أضحى مجهولا متخيلا مع ظهور الأنبياء الداعين إلى وحدانية الإله في مملكة السماء. إن هذه لحالة تكاد أن تكون فريدة في الأنظمة اللغوية المختلفة. فنحن، حينما نقول أن هناك كائنا حيا، يعيش في الغابة، ذا مخالب وأنياب حادة، يسير على أربعة أطراف، يأكل الحيوان والإنسان، نسميه ملك الغاب أو الأسد، فأن ما من أحد يتردد في الاعتقاد بوجوده أو يستطيع التنصل من التعرف والاستدلال عليه. وحينما نقول أن هناك كائناً حياً، ذا جناحين وريش، يطير من مكان إلى مكان ويغرد، حجمه وسع راحة اليد ونسميه عصفور الدوري، فأن الجميع سيعرفه وسيستدل عليه بدون لبس أو ارتياب. لكن ثمة نقص عجيب يظهر حين نقول أن هناك شيئاً أو ظاهرة، لا نعلم إن كانت مادية أو غير ذلك مما نجهل، هي حية لكن لا ندري إذا كانت هي كائن أم سواه، فأنني أشك في أن أحد سيجد من وقته ما يبذره اهتماما بمثل هذا القول الأشبه بقول قاصر. لكن دعونا نضيف إلى هذا القول، هذا الشيء يحي ويميت، هو الذي خلق الكون وهو المتحكم في دقائقه، يكافئ الإنسان ويعاقبه، قادر على كل شيء، غفور وشديد العقاب … الخ، ندعوه الله، فأن ما من عاقل يستطيع القول أنه يعرفه بذاته، وعلى كل شخص أن يتصوره وفق ما يسعفه الخيال. فتعبير الله هو التعبير الوحيد الذي يتضمن دلالات على صفات ظاهرة مادية؛ مادية باعتبارها فاعلة ماديا في هذا الكون وما يحتويه، دون أن يكون بوسع الإنسان التعرف عليها بذاتها. بكلمة أخرى، إن تعبير الله يدلل على صفات شيء مادي في حين لا يمكن إطلاقا تلمس ذاك الشيء، وهنا تكمن مفارقة لغوية كبيرة؛ أكبر مما يمكن للعقل وللمنطق وللحس السليم أن يتغاضى عنها.

في الحقيقة، هذا الفراغ المعرفي اللغوي، وهذا الالتباس ما بين التعبير والمدلول عليه، وهذه المفارقة ما بين أن نمتلك صفات شيء مادي في حين نجهل الشيء المادي ذاته، يفتح واسعا أبواب الشك في طبيعة الظاهرة بذاتها؛ بل وبوجودها أيضا، مثلما يرتب على الدراسات المعنية بهذا الموضوع مصاعب شتى. أولى تلك المصاعب وأبلغها تتمثل في أن دراسة الرمز اللغوي الله ومعادله الاجتماعي من ناحية ومدلوله المادي من ناحية ثانية، لا بد أن يأخذ قالبا آخر غير قالبها الطبيعي المحتمل. فليس بوسع الدارس أن يتعامل مع مدلول الرمز اللغوي الله؛ ومع معادله الاجتماعي، إلا كما يتعامل مع الرموز الدالة على مفاهيم نسبية والتي لا حامل مادي موحد ومحدد لها من مثل الحرية، العدل، الأخلاق، الجمال، وغيره. ذلك أنه، إذ نفتقد إلى ملموسية الظاهرة بذاتها أو إلى الحامل المادي لصفاتها، يصبح من غير الممكن الحديث عنها بذاتها. وحينما تكون الظاهرة تحمل صفات مادية وتأثيرات الأشياء المادية وتبقى هي بذاتها مجهولة وغير محددة، من مثل ظاهرة الله، فأن دراستها بذاتها لا بد أن تتسم بالفوضى الفكرية وبالبرهان المختلق الواهن وبالنقص الذي يقتضيه التحيز الفكري المنغلق. يمكننا والحال هذه، أن نعالج صفاتها ومقولاتها والتي هي في واقع الأمر نسبية عبر التاريخ بالرغم من تمحورها حول ظاهرة أو مجموعة ظواهر مادية ملموسة تم الاعتقاد بقدراتها الغيبية في بادئ الأمر، ومن ثم توصلت الديانات التوحيدية إلى رفع الظاهرة ذاتها إلى دنيا الغيبيات.

 إذن، إذ نعالج في هذا البحث المعادل الاجتماعي لتعبير الله، فإنما نقتصر على معالجة بعض مقولاته ذات الاستمرارية الطويلة والاتساع والأهمية، وننتهي عن البحث في صفاته إلى مكان وزمن آخر قد يكون أنسب من هذا المكان وأصلح من هذا الزمان. فهذه هي حدود الممكن.

أ.الحياة بعد الموت: مما لاشك فيه أن التصورات الدينية قديمة؛ ربما قدم الإنسان ذاته. وإن كنا في الوقت الحاضر لا نزال نجهل فيما إذا كان الإنسان الأول؛ إنسان الكهف، قد امتلك بعض مبادئ السلوك وبعض منظماته ذات الأهمية الخاصة للحفاظ على الوجود والتي كانت على علاقة ما باعتقاده بوجود قوة رهيبة، قوة فوق طبيعية، يمكنها أن تساعده أو أن تعيقه على درب تحقيق أمانيه، غير أننا لا نمتلك أيضا ما قد ينفي هذا الاحتمال. وفيما لو عدنا إلى البحوث الارشيولوجية والأنثروبولوجية لوجدنا أنها استطاعت أن تدلل بالبرهان الدامغ على أن ثمة تصورات دينية كانت تسود وعي وعالم الإنسان العقلاني الأول Homo sapain؛ قبل ثلاثين ألف عام. قد تكون تصورات مبهمة وغير متبلورة تماما، إلا أنها تصورات دينية على أية حال، وفي مقدمتها الاعتقاد بوجود حياة أخرى وعالم آخر، أي حياة ما بعد الموت وعالم الأحياء بعد مماتهم. على أنه لا بد من الإشارة إلى أن ثمة حقائق تدفعنا إلى إرجاع التصورات الدينية الأولى إلى الإنسان العقلاني الأول من غير احتمال سحب هذا على سابقه. فمن ناحية أولى، يمكننا الاعتماد بكثير من الحرية على المعطيات الأنثروبولوجية والقائلة بوجود فوارق حقيقية، فيزيائية وفيزيولوجية (الدماغ) وعصبية ونفسية ما بين الإنسان العاقل وبين الإنسان السابق له. من ناحية أخرى، لكي تظهر تصورات جماعية، دينية أو غيرها، لا بد أن تكون الجماعة البشرية المعنية قد بلغت درجة من النمو العقلي الذي يمكنها من الحكم ومن التخيل ومن تجميع التجارب وتخزينها في الوعي الجماعي، مثلما يمكنها من إيجاد علاقات "منطقية" بين الظواهر الحقيقية أو الوهمية. فظهور التصورات الجماعية(الدينية) ما كان على الأرجح ممكنا أبدا قبل أن يظهر الإنسان الممتلك لوسائل التفكير التجريدي؛ أي رموز اللغة، والقادر على الفهم وعلى التحليل ولو في إطار جد ضيق، والقادر أيضا على حفظ وتعميم التجارب العملية.

غير أن الإنسان ما قبل العاقل كان يفتقر إلى هذه المواصفات وإلى هذه الوسائل. لكن الإنسان العقلاني الأول، والحق يُقال، لم يكن هو الآخر غنيا بالملكات العقلية الخلاقة ولا كان غنيا بالرموز اللغوية ولا مشبعا بالتجارب العملية. ومن ثم فأن العودة إلى آثاره لا تخدمنا كثيرا في تكوين فكرة واضحة عن معتقداته الدينية؛ لا لأنها آثار مبهمة، بل من المرجح لأن ذاك الإنسان ذاته كان لا يزال عاجزا عن تكوين معتقدات دينية واضحة. ولعل الشيء الوحيد، الثابت ارشيولوجيا، إن ذاك الإنسان اعتقد بقوة أن الحياة الدنيوية لها امتداد فيما بعد الموت. الموت بالنسبة للإنسان العاقل الأول هو فاصل ما بين حياتين؛ الحياة الدنيوية والحياة الغيبية. على أن هذا الاعتقاد الذي يزيد عمره عن ثلاثين ألف عام أضحى بفضل الله ورسله المقولة الأكثر مركزية في الفكر الديني والعامل الأهم في تحتيم الوعي الديني المعاصر. الإنسان العقلاني الأول لم يترك لنا ما يحدد مكان الحياة الغيبية؛ الحياة التالية للموت، إلا أنه في كل الأحوال اعتقد بها ووظف من وعيه وطاقته جزءا لها. هذا الاعتقاد ظل ذو مكانة خاصة في معظم الأشكال الدينية المتعاقبة[14]. بكلمة أخرى، فكرة الحياة بعد الموت ليست جديدة ولم تأت بها الديانات التوحيدية كحالة جديدة في مجال علاقات الإنسان الغيبية. هذا يعني أيضا أن الله ليس هو من "كشف" عن وجود حياة بعد الموت؛ على العكس، إنسان ما قبل التعاليم  الدينية التوحيدية هو الذي ابتدع هذه الفكرة وتمسك بها على مدى قرون طويلة وطويلة جدا، ثم جاءت التعاليم الدينية اللاحقة لتقرها على لسان الله أو رسله.

الإنسان العقلاني الأول، من جهة أخرى، هو الذي وضع هذا الاعتقاد موضع المنظم للسلوك مع الأموات، مع المنتقلين إلى حياة ما بعد الموت. فلقد كان ذاك الإنسان يدفن موتاه بكثير من الخشية وبطريقة خاصة تدلل على هذا خير تدليل. كان يخضع موتاه لترتيبات معينة ودقيقة أثناء الدفن. كان إذن، يدهن الميت بمغرة حمراء، وكان يضع إلى جانبه، في القبر، أدوات خاصة للاستخدامات اليومية (أدواته الشخصية، أدوات زينة، أدوات الصيد وغيرها من أدوات النشاطات اليومية)[15]. من المؤكد أنه ما كان يفعل ذلك صدفة؛ بل على أساس الاعتقاد باستمرارية الحياة بعد الموت. على أن التراكم التجريبي في هذا الصدد قاد إلى المزيد من بروز فكرة الحياة بعد الموت حتى لقد أضحت في وقت لاحق أشبه ما تكون بالبديهة الثابتة في وعي البشر وفي سلوكهم الغيبي. لم تكن الأديان قد ظهرت بعد، ولم يكن الله قد خاطب الإنسان بعد، ولم يكن الإنسان على ثبات يذكر بخصوص طبيعة الحياة بعد الموت وإن كانت قد جنحت أكثر ما جنحت نحو حياة الأرواح.

إن الخطاب الديني، خطاب الله ورسله الذي اقر فكرة الإنسان هذه كحقيقة إلهية، أمدها في ذات الوقت بنوع من التحديد؛ ذاك التحديد الذي لم يخرج هو بدوره عن إطار التعابير المتداولة في الوعي البشري السائد آنذاك: الحياة الأبدية في مملكة الله، في النعيم أو في جهنم، جزاء أو عقابا. بهذا المعنى، الإنسان هو الذي كون فكرة الحياة بعد الموت وليس الله، وليس الخطاب الديني. في ذات الوقت، الإنسان حددها وهو على غير ثبات، وبالطبع غير ما حددها الخطاب الإلهي.

ب. إحياء الأرواح: إن الأيمان الديني بعالم الأرواح الحية، الخالدة أبدا، هو الآخر ظاهرة قديمة جدا، ومرتبطة إلى حد ما بسابقتها. لكنه، في حين ظل الاعتقاد بالحياة بعد الموت تصورا مركزيا في جملة التصورات الغيبية، وعلى مر العصور قبل التنزيل الإلهي، ثابتا من حيث الارتباط بالموضوع، غامضا ذات الغموض من حيث التحديد والإدراك الواعيين، متعدلا من حيث أسلوب التعامل معه، فأن التصور الغيبي (الديني) اللاحق له بزمن غير طويل خضع لتغيير ولتطوير هائلين حتى لقد أضحى يفتقد إلى صلات متينة ما مع جذوره الأولى. أنه الاعتقاد بأرواح الأشياء المادية وبقدرة تلك الأرواح على التحكم بمصائر البشر، والذي اثقل كاهل السلوك الغيبي (الديني) للإنسان ردحا طويلا من الزمن بطرق شتى. فلقد ارجع الإنسان العشائري الأول قوانين الطبيعة كافة إلى روح المادة التي آمن بها وقدسها تقديسا عظيما: روح الشجر أو النبات، روح الحيوان، روح الظواهر الطبيعية هذه أو تلك من مثل السماء والأنهار والرعد والمطر والريح وغيره. على أن إيمانه هذا لم يقتصر على تصور روح المادة كقوة متحكمة بأحواله وحسب، بل زاد واعتقد أن لها عقل قادر على الفهم والإدراك والحكم النزيه.

في الواقع، الاعتقاد بالأرواح؛ أرواح الأشياء المادية كان على الأرجح، في زمنه، أهم تصور ديني والعامل الأكثر فاعلية في الترابط العشائري وفي تنظيم سلوكها الغيبي. بل تذهب الأبحاث إلى أن أحياء الأرواح في المادة نشأ أصلا مع تكون أشكال الحياة العشائرية الأولى، وميز الوحدة العشائرية عن الأخرى انطلاقا من اختلاف المادة التي قُدست روحها واُعتقد بقدراتها فوق الطبيعية. وفي كل الأحوال، كان لمعتقد التكوينات العشائرية الأولى هذا أن يضع الوعي الديني للإنسان في مسار أفضى مع الزمن إلى تبلور مفهومي المادة والروح، الملتحمين في الأحياء المنفصلين في غيرها، واللذين كان لهما أثر بارز في تغذية الخيال الديني التوحيدي (الإلهي). فلقد بنى هذا الكثير من مقولاته الهامة عليهما؛ وبخاصة إرجاعه بعض الظواهر إلى روح الإنسان وإلى المشيئة الألوهية وإلى المنشأ الإلهي والروح الألوهية. إن مفهوم الروح لدى التكوينات العشائرية الأولى امتد طويلا عبر الزمن. على أن هذا كان يشتمل على التطور التدريجي للإيمان بروح الإنسان animatisme؛ ليس الروح المؤثرة وحسب، إنما الروح الحية أبدا، الروح الملتصقة به أثناء حياته، السابحة في مكان ما من الفضاء بعد موته. ولقد كان لهذا الأيمان الذي هو في الحقيقة مولود سابق، أن يلعب دورا في ظهور لاحق لنموذجين جديدين من التوجهات الدينية، وأن يمثل حلقة الوصل بينهما. هما إذن، إقامة الشعائر الدينية لأرواح الأشياء المادية من جانب، وقيام التجمعات الطوطمية من جانب آخر. وقد يستعجل أحدكم ويرسم في وجهه علامة استغراب إذ نقول أن هذين  الاتجاهين تم إقرارهما من قبل تعاليم الديانات التوحيدية دون استثناء. فلقد تمثل الأول بما يسمى العبادة أو الصلاة، وتمثل الآخر مع بعض التعديل في القديسين أو الأولياء الصالحين. فلننظر إلى الأمر بقليل مما يحتاج من التفصيل.

          1. الطوطمية: نشأ هذا التصور بادئا على أساس وجود علاقة قربة بين العشيرة المعنية وبين حيوان أو نبتة يتم الاعتقاد بأنها أساسية لحياة الجماعة. وفي مرحلة لاحقة من ظهور الطوطمية في أشكالها الأولى، قدست الجماعات أو العشائر طواطمها دون أن تنفي عنها صلة القربى مع الجماعة. لكن، في وقت لاحق، ومع مرور الوقت، أخذت هذه الصلة معنا آخر حيث صار إلى الاعتقاد بأن الجماعة أو العشيرة برمتها تمتلك جدا، أقدم الأجداد بالطبع، وهو يحمل صفات الإنسان؛ صفات الجماعة، ومميزات طوطمهم في آن. وإذا كان تقديس الجماعات لطواطمهم قد ساهم بقوة في تمايز الجماعات ووضع فواصل غيبية بين الواحدة والأخرى، فان الاعتقاد بصلة القربى أو حتى التماثل بين الجد الأول وبين الطوطم المعين قد أدى إلى تقديس الأجداد، والى الاعتقاد بقدراتهم غير الطبيعية.

المؤسف أن هذا الاعتقاد ظل قائما حتى يومنا هذا بفضل تبني التعاليم الدينية التوحيدية له وإن كان بصيغة لا تخلو من قلة الحياء. فالقديس أو الولي الصالح، في المسيحية أو في الإسلام، ليس هو، في واقع الأمر، غير ذاك الجد الأول الذي تماثلت فيه؛ بقدرة قادر، صفة الإنسان وصفة المعبود (الطوطم في قديم الزمان، أو الله في الديانات التي نتحدث عنها). بالطبع الديانات المعاصرة لا تقبل تماثل الجماعات الطوطمية بالمطلق، لكنها لا تنفي أن القديس أو الولي الصالح يحمل صفات الإنسان وبعض صفات الله؛ وفي حالات خاصة، أقرب إلى الله، إلى المعبود، من باقي البشر، وأنه يستطيع التوسط للعبد عند ربه(الكنيسة على مدى قرون كثيرة)، وفي حالات ثالثة يتحكم بمصائر البشر نتيجة مقربته من الله ولذا استوجب تقديره واحترامه ضمن جملة المقدسات الدينية. إن القديس أو الولي الصالح ليس هو في واقع الأمر شيئا آخر غير الجد الأول لدى الجماعات الطوطمية؛ أو أنه الملك الذي يقيم علاقات خاصة أو علاقات نسب مع الآلهة المتخيلة لدى العبرانيين القدماء ولدى الحضارات السابقة والمتزامنة واللاحقة في شرق المتوسط. على أنه لمن المفارقات المحيرة أن الديانات الإنزالية أقرت صراحة هذه المعتقدات (أشار القرآن صراحة إلى سلامة نبوة سليمان وغيره من الملوك العبرانيين) الممتدة في أعمق أعماق التاريخ وجعلتها واحدة من مفاتيح استمرارها. وللحق، من الصعب الاعتقاد بصدفة إيمان الإنسان، قبل الديانات التوحيدية، بالصلة المتميزة بين بعض الأشخاص وبين المعبود من ناحية، وبين إقرار التعاليم الألوهية للصلات المتميزة بين بعض الأشخاص وبين الله؛ المعبود. فعناصر هذه العلاقة قائم في الحالتين إلا عنصر واحد، أي المعبود المتغير.

          2. إقامة الشعائر الدينية: لعل إقامة الشعائر الدينية هي إحدى أقدم تظاهرات الإنسان الجماعية الغيبية وأكثرها تغيرا عبر التاريخ. مع ذلك، ظلت إقامة الشعائر الدينية، منذ أول أشكالها وحتى يومنا الحاضر، محصورة في الهدف ذاته وفي الغاية ذاتها: التأثير على القوى الغيبية بغية تحسين الوضع المادي للجماعة، وبغية تجنيبهم الكوارث الطبيعية، وبغية إثارة شفقتها على الإنسان في حياته الدنيا وعلى روحه في الحياة الآخرة. على أن إقامة الشعائر الدينية في حقيقة الأمر لم تأخذ شكلا بارزا، ولم تشغل موقعا جوهريا في حياة الجماعات الدينية إلا في وقت متأخر نسبيا من التاريخ الديني؛ في مرحلة الاعتقاد الصلب بروح الإنسان المؤثرة، الحية دائما، المتجسدة في الطوطم. ويمكن أدراك ذلك من خلال حقيقة أنه ما كان بوسع الإنسان أن يقيم الشعائر الدينية أو العبادات قبل أن يترسخ في ذهنه الاعتقاد بوجود قوى غيبيه حية، فوق طبيعية، قادرة على التحكم في مصيره الدنيوي أو في مصيره التالي للموت. هذا يصبح أكثر وضوحا حينما نأخذ بالاعتبار أن إقامة الشعائر الدينية كانت دائما بغية استرحام تلك القوى. فليست العبادة، في أقدم صورها وفي أحدث أشكالها، إلا تجسيدا ماديا لمرامي الإنسان في الاستحواذ على رحمة القوى غير الطبيعية والتي يُصار إلى الظن بأنها متحكمة في دقائق هذا الكون ومن جملتها مصير الإنسان ذاته. ويظل أهم ما يهمنا ذكره في هذا المجال أن العبادة، كفكرة مجردة أو كعلاقة بين الإنسان الضعيف وبين الظواهر فوق الطبيعية أو كتعبير عن إرادة الإنسان في إقامة قنوات يتدفق عليه عبرها لطف ورحمة القوى المتحكمة، تظل في حقيقة المعطيات التاريخية من صنع الإنسان وفي وعيه. فالله، في الديانات التوحيدية، لم يقدم لنا العبادة كممارسة أو إسهام جديد لتعديل علاقة الخالق بالمخلوق. كما أن الله، إذ دعا الخلق إلى عبادته، فإنما تعامل مع وعي الإنسان المتراكم تاريخيا كوعي سليم. بكلمة أخرى، اقر الله العبادة وهي فكرة إنسانية بكل ما تحمله من مضامين؛ اقرها وهي علاقة إنسانية بكل أشكالها وتظاهراتها مهما تنوعت؛ أخيرا، اقرها وهي إرادة إنسانية تاريخيا، اقرها كواحدة من الثوابت في تعاليمه. إن الإنسان عرف العبادة خلال قرون طويلة قبل أن يقدم الله نفسه وتعاليمه للإنسان. والحال هذه، كيف يمكننا أن نعيد العبادة كظاهرة روحية في الحضارات المتعاقبة إلى منشأ الهي ومنشأها الإلهي مرتبط إلى هذا الحد من الملموسية التاريخية بوعي الإنسان وحده؛ ومنشأها الإلهي لا وجود له خارج وعي الإنسان سواء قبل التعاليم الدينية التوحيدية أو بعدها، قبل الله أو بعده. أننا إذ نقول هذا نشير في نفس الوقت إلى أن أشكال العبادة تغيرت وتبدلت، تنوعت وهي متنوعة اليوم، على أن غاية العبادة وأساسها ظلا عبر التاريخ على ثبات ملحوظ؛ بدءا من إقامة الشعائر الهادفة إلى استرضاء الطوطم والجد الأول، مرورا بتقديم القرابين للأنهار وغيرها، وصولا إلى الدوران حول الكعبة والتي كان يدور حولها الجاهلون العرب أيضا بغية نيل رضا الآلهة الحجرية ( الأصنام الوثنية).

ونستطيع على أساس من الحقائق السابقة الذكر، أن نبلور مجموعة من الاستنتاجات التي تحملنا إلى الوضوح فيما يخص الله كنتاج لوعي الإنسان. فمادامت مقولاته الأساسية هي واحدة من ثمرات الوعي الإنساني؛ أو أنها في تقدير أدنى، مقولات سابقا لغويا لظهور آله السماء لغويا، فأنه من المجدي البحث عن عملياتها الديالكتيكية، الداخلية والخارجية، في وعي الإنسان ذاته وليس في خارجه أبدا، في احتياجاته المادية المباشرة وليس في متطلبات ظواهر مُتخيلة وغيبية إلى حد الكفر بمقدرات العقل ونزاهة الحس السليم. الوقوف على أهم تلك الاستنتاجات ممكن بسهولة أكبر من خلال تتبع محورين متوازيين قامت عليهما فكرة الله. هما المحور اللغوي، ومحور الوعي بالمعادل الاجتماعي للرمز اللغوي الله . يؤكد لنا المحور الأول:

1 - أسبقية الإنسان على الله من حيث الحاجة، أسبقية حاجة الإنسان  إلى آله على حاجة الله لإنسان.

2 - إن الإنسان هو الذي بحث عن آلهته قبل أن يبحث الله عن الإنسان.

3 - إن الإنسان هو الذي خلق الرموز اللغوية التي استخدمها الله فيما بعد في مخاطبتة.

4 - إن الله ما كان بوسعه أن يخاطب الإنسان إلا ضمن الأطر اللغوية البشرية.

5 - إن الله كرمز لغوي هو من خلق البشر؛ رمزا قبله  الله لقبا لنفسه.

المحور الثاني يبرز لنا هو الآخر مجموعة حقائق:

1 - ثمة مفارقة لا ترحم وثمة حاجة إلى تجاوزها. فالتعاليم الدينية ثابتة؛ أو على الأقل محمولة برموز لغوية ثابتة، لكن اللغة بطبيعتها وبتلقائيتها وبحركتها متغيرة متطورة وفق التطور والتغيير المادي والروحي للبشر، والعكس يكاد أن يكون صحيحا.

2 – مقولات الله هي من صنع الحاجة الإنسانية ولها تاريخ طويل من الإقامة في وعيه.

3 - مقولات الله الأساسية عرفها الإنسان وطبقها واحترمها قبل أن يقدم الله نفسه للإنسان.

4 - صفات الله صفات شيء مادي، لكنه شيء غير ملموس أو محسوس، وهذا تناقض لا يقبله المنطق الإنساني السليم.

5 - الله، اخذ من الإنسان كل مقولاته ومعظم صفاته، وما قدم للإنسان إلا ما هو جزئيا أو كليا يختمر في وعي الإنسان. فالله الذي شاء أن يستخدم لغة الإنسان كان مضطرا لا محال إلى الآخذ بالاعتبار المعادل الاجتماعي لتلك الرموز؛ بل وخلفياتها المعرفية والنفسية.

في الختام، قد يكون الله هو الذي خلق الإنسان. لكنه ما من شك بأن الإنسان هو الذي خلق الله كرمز لغوي، وهو الذي حدد صفات الله المادية، وهو الذي حدد فاعليات الله وحدود تأثيره على الحياة المادية. وإذ كان لا يجدي الإنسان نفعا الهروب من مقدرات تراكم وعيه التاريخي، إذ من المفيد أن يواجهها بالوعي المتطور، فأنه قد لا يفيد الله أيضا أن نسجنه في إطار الوعي الإنساني العائد إلى ألفي عام مضت، وأن نجسده في إطار اللغة المتجمدة على أذهان حملة مشاعل الله وهم عميان. فلولا التطور اللغوي، والفضل للإنسان وحده، لما استطاع الله أن يخاطبنا. ولولا تجميد الرموز اللغوية في حقبة تمتد قرونا، لما كان هناك من مظاهر التخلف ما يذهب بخيرات العقل وتطلعات الأرواح البشرية.

 


 


1. Chomski, N: Aspects of the theory of syntax, Cambridge, The M. I. T. Press. 1965, Page 6.

2. K. Marks – F. Engels:  Nemacka ideologija, kultura, Beograd. 1964 Page 27.

3. Dekart. R: prakticna I jasna pravila – Rec o metodi, Beograd. 1952 Page 209.

4. Cassirer, E: an essay on man, New York, Doubleday and Comp. 1956 Page 18.

5. Dordevic.T: Teorija informacija – teorija comunicacija. Beograd. 1979 Page115.

[6] - أنظر بهذا الخصوص: Chomski. N: Three models for the description of language, 1966 Page 140 – 152.

7. Martine. A: le langue et la fonction, Paris,  1969 Page 33.

8. Ivic Ivan: Covek kao animal symbolicum, Nolit, Beograd 1987, Page 67.

[9] - انظر المرجع السابق، صفحة 73-74

 10. Islam – Le grand malentendu,  autrement, No95, Décembre 1987.

11. Boris Kalin: Povijest filosofije, Zagreb 1979, Page 269.

12. Paul Davies: L'esprit de dieu, Editions du rocher, 1995, Page 17.

[13] - المرجع السابق، صفحة 27

[14] - للتوسع، انظر: إبراهيم محمود، جغرافية الملذات، رياض الريس للكتب والنشر، 1998، صفحة 31 -

الترجمة الصربية للكتاب 15. L. S. Vasailjev: istorija religija istok, Moskva 1983, Page 28