|
|
|
المشروع الإبداعي – حرية بلا حدود (القدس) بداية أسجل اعترافي للمركز الثقافي العربي السويسري غاليري الأرض على جهده الكبير والمتواصل لإنارة مختلف جوانب الحياة الثقافية العربية بصدق وحيادية. وهو نشاط يصبح ذا شأن أكبر عندما نأخذ بالاعتبار المحاولات المتكررة، المتنوعة، لوضع العديد من ظواهر المجتمعات العربية المعاصرة على الرفوف، في الأقبية المعتمة، فكأن إخفاء الشيء يلغي وجوده. الأمر الذي يُكسب هذا النشاط مقدارا عظيما من السمو خاصة حين نأخذ بالحسبان الزمن الثقافي والثقافي السياسي العربي الذي نعيشه. وهو زمن يكاد أن يلغي الشيء في ذاته، يستنكر الشيء لذاته، ويكرس استنزاف الشيء من ذات غير ذاته لغير ذاته. وهو زمن المفارقات اللغوية التي تفتح المجال للإدراك الصحيح بقدر ما تفتح المجال للفهم الخطأ. وهو زمن تحميل الكلمات معان غير معانيها، معان لا تحتملها، ووصف الواقع وظواهره بكلمات لا تصفه ولا تصفها. وهو زمن التأويل اللغوي القائم على أحكام العاطفة المفتعلة حينا وعلى الإرادة السياسية حينا ثانيا، وعلى بعض من الجهل وبعض من المغالاة العقائدية حينا ثالثا. غير إن تنسيب المعاني إلى الكلمات وتنسيب الكلمات إلى المعاني وفق المصلحة، وفق حاجة أنظمة الوعي السائدة، وخاصة تلك المُصممة في رحاب السياسة على أيدي الساسة العرب، وفق الرؤية المنغلقة على تطلعاتها ومصالحها، هي من الظواهر التي تشكل تحد حقيقي للثقافة وللمثقفين. حقا أن نماذج كثيرة من هذه الممارسة كانت حاضرة عبر التاريخ، في كل مكان، لكنها اليوم أكثر بروزا في المجتمعات العربية من أي مكان وربما من أي زمان. ويظل تفكيك المعاني الكلية إلى معان جزئية، تفكيك المعاني المركبة إلى معان تركيبية من أخطر التحديات التي تواجه وتحاصر المبدع والمشروع الإبداعي. ذلك أن أساس المشروع الإبداعي كليته، وكلية المشروع الإبداعي تتجسد في الدالة على المعنى الكلي وبالتالي لا يصح بتاتا البحث عن نسب له في صفات جزئياته. ومما لا شك فيه أن العمل الإبداعي يختلف بكليته عن مركباته أو جزئياته، لكنه لا يفسر بها بينما هي تفسر به وحسب، أو هكذا يجب. فالعناصر المركبة تتفاعل بنظام محدد، وتنتج بتفاعلها ذاك المركب الكلي المختلف بصفاته عن كل منها. بيد أن المتطلعين إلى وضع حدود للإبداع وأرض لمحاكمته ينطلقون من تأمل حجر لوصف البيت، ينظرون إلى شجرة ويتكلمون عن بستان. أنهم ينتهجون في واقع الأمر منهج العقل التحليلي لبلوغ غاياتهم، ويتمسكون بشكل خاص بالافتراضيين التاليين : أولا، أن المركب قابل للتحليل إلى عناصر بسيطة حيث يكون لكل عنصر ميزاته الخاصة. ثانيا، تحتفظ العناصر البسيطة بوظيفتها وبفعاليتها وبخصائصها بعد انفصالها عن المركب الأصلي. أنه المنهج الذي استخدمته البرجوازية الأوروبية في محاربة احتكار الدين من قبل الكهنة والمؤسسات الدينية. أنه المنهج الذي يستخدمه اليوم معظم قضاة الإبداع العربي. بيد أن الفرق بين الصعود إلى الله عن طريق الكنيسة والكهنة وبين جوهر العمل الإبداعي هو مثل الفرق بين الكذب والصدق. الأول يجسد خيار من خيارات قائمة، بينما يعمل الثاني على خلق الخيارات أو تعديلها. ممارسات الكهنة تمثل أسلوب حياة وسبيل كسب، في حين يعكس الإبداع تجليات العاطفة والروح في أسمى مراحلها وأكثرها نقاوة. البحث عن الله عن طريق الكاهن هو إجراء محدد أو مجموعة إجراءات محددة وثابتة نسبيا في الزمان النسبي. لكن التعامل مع الإبداع هو تعامل مع مشروع مطلق، أو مع مجموعة مشاريع قائمة في عالمها المطلق ومتحررة من الثوابت ومن معطيات الزمان أو المكان. على إن المشروع الإبداعي إذ يبني عالمه لينمو فيه ينفصل في ذات الوقت عن المواد التي قد تصلح لتطبيقات منهج العقل التحليلي. وبالتالي، تكثر عناصره المركبة أو تقل، وتتفاعل وتنمو وتتغير بحرية مطلقة لتجد دورها في المشروع الكلي. في الحقيقة، يجب ملاحظة وفهم جزئيات العمل الإبداعي من خلال دورها ووظيفتها في دنيا المشروع الإبداعي وليس من خلال انعكاساتها أو تأثيرها أو مكانتها في دنيا الواقع الملموس، وبالتالي يجب إخراجها من سقف الحرية الملزم اجتماعيا إلى فضاء الحرية المطلوب لتداعي الذات المبدعة. من هنا كان تخليص المشاريع الإبداعية من تطفل وتسلط منهج العقل التحليلي هو أحد دعائم الإبداع وازدهاره. فالعقل التحليلي، بخصوص الإبداع، هو أداة حرب وليس منهج أنصاف بحال. ذلك أنه يحارب بعض الأعمال الإبداعية من خلال جعلها تنحل في صفات عناصرها في حين أن المشروع الإبداعي يقوم أصلا وأساسا على انحلال عناصره وصفاتها في كليته وصفاته. وبالطبع، ليس العقل التحليلي هو المسؤول الوحيد عن ظاهرة انحلال العمل الإبداعي في صفات عناصره. ليس العقل النقدي هو المجرى الفريد لهذه الظاهرة المنتشرة بكثرة في الحياة الثقافية العربية وبخاصة في الجانب النقدي والرقابي منها . فمما لا ريب فيه أن المشروع الإبداعي يكون مطلقا في عالمه أو لا يكون ؛ يكون مطلقا في ذاته أو لا يكون، ولا حدود لحريته في فضاءه. ثمة اعتدال يقول، إذا سلمنا أن الإبداع ممكنا بحريته ولكن بدونها غير ممكن، فأنه لمن الصحيح أيضا أن نقول أن عالم التكوين الاجتماعي للإنسان يكون في إطار محدد من المبادئ والضوابط أو لا يكون، في جماعيته أو لا يكون، ولا مكان فيه للحرية بمطلقيتها. هنا، أو من هنا بالضبط يرى البعض منشأ الأسس التي يقوم عليها الصراع بين حرية الإبداع وبين حدوده ؛ حريته في عالمه، وحدوده في عالم التكوين الاجتماعي للإنسان. فحقيقة أن المشروع الإبداعي مشروطا بحريته وبكليته لا تضمن آليا شرعيته الاجتماعية أيضا، هكذا يضيفون. وبرأيهم أن شرعيته ماثلة دائما وأبدا في عالمه، شرعيته مصانة في ذاك الحيز الخاص به. لكن شرعيته الاجتماعية مسألة أخرى تقتضي إرضاء معايير الضبط الاجتماعي وفق شروط الكيان الاجتماعي واستمراره. والحال هذه، قد يسأل سائل، وهذا ما يحصل فعلا، كيف يمكن أن يتم التوفيق بين المشروع الإبداعي الذي يتنفس الحرية أو يموت، وبين الكيان الاجتماعي الذي لا بد أن يخضع لضوابط وحدود كي لا يموت ؟ وما من شك أنه سؤال يحمل عيوبه في أعماقه. و قد يبدو للوهلة الأولى سؤالا منطويا على متناقضين مع فرص قليلة لإيجاد تسوية بينهما. لكن قد لا يبدو كذلك إذا أرفقناه بسؤال مكمل. ترى، كيف يستطيع المجتمع أن يبقى ويزدهر دون إبداع ودون مبدعين ؟. ترى، كيف يمكن لمجتمع ما أن يمشي على وقع الزمن، أن يمشي عل إيقاع الزمن وعلى مبدعيه وعلى إبداعه ألف قيد وألف إشارة استفهام ؟. ترى كيف يمكن لمجتمع أن يسجن الإبداع بتهمة الخروج عن الذات الاجتماعية في حين أنه من المسلم به أن الخروج عن ذاتية المجتمع هي إحدى أهم مراصد المبدع. ثم، من بوسعه أن يحاكم الإبداع غير التاريخ ؟ في الواقع، الشرعية الاجتماعية للإبداع تكمن في حاجة المجتمع الحيوية له. وهذا أمر لا يمكن نكرانه بشيء من الجدية. أما لا شرعيته فتكمن في تأويلات الأفراد، وخاصة في تأويلات أولئك الذين يجترون الزمن كأنه تجمد في مكانه فجمد معه الحياة والأحياء. لا وجود لإبداع غير شرعي اجتماعيا، لان الإبداع هو ابن الحياة، هو من صلب الكيان الاجتماعي ومن مقوماته، هو من أهم أسباب نمو المجتمع وازدهار. ولقد سبق أن أشرنا إلى أن زماننا يتسم - من بين أشياء أخرى - بتحميل الكلمات أو المقولات معان غير معانيها. ولعل الشرعية هي من المقولات الأكثر عرضة لهذه الممارسة والأكثر تضررا. فشرعية الإبداع ، في العالم العربي، ولا نتطرق إلى الشرعية عموما، هي مسألة تفسير مقتصرة على فئة أو مؤسسة. لكن، أي فئة متسلطة، وأية مؤسسة في العالم العربي لها جذورا وشرعية في تطلعات الجماعة وإرادة المجموع ؟ صحيح أن المشروع الإبداعي مشروع مطلق في كيانه، في بيئته، في مراميه، ولا يخضع للشرط الإنساني، ولا يخضع للإنسان الذي يبني ذاته في عصره ولعصره، لكنه لهذا وحسب هو مشروع يتحلى بمشروعيته وبكليته بغض النظر عما إذا كان يعزز قيما مكرسة اجتماعيا أو لا. ولا يصح أن يغيب عن البال إطلاقا أن الإبداع بذاته يمثل، كما مثل على مر التاريخ، قيمة اجتماعية وإنسانية لا غنى عنها بحال. الإشكالية التالية القائمة ما بين حرية الإبداع وحدوده تتعلق بالمبدع ذاته. وتجدر الإشارة مباشرة إلى أنه إذا كان الإبداع يحمل لعنته في حريته، فأن المبدع يحمل سوء طالعه في صدقه وحسن نيته. فثمة من يشك بأن يوجد في هذا العالم مبدع حقيقي واحد يبدع بقصد الإساءة، أو بقصد تشويه الحقائق. إضافة إلى ذلك، أعتبر مع المعتبرين أن المبدع الحقيقي لا يسيء ولا يستطيع الإساءة لذاته الإبداعية أبدا، فينطلق من قناعاته الداخلية ومن تجاربه العميقة، ومن مخزونه الحسي والعاطفي ليسجل لنا إبداعا بشفافية لا متناهية. على أن اتجاهات فكرية ونقدية في العالم العربي تنكر على المبدع قدرته على التوفيق بين ما يريده كشخص وبين ما هو مطالب به من ذاته كمبدع. وتقول أن المبدع الذي يريد هو شخص يريد وضع حدود أو يريد ضمن حدود لكنه حينما يصغي إلى نداء الإبداع في عالمه يتحول إلى فارس يرمي إلى تجاوز كل الحدود. وترى أن هذا هو التناقض الذي لا يستطيع المبدعون الفرار منه. أما إرادة المبدع فلها مرجعية في منظومته الفكرية وحسب. والمنظومة الفكرية نظام يكاد أن يكون مغلقا في إطار وفي حدود وليس بوسع المبدع المنتمي بالضرورة أن يتجاوزها ويظل على انتماءاته لها. أما مطالبه كمبدع فأنها تتجاوز قدرته على أن يتجاوز منظومته الفكرية. ومن هنا كان التناقض لا الصدق أهم ما يميز المبدع. أي التناقض بين إرادته كشخص له نسب فكري وربما قضية محددة، وبين مطالب الإبداع في داخله والتي تتجه نحو اختراق الحدود. بيد أن الأمر ليس بهذه الصورة، ولا يمت لهذا التقييم بصلة، بل ويرتكز على أسس من الإدراك الخاطئ لحرية المبدع في عملية الإبداع. فليس بوسع المبدع إلا أن يعمل على التوفيق بين الاثنين أو على تجاوزهما معا. فأية محاولة لإقصاء أحد هذين المتناقضين ستقوده حتما إلى الإسراف في الآخر، وإلى تحويل الإبداع إلى مشروع متحيز. وبالطبع، الإبداع ينفي جزئيا ما هو مألوف أو معتاد، لكن هذا لا يعني بحال خروجه من كافة الأطر الفكرية أو المعرفية السائدة. ثم أن حرية المبدع لا تتمثل في رفضه كل شيء بقدر ما تتجسد في مقدرته على رفض أي شيء. حرية المبدع تكون غير منقوصة عندما يكون قادر على التعامل مع الأضداد بنفس الهدوء والحيادية دون أن يلغي حقه في تأييد هذه أو سحبه التأييد من تلك. أن حرية المبدع إذا عنت رفض كل الخيارات تتحول إلى نقيضها أو إلى شيء من العبث أو العدم حتى. حرية المبدع، قبل هذا، وغير هذا، تعني القدرة على خلق الخيارات، والقدرة على الخيار. بهذا السياق، الخيار الفكري للمبدع لا ينتقص أبدا من حريته في الإبداع. فمنظومته الفكرية هي خيار حر بغض النظر عن الكم اليقيني أو المعرفي الذي يستند إليه. النقطة الأخيرة التي أود أن أشير إليها في هذه المداخلة، وسأفعل باختصار شديد، تتعلق بحدود الحرية الممكن أن تقوم ما بين المشروع الإبداعي وبين القيم. ولعل هذا المستوى هو الأشد رحابة لحجج وادعاءات ومناورات المندفعين للحد من حرية الإبداع. وفي الحقيقة، قد يضيق هامش الحرية عندما نُخضع الإبداع والحدث الإبداعي والعملية الإبداعية برمتها لأضواء القيم المكرسة اجتماعيا، عموما. فمن ناحية أولى، المبدع الذي ينظر إلى القيم كثوابت يجب مراعاتها لا مسألتها يضع نفسه وحريته في حدود المساومة، في حدود الآخر. وهذا أمر أشرنا إلى أن الإبداع الحقيقي لا يقبل له وجود في عالمه. من ناحية ثانية، أن تفحص وكشف المشروع الإبداعي من مرصد النظام القيمي الصارم قبل غيره، وربما دون غيره، يسيء للإبداع وللقيم في آن. وهو أجراء، في نهاية المطاف، غير مبرر نقديا أو علميا أو اجتماعيا أبدا. ذلك أن المنظور القيمي، من حيث المبدأ، يرصد كل جديد، كل وافد على النظام القيمي العام، ويحيله إلى الإدانة. بيد أن الإبداع، كما هو معروف، لا يمكن إلا أن يكون جديدا. والمنظار القيمي غير صالح لفحص المشروع الإبداعي وتقييمه. ذلك أن القيم تترسخ اجتماعيا بفضل صلاحيتها لا بفضل حمايتها. ثم، أليس الإبداع هو الذي كان دائما في الريادة، دائما في الطليعة في عملية تكوين القيم وترسيخها ؟ أليس الإبداع قيمة بذاتها، وأم القيم كافة ؟ أليس الإبداع صفة سامية، بل وصفة من صفات الله ؟
|