E-mail                   Home

 


أبعاد اجتماعية للتطرف السياسي الديني في ظل التوتاليتارية

(مجلة دراسات عربية )

مما لا شك فيه أن الأصولية الإسلامية، كحركة دينية سياسية، أصبحت اليوم تشغل موقعاً متقدماً في سلسلة الظواهر والعلاقات التي تثير- ويجب أن تثير- اهتمامات المفكر العربي المعاصر واجتهادا ته التفسيرية لخلفياتها ولأبعادها. وبخلاف غيرها، فإن ظاهرة الأصولية الإسلامية تضعه أمام مسؤوليات جمّة وتحديات علمية ذات شأن هام. ليس ذلك لأن ظاهرة الأصولية الإسلامية تبلورت منطويةً على عنصري العنف والانغلاق الايديولوجي وحسب، وإنما أيضاً لأنها تتطلّب المعالجة العلمية الجريئة والموضوعية والوقوف بوضوح على مقومات نشوئها ونموها في صلب نماذج وأنظمة العلاقات الاجتماعية والسياسية العربية السائدة دونما اعتبارات سياسية- ايديولوجية مسبقة. وهذا كلام سليم بقدر ما يكون ادراك الأصولية الإسلامية في وقتنا الحاضر (كحركة اجتماعية أو سياسية) منطلقاً من كونها ردة فعل (استجابة) من داخل البناء الاجتماعي وبفعل معطياته ومتغيراته المختلفة.

وبتعبير أخر، ليس بوسع المرء الحديث عن الأصولية المعاصرة بأمانٍ علمي إلا من حيث اعتبارها مُخرجات Outputs لفترة تاريخية محددة من نمذجة المعايشات الاجتماعية للفرد في إطار من المصاعب والعوائق التي انتظمت وفق ممارسات سياسية واجتماعية مهمِلة للفرد وتوجهاته واحتياجاته المحتملة، وليس كمدخلات Inputs محددة الهوية مجهولة المصدر. لأنه حتى فيما لو عُرضت المسألة على هذا النحو الأخير، فإنه من غير المنتظر أن تنمو الأصولية كعامل في الحياة السياسية دون تحالف ظروف ومعطيات مناسبة مسبقة تحيط وتؤثر بميول الفرد في حياته اليومية، وتجعل استعداداته المختلفة أكثر شأناً للانخراط في مثل هذه الحركة. فالتوجهات البشرية الحقيقية، اجتماعية كانت أم سياسية، نادراً ما تأتي استجابة لأفكار مجردة، وغالباً جداً ما تعكس ظروفاً وشروطاً مادية أو روحية معينة. بيد أن تأسيس المعالجة الفكرية للأصولية الإسلامية على احتياجات أو مبررات الظرف السياسي الآني تتماثل بجوهرها مع النشاطات الدعائية لمختلف الأطراف المتصارعة على السلطة، ومنه تكتسب صبغة ايديولوجية محددة تعيق كثيراً الموضوعية في المعالجة وتحد من الوضوح في  فرز عناصر الظاهرة المُعالجة والحكم بشأنها. على أن هذا لا يعني بحال من الأحوال إمكانية طرح الأصولية الإسلامية كظاهرة سياسية في دائرة المعالجات الفكرية من دون الغوص في خلفياتها السياسية.

أما الميل في هذا البحث فهو ينحو أكثر نحو الوقوف عند المقومات الاجتماعية لميل الفرد إلى التشبث المتصلب أو المتطرف بالدين وبمؤسساته كعامل في الحركة السياسية العامة. على أن هذا أمر يحتاج أيضاً إلى الوقوف عند المفهوم الاجتماعي للدين، أو بالأحرى يحتاج إلى إبراز الأدوار التي ينجزها الدين في بناء المجتمع وحياته، وتزداد- في وعي الأفراد- أهمية الدين في تأديتها كلما غابت أو غُيبت أنظمة الوعي الأخرى التي يمكن لها أن تلعب الأدوار ذاتها بالطريقة نفسها وبالفاعلية ذاتها. إذ إن ثمة علاقات تشترط استمرارية البناء الاجتماعي المنسجم تنسجها عادةً مجموعة من الأنظمة الاجتماعية الفرعية وترعاها. لكن ما أن يتم الحد القسري أو العفوي من فاعليهَ وأهمية بعض تلك الأنظمة، حتى تعمل المتبقية منها بطاقتها القصوى للحفاظ على تلك العلاقات المرتبطة بالكيان الاجتماعي. فكيف وماذا، إذن، بشأن المهام التي يشارك الدين في تأديتها اجتماعيا؟.

في الواقع، يتقاسم العدد الأكبر من علماء الاجتماع تصنيف التضامن الاجتماعي ضمن أولى وأهّم وظائف الدين في المجتمعات القديمة. ويذهب بعضهم إلى نسب ظهور رموز دينية مختلفة على مدى العصور وفي كافة المجتمعات البشرية إلى الحاجة الدائمة إلى إيجاد القاسم الروحي الأساسي المشترك لهذا التضامن الاجتماعي. ففي تركيبة حياة المجتمعات البدائية كان الدين عنصراً أساسيا في ظل غياب ضوابط اجتماعية متينة كما يلاحظ إدوارد سابير[1].

لكن إميل دوركهايم رصد دور الدين في الوحدة (التضامن) الاجتماعية قديماً، منطلقاً من اعتقاده باْن المعطيات الروحية المشتركة تُنمي مشاركةً أو تماثلاً في الشعور. وقد توصل دوركهايم إلى مجموعة أحكام بهذا الصدد، جدير بالذكر منها هنا أن الدين يوحَِّد الشعور (كانعكاس لوحدة الرموز والمفاهيم والتصورات والقيم...). هذا التوحيد الذي لا غنى عنه في قيام المجتمع، يؤمن في الوقت ذاته درجةً عاليةً من التضامن الاجتماعي. "... فمن غير الممكن تصور مجتمع لا توجد لديه الحاجة لأن تحدث فيه وبأوقات دورية ما يقوّي الشعور الجماعي والأفكار الجماعية والتي تؤمن وحدته وميزاته"[2]. ويوضح دوركهايم، كيف أن الدين بما ينطوي عليه من مظاهر المعايشات الجماعية، بدءاً من الصلوات وحتى الأعياد، يعمل في الحقيقة على الانتشار الواسع للشعور الجماعي. فبالنسبة له "التظاهرات الدينية هي تظاهرات جماعية تعكس واقعا ًاجتماعياً متماسكاً أو متضامناً"[3]

بيد أن إدوارد سابير يبدي مجموعة من التحفظات تجاه مواقف دوركهايم النظرية، وإنْ كان هو الآخر لا ينفي تمحور التضامن الاجتماعي حول عدد من الأنظمة الاجتماعية الفرعية بما فيها الدين. لكن سابير يعتقد في الوقت ذاته أن الدين في المجتمعات المعاصرة لا يُمكنه أن يمثل "لا أخلاق ولا علوم ولا فنون (ولا سياسة) ولا.. إلخ، لكنه يرمي دائماً إلى التداخل والتشابك مع هذا كله "[4] . ويحقق نتائج هامّة على هذا الصعيد، تزداد أهميتها تناسباً مع مقدار وشدة الرفض الذي يحمله أفراد المجتمع لمختلف المعطيات المتغلغلة في ممارسات الحياة اليومية بغير إرادة اجتماعية عامة، مثلما يجد فرصته الثمينة في استقطاب مواقف وجهود الأفراد في ظل غياب فاعلية الأنظمة الاجتماعية الفرعية التي يمكنها أن تحقق مهامهم الاجتماعية أو على الأقل، أن تشاركهم في تحقيق المهام ذاتها.

عالم الاجتماع الشهير ل. س. فاسيليف، محْوَرَ واحداً من أهم أعماله حول العلاقة السوسيو- نفسية للانتماء الديني مجسداً تلك العلاقة في توافر عوامل الضغط الاجتماعي على حصر الخيارات الممكنة التي من شاْنها أن تؤمن خلفية دعم، أو ثوابت عامة لاتجاهات الأفراد في تثبيت كينونتهم الاجتماعية، أو حسب تعبيره، لتفاعلهم الاجتماعي. فاسيليف هذا يسجل للدين عدة وظائف اجتماعية، إلا أنه ينبّه إلى أن النظام الروحي الديني ليس الأمثل أبداً لتأديتها، لكنه الأكثر حضوراً، نظراً إلى الحصانة التي يتمتع بها مقارنةً بالأنظمة الفرعية الأخرى الأمثل لتأديتها، ولكنها الأكثر تطويعاً (توسيعاً أو تحجيماً) وفق احتياجات ومصالح الايديولوجيا المسيطرة. فالانتماء الديني وفق فاسيليف يزداد تحكماً في البناء النفسي للفرد كلما ازدادت حاجته إلى التفاعل الاجتماعي (وتزايد انحسار الأنظمة الفكرية البديلة في تأمين ذاك التفاعل) بعيداً عن ظروف التفاعل التـي هيأتها السلطة، أو كلما تبين له أن هناك تناقضاً حاداً بين نشاطه وسلوكه المرغوب ذاتياً وبين أحكام الرقيب السياسي الاجتماعي. الفرد في هذه الحالة يرفض هذا الأخير، مستبدلاً إياه برقابة محصنة غيبية (إلهية)، ينشد منها في نهاية المطاف راحة الشعور في اختيار الضوابط الرقابية الداخلية (الدينية)، أو التخلص النفسي من مبادىء الرقابة المفروضة المرفوضة[5].

وعموماً، يُمكن القول بكثير من الحرية إن الدين لا يمثل حاجة اجتماعيةً إلاّ بذاك الجانب التوفيقي الضبطي لميول وعلاقات الأفراد المتعايشين اجتماعيا. وإن كان الدين قديماً قد سيطر في كل ركن من أركان الحياة الإنسانية[6] ، فإنما يعود ذلك أساساً إلى غياب أنظمة اجتماعية فرعية أخرى متطورة بما يكفي لضبط الميول وتنظيم العلاقات الاجتماعية بمعطيات موضوعية عقلانية. فالدين مسألة شخصية طالما أن هناك حضوراً مقبولاً وفعالاً لأنظمة اجتماعية فرعية تقوم مقام الدين أو أكثر في ضبط العلاقات الاجتماعية السليمة بإيجابية. إن الوجود العملي، المتولد والمقبول اجتماعياً لزمرة من هذه الضوابط، يختزل دور الدين الاجتماعي إلى المعايشات الروحية، وإلى الخصوصيات الفردية، في حين يحوله غيابها إلى سند اجتماعي سياسي. وهذا ما نرمي إلى تأكيده من خلال النقاط الثلاث التالية:

أ- إن الدين كنظام أفكار وتصورات لا يتناول فقط التفسير الميتافيزيقي للوجود، وإنما يطال الجانب الأكبر منه مؤشرات السلوك الإنساني في حياة الفرد الروحية- الذاتية، وقي حياته المادية الاجتماعية. فالأديان تضع بطريقة أو بأخرى تصورات معينة عن كيفية تنظيم العلاقات الاجتماعية، وعلى الخصوص الأخلاقية منها، وتطوِّرها الشرائح الفكرية الدينية لحسابها إلى تصورات عن أنظمة سياسية واقتصادية وثقافية ناسبةً إياها إلى مشيئة الله. وهي بهذه تتساوى بأوجهها الجوهرية مع غيرها من التصورات المصاغة ايديولوجياً- سياسياً. لكن الدين يمتاز عن غيره من الأنظمة الإيديولوجية من حيث القُدسية التي تبلورت بفعل التراكم التاريخي لمجموعة كبيرة من المفاهيم والأساطير والشخصيات الغيبية التي أعطاها الإنسان صفة السمو والقدرة كرد على عجزه عن فهم النظام الكوني ومقوماته، محولاً إياها إلى رموز مثقلة بالقوة على التحكم بمصيره، وبالتالي لا بد من خشيتها والرضوخ إلى أحكامها. لكن على الرغم من تسليم الفرد المتدين بأن القوى الغيبية تتحكم به وبغيره وأقوى منه ومن غيره، إلا أنه يتحفز دائماً للدفاع عنها. وهو بهذا يعترف في اللاوعي بأنه يدافع عن مجموعة تصورات قد يكون لها وجود حقيقي وقد لا يكون، لكنها دائما تهمه كثيراَ في تبرير عجزه عن إدراك ما حوله من ظواهر طبيعية، ويتمسك بها أكثر كلما كان أكثر عجزاً في مواجهة ظرفه الاجتماعي. فدفاع الفرد عن المعطيات الغيبية (الدينية) لا تأتي استجابة لحاجة تلك المعطيات إلى جنود - فالله غني عن العباد-  وإنما استجابة لمتطلبات صيانة وتحصين رموز يمكن إن يتكل عليها في عجزه وفي تبرير مشاكل حياته، أو بكلمة أخرى، لتأمين جرعات يومية تحول دون مثول حقائق صعبة، وفي مقدمتها الفناء الأبدي، في سلسلة اعتباراته. ومن هنا تكتسب "قدسيتها" الاجتماعية والفردية، ولكنه من هنا أيضاً يأتي الدين بمثابة إطار أولي مناسب لنمو ايديولوجيا دينية- سياسية. ومع ذلك لا تتحول المنظومة الفكرية الدينية بسهولة إلى منظومة ايديولوجية- سياسية بارزة التطرف إلا في ظل تضافر عاملين أساسيين:

1- يحسر الانغلاق الفكري في المجتمع إلى حد بعيد المداخل المحتملة التوافر بشاْن تفسير الطبيعة، كما يحدّ بصلابة من التجديد والتعديل في العلاقات الاجتماعية. لأنه، في حين يمكن اعتبار الحدّ الضيق من المعطيات الفكرية القادمة من خارج الحدود نوعاً من الشوفينية، يُمكن اعتبار مصادرة أو تأميم الأفكار المنتجة داخلياً باثولوجيا سياسية واجتماعية[7]. وفي كل الأحوال، لا تصادف المعتقدات السائدة لدى شعب من الشعوب صعوبة أو منافسة ذات شأن في إخضاع الأفراد لأحكامها ما دامت تعمل بفاعلية آليات مخصصة للحدّ من القادم من خارج الحدود ولمصادرة الجديد أو المخالف في الداخل، واللذين من شأنهما في نهاية المطاف إمداد البناء الفكري القائم بعوامل الاستقرار أو الركود، بكل ما ينطوي عليه من عناصر سلبية وايجابية.

لقد اعتبر الألماني الشهير ايسنزبرغر في ما قدم من اطروحات جريئة خلال العقدين الماضيين، اعتبر الانغلاق الفكري والاجتماعي رمز التوتاليتارية وسلاحها الأهم، ولكنه أيضاً السد المنيع الذي يعيق مجرى التقدم الفكري والروحي في المجتمع[8]. ذلك أن الانغلاق الفكري ليس، في الواقع العملي، إلا رفضاً متطرفاً للتعرض إلى معايير معرفية وفكرية أخرى في إعادة تفحص طبيعة وسلامة المعتقدات السائدة من ناحية أولى، وعاملاً في تنمية التعصب لتلك المعتقدات من ناحية ثانية. وحيث أن النظام التوتاليتاري يقتضي السيطرة الكاملة والمباشرة على حركة الأفكار والمعلومات في المجتمع المعني، كواحد من الأسس التي تقوم عليها الممارسات التوتاليتارية في حقول النشاط الاجتماعي الأخرى، وبخاصة في حقل ضبط وتوجيه اهتمامات الأفراد وسلوكياتهم، فإنه يعمل خدمة لذلك على حصر المنتجات الفكرية المتداولة في إطار توجهاته المصلحية الضيقة.

على أنه يُتوقع مسبقاً الفشل في اجتثاث الفكر الديني باعتبار أن الفكر الديني حاصل على سلسلة من الحصانات بدءاً من الثقافي- التاريخي وصولاً إلى هوية المجتمع الروحية. وهذا يعني أن الأنظمة التوتاليتارية، مهما حاولت الاختزال الفكري والانغلاق الفكري فإنها ستواجه، في النهاية، حضوراً هاماً للفكر الديني، إما كمعتمد منها أو كنقيض لها. غير أن الفكر الديني سيبرز في كلتا الحالتين كمنظومة إيديولوجية- سياسية. لأنه من غير المحتمل أن يتواجد أكثر من تيار فكري في المجتمع دون أن تكون تلك التيارات متنافسة أو متصارعة فيما بينها وأحياناً أخرى متناقضة.

أما عندما يتم اعتماد الدين كإطار منهجي للتطبيق السياسي التوتاليتاري، فإنه في طبيعة الحال يكون قد تحوّل إلى جملة مفاهيم إيديولوجية- سياسية. وبتعبير آخر، يختزل الانغلاق الفكري الذي تفرضه توتاليتارية الحكم، يختزل التيارات الفكرية المحتملة في المجتمع إلى أدنى حد ممكن، في حين يضفي بإرادة أو بغير إرادة نوعاً من الرعاية أو التسامح مع التيار الفكري الديني. ويجد هذا فرصته للبروز كتيار فكري- إيديولوجي مواز لإيديولوجية الشريحة الحاكمة، مندمجاً معها أو معارضاً لها.

2- لكن ما يسهل ظهور الفكر الديني كمرجع لمنهج سياسي هو حقيقة الجهد المبذول منقبل الحكم التوتاليتاري للقضاء على أية بوادر أو مظاهر للتنظيم السياسي على أساس فكري لا ينسجم مع تصوراته وحلوله. إذ إنه من المعروف أن الأنظمة التوتاليتارية تنكر على المجتمع وعلى الأفراد حقهم في أي شكل من أشكال معارضة ومواجهة السلطة، هذا الحق الذي يضمن- من حيث المبدأ- تسويةً أو توازناُ بين ممارسات السلطة من جهة وبين توجهات المجتمع المحتملة من جهة أخرى. ومن المعروف أيضاً أن السلطات كانت دائماً وأبداً تعكس تقييداً أو تأميماً لبعض الحقوق والحريات في سبيل ضبط الحياة الاجتماعية. إلا أنه في حالة السلطة التوتاليتارية يكون هناك "اغتصاب " متواصل لأكبر قدر من الحقوق والحريات الفردية دون إفساح المجال أو توفير الوسائل السلمية للمجتمع من أجل إقامة العلاقة الديالكتيكية معها، أي العلاقة بين ميل السلطة "التوتاليتارية" للحد من الحقوق والحريات وبين ميل المجتمع الطبيعي للحد قدر الإمكان من صلاحيات السلطة قي إجراءاتها التأميمية للحقوق وللحريات.

إن غياب الأحزاب والمنظمات والمؤسسات السياسية المعارضة بفعل التوتاليتارية يعنيفي الوقت ذاته غياب الأطر التنظيمية لمواجهة السلطة. لكن هذا لا يعني أبداً غياب الفرد المعارض. على العكس، كلما كان التطبيق التوتاليتاري أشد، ازداد التسجيل المعارض كماً ونوعاً. على أن الدين يبقى حتى في ظل هذه المعطيات قائماً كفكر وكمؤسسة لأسباب سبق ذكرها. كما يجد الفرد المعارض في المؤسسة الدينية إمكانية لتسجيل معارضته، لكن هذه المرة ليس بشكل سلبي، وإنما باستثمار الحصانة التي يتمتع بها الدين والمؤسسات الدينية عموماً لمواجهة السلطة ما دام المجتمع يفتقر إلى مؤسسات أخرى قد تكون أقرب إلى معتقداته الفكرية وإلى مصالحه الحقيقية. إن جان فرانسوا بايار، الذي يربط بين نمو الإيمان الديني وبين الانتظام الاجتماعي وفق التطور الإيماني ذاته، يربط أيضاً بين الإيمان (التدين) وبين البحث عن هوية اجتماعية[9]. بيد أن الهوية الاجتماعية تتكون بفعل المعطيات الاجتماعية وتشمل تحديداً للموقف السياسي. إن الفرد قد يكون له، وعلى الأرجح دائما له هويته الشخصية المتضمنة مجموعة مواقفه وقيمه ومصالحه... إلخ. لكن في بحثه عن هوية اجتماعية سياسية يكون مضطراً لإيجاد تسوية بين صفاته وبين صفات المجتمع، بين ميوله السياسية وبين الخيارات السياسية المطروحة، والتي تقتصر عمليا في حالة التوتاليتارية على الحلول الدينية وحلول السلطة، هذا في حال عدم وجود انسجام بينها.

ب- بَيْد أن التوتاليتارية كواحدٍ من أساليب التوجيه "القسري " لمختلف النشاطات والعلاقات الاجتماعية، تُساهم كثيراً في بروز الدين إلى الساحة السياسية من جوانب أخرى. فمن ثوابت تاريخ النظريات والفكر الاجتماعي أن الدين عموماً يتمظهر دائماً كعامل مؤثر جداً في تنظيم السلوك الفردي والاجتماعي. فتحت وطأة التعاليم الدينية تتراكم في المجتمعات قيم ثقافية سلوكية محددة شاملة، تُمثل معياراً على قدر واسع من الأهمية بالنسبة لسلوكيات الفرد ولعلاقاته ونشاطاته الاجتماعية. لكن الدين، وبما يمثله من دائرة  أفكار وعادات تتحرك في إطارها مؤشرات الحكم والسلوك القيمي والأخلاقي وغيره، يُساهم بشكل مباشر وأساسي في إيجاد نوع خاص من تماثل الشعور الانتمائي، وتقاسم الضوابط السلوكية نفسها، والذي بدوره ينمّي الطمأنينة الانتمائية في البناء النفسي للفرد بقدر ما يؤمَن ركيزة الفرد المعنوية في مواجهاته مع مختلف المصاعب المادية والروحية لممارسات الحياة اليومية- أي التضامن الاجتماعي.

إن التضامن الاجتماعي، كحاجة نفسية اجتماعية، يتناسب مع مقدار ما يؤول إليه الفرد من استضعاف لدى تحقيقه طموحاته ورغباته وأفكاره. ازدياد استضعاف الفرد من قبل المؤسسات والأنظمة الإجتماعية- السياسية يحثّه بعناد أشدّ على البحث عن اطر اجتماعية باستطاعتها أن تؤمّن له مقداراً ما من الدعم المعنوي (التضامن) في جهوده للسيطرة على استضعافه هذا. ويبرز الدين كواحد من أهم وأوسع تلك الأطر، خصوصاً عندما تسود أنظمة سياسية توتاليتارية، والتي بطبيعة أسلوب ممارساتها تفزغ المقولات والأنظمة والعلاقات في المجتمع من مضامينها التضامنية الحقيقية نظير تمكنها من الاستمرار في ضبط المجتمع وفق مؤشرات معينة. ذاك أن الدين يتسم من حيث المبدأ، بثبات التعاليم، لأن التعاليم الدينية منفصلة بتعاليها عن الفكر الإنساني وغير خاضعة لنواياه أو لاجتهاداته التعديلية المباشرة. وبناء على ذلك، فهي ليست بمتناول يد التطويع السلطوية.

ومن ناحية أخرى، يبرز الدين كقاسم مشترك بين أتباعه، وكوسيط للتفاعل الروحي بينهم، وكعامل يكاد يكون الوحيد في تضامنهم[10]. ولهذا يواجه الحكم التوتاليتاري خيارين رئيسيين، فإما الاندماج مع الدين واستمداد بعض مقومات التوتاليتارية من بعض مبادئه، وهنا لابد من أن يكيف الأنظمة الاجتماعية الفرعية مع ضوابط الدين. وإما اعتماد الأنظمة الفرعية القابلة للتطويع كمقومات للتوتاليتارية مع إهمال الدين احتراماً أو معاداة.

وفي كلتا الحالتين يظهر الدين كوسيط تفاعل اجتماعي. في الحالة الأولى مدعوماً من السلطة، وفي الحالة الثانية في مواجهة السلطة. وفي كلتيهما ثمة مجال لاستقطاب الأفراد على أساس الحاجة إلى الشعور بالتضامن الاجتماعي. لأن الأنظمة التوتاليتارية كيفما كان شكها وأياً كان مضمونها، معنية بشكل جوهري بالمساس المباشر بقواسم التضامن الاجتماعي المشتركة الأخرى والتي- على أقل تقدير- تجاري الدين بفاعلية في لعب الأدوار الاجتماعية ذاتها. ويعود ذلك إلى أن القواسم المشتركة الأخرى للتضامن تُمثل مصادر أساسية لتجنيد الطاقة الاجتماعية المنظمة في مواجهة السلطة والحدّ من نفوذها: من استثمار سلطة التوتاليتارية النظام الحقوقي في مشروعها الايديولوجي، إلى تحييد الأنظمة والمؤسسات التي يُمكن لها أن تحدّ من جماح السلطة، وصولاً إلى اختزال مفهوم الوطن على تقديم التضحيات والخدمات والواجبات التي تحددها السلطة المشار إليها في ضوء سلسلة تصوراتها الإيديولوجية.

إن من بين ممارسات الأنظمة السياسية التوتاليتارية ما يؤكد بشكل لا لبس فيه امتهانها الصارخ لمجمل النظام الحقوقي ومؤسساته بما يكفي لإفقاده قدرته على تأمين طمأنينة الفرد على حقوقه وعلى حياته. حيث أن النظام الحقوقي يفقد في هذه الحالة معانيه الأكثر جوهرية، أي تأمين حماية الفرد وتأجيج شعوره بتقاسم الخضوع المتعادل مع كافة أفراد المجتمع لسلسلة المبادىء التنظيمية ذاتها. على أنه كلما أوغلت السلطة في التوتاليتارية أكثر، ازداد "شذوذ" النظام الحقوقي وانحرافه نحو حماية السلطة من المجتمع بدلاً من أن يحمي الفرد والمجتمع من السلطة، وازداد بالتالي تقاعس الفرد عن احترام النظام الحقوقي، وقلّ احترام النظامٍ الحقوقي للفرد ولاحتياجاته وميوله وحرياته المختلفة.

وتبقى ماثلة للعيان حقيقة أن الأنظمة السياسية التي تقوم أو تكتسب أو تحافظ على وظائفها وشرعيتها بالوراثة أو بالمؤسسات العسكرية وبمؤسسات حفظ النظام، يتمّ لها ذلك على أساس من عمودية العلاقة المفتوحة: سلطة- قانون- جماهير. فالقانون يطبق على الخاضعين ويخضع للمسيطرين. لكن مثل هذا الظرف يجعل القانون لا يُمثّل إلا فجوة عميقةً تعيق كثيراُ إقامة علاقات ثقة وتعاون بين الطرفين على جانبيه، في حين يُساهم جوهرياً في ازدياد بحث أفراد الشعب عن ملجأ تضامني لدرء ضغط وجحد العلاقات الحقوقية، والتي تحولت قي أذهانهم- تدريجياً وعملياً- إلى مجموعة تصورات شخص أو أشخاص وفي خدمتهم.

إن وضعية وخلفية النظام الحقوقي هذه تنسف بشكل مدمّر أمتن أسس الأمان الاجتماعي، وتُبرز استضعاف الفرد أمام السلطة إلى أقصى الحدود، ومنه تصبح حاجة الفرد إلى اطر تضامنية أخرى أشد إلحاحا وبذا فإن استعداداته تكون على أشدها للانضمام إلى الأنظمة الفكرية ذات الصلة العاطفية- الانفعالية مع عوامل بنائه النفسي ومع أسس معتقداته الروحية ورموزها. ذلك لأن الصفات الأولية لتلك الاستعدادات تتمايز متكونة في بيئة مشحونة بطاقة عاطفية انفعالية كانعكاس طبيعي لإدراك الفرد احتياجاته المادية والروحية كمادة مستهدفة من نظام العلاقّات الحقوقية المعني. ويظهر النظام الفكري الديني كمرشح ذي حظ أكبر في النظام السياسي التوتاليتاري، لأن هذا الأخير، كما هو معروف، يختزل الأنظمة الفكرية في المجتمع إلى أدنى حد ممكن دون أن يتسنى له المساس الجذري أو حتى المؤثر بالمعطيات وبالمؤسسات الفكرية الدينية.

ويُمثل الوطن المحور التالي للتعاضد والتضامن الاجتماعي، لأنه يُمثل الإطار الأوسع للمصير وللانتماء المشترك، ولأنه ثروة مشتركة الملكية. فالوطن- من بين أشياء أخرى- هو نظام علاقات مادية بقدر ما هو مقولة نفسية عاطفية. بل يُمكن القول إن توجهات الفرد العاطفية الانفعالية تجاه الوطن تعكس حرصه الشديد على صيانة نظام العلاقات المادية التي يؤمّنها الوطن دون سواه. بيد أن التأميم الايديولوجي أو الاحتكار الفئوي لنظام العلاقات ذاك (كما هي الحال في حالة الأنظمة السياسية التوتاليتارية يفتت الروابط العاطفية العفوية بين الفرد وبين مضامين النظام على أساس من تماثله الوظيفي مع مصالح الايديولوجيا المحتكِرة من جانب، وعلى أساس من موقع الفرد "الرافض" للسلطة من جانب أخر. إن وقوف الفرد على نقيض من شرائح السلطة لا يصدر في الحالات الطبيعية عن عداء مسبق لها، وإنما يكمن في إدراكه السلبي لمعطياتها الفكرية وأنظمتها التطبيقية، التي يرى فيها حائلاً صلباً أمام سعيه إلى تحقيق احتياجاته المادية أو الروحية أو كلتيهما معاً. وكلما ضاقت به سبل تأمين تلك الاحتياجات، انقاد أكثر نحو العنف لتحطيم العوائق الماثلة أمامه[11].

ويتصدر الوطن كنظام علاقات يُفترض به أن يؤمن فرصة تحقيق أكبر قدر من الاحتياجات، يتصدر قائمة العوائق عندما يتحول بفعل إرادة السلطة التوتاليتارية إلى جملة واجبات مع أدنى مستوى أو حتى انعدام أدنى الحقوق والحريات الأساسية. إذ إن طبيعة التطبيقات الإيديولوجية التوتاليتارية تقوم أساساً على إثقال الفرد بالواجبات "الوطنية" من ناحية، واستلابه الحقوق التي من المفترض أن يؤمنها له الوطن من ناحية ثانية. وتأتي استجابته في الغالب عكسيةً تماماً، أي انتهاز أية فرصة ممكنة لرفضه تأدية الواجبات مع المطالبة المستمرة بالحقوق. وعليه يبرز في الحياة الاجتماعية السياسية ما يسميه بودون بالنزاعات المرضية والتي تتحول فيها عوامل التخفيف من حدة النزاعات إلى مصادرها[12].ويجد الأفراد أنفسهم مندفعين نحو الانخراط في هذه النزاعات من خلال التعبير عن رفضهم في إطار توظيف نشاطاتهم وإجراءاتهم ضمن المجموعة التي تستجيب لرفضهم هذا بالتأييد والتضامن.

لكن، ومن حقيقة أن الأنظمة التوتاليتارية تنفي حتمية النزاعات الاجتماعية الطبيعية مسببة النزاعات الاجتماعية المرضية، تلغي في الوقت ذاته أية أنظمة فكرية يُمكن لها أن تمثل طرفاً في النزاعات الأخيرة هذه، وتختزل عمليا ًاختيارات الفرد في تسجيل رفضه وتأمين التضامن معه إلى الدين الذي يظهر كنظام فكري وحيد يُمكن الاستناد إليه في ذلك ويمكن الانطلاق منه في مواجهة التأميم السلطوي للوطن. فالنظام الفكري الديني يبقى علي حضور- يزداد أو يقل- في مختلف الأنظمة السياسية بما فيها التوتاليتارية، ويشكّل أرضية واسعةً لمواجهة السلطة كلما تناقض، أو لنقل اختلف معها، خصوصاً إذا ما انحسرت الأطر الفكرية الأخرى المحتملة في مواجهة السلطة، وهذه تنحسر كلما مضى النظام السياسي قُدماً بالتطبيق التوتاليتاري.

ج- وتظل حاجة الانتماء والمعايشة الانتمائية تتقدم سلسلة عوامل الدفع العاطفي الداخلي لسلوكيات البشر وإجراءاتهم. ففي هذا الحقل يؤمِّن الفرد القسم الأعظم من طمأنينته الروحية، وخارجها ينمو لديه الإحساس بالعزلة المتبوع غالباً بنشاطات هدمية لتخطيها والتخلص من أسبابها. إن حاجة الانتماء كمقولة جوهرية في عالم الفرد السلوكي النفسي كما يقدمها لنا اريك فروم، ويدعمها آخرون كثيرون، هي بمثابة الإمداد الأساسي للاستقرار الروحي. والانتماء بمفهوم فروم لا يتجسد، قطعاً، بالتواجد الجسماني بين الآخرين، كما لا ينتفي بالضرورة بالانفصال عنهم. فالانتماء، قبل هذا وذاك، معايشة ذاتية روحية لمعطيات فكرية: إنه انتساب روحي متين إلى أنظمة أفكار وقيم وتوجهات معينة يغذّيها الفرد ويستمد طاقته منها[13].

وبالطبع، يُمثل، النظام الديني أوسع الأطر الانتمائية في المجتمع، ويزداد  رحابةً وقدرة على الاستقطاب كلما ازداد انتشار الإحساس بالعزلة بين أفراد المجتمع. وليس مثل الأنظمة السياسية التوتاليتارية ما يدفع الفرد نحو الاغتراب ونحو الإحساس بالعزلة.

فمما لا شك فيه، أن واحدة من أبرز مميزات السلطة السياسية التوتاليتارية- الديكتاتورية هي العمل المتواصل على تعطيل أية آلية يُمكن بواسطتها توحيد جهود الجماهير والتقاء اراداتهم، وعلى الخصوص السياسية "المناهضة" منها. ولتعطيل تلك الآليات، تعتمد مثل هذه السلطات الأساس النفسي، أي نشر الخوف الذي "يجمَِّد" معظم نشاطات الإنسان الخارجية. إن الممارسات القمعية القبيحة التي تطالعنا بها مختلف أجهزة الأنظمة السياسية التوتاليتارية- الديكتاتورية ليست إلا وسيلة لإشاعة الخوف على نطاق واسع. فهي، وإن كانت عملياً تُمارس شتى أنواع القمع، إلا أن ما تشيعه على ألسنة البشر أكثر مما تمارسه حقاً، والهدف نشر الخوف. فالقصاص "الشنيع" من فرد أو من عشرات، بل وحتى من مئات الأفراد، لا يحل المشكلة بذاته، بل لا يحل أية مشكلة، إنما إشاعة هذا القصاص (ليكون درساً للآخرين) الذي ينتج عنه ازدياد الخوف هو المقصود بالدرجة الأولى من ذاك القصاص. وعندما يضرب الخوف جذوره في أعماق النفس، عندما يتملك الفرد شعور باحتمالات شر مريع من المحيط الاجتماعي والسياسي، لا يبقى أمامه إلا العزلة (الانطولوجية كما يرى فرويد[14]. ويتبع العزلة من الناحية الانطولوجية الحنين إلى الله باعتباره ذاتاً، وباعتباره أنت، والعامل الإلهي هو وحده الذي يستطيع أن ينتصر على العزلة، وأن يجعل الإنسان مدركاً للشعور بالألفة والصلة ومتوخياً غاية جديرة بوجوده على حد تعبير نيقولاي برديائيف[15]. أما فرويد، فيرى أن الفرد ليس أمامه لكي يحل مشكلته التي دفعته إلى العزلة- ويدفع بالتالي شرور المحيط عنه- إلا الاتحاد مع الآخرين الذين يواجهون الشر نفسه[16].

وبناءً عليه، أي حين نُسلم باْن القمع هو وسيلة إرهاب تزرع الهلع وتنميه، وأن الخوف يحدّ، بل ويُقيّد حركة الإنسان ونشاطاته دافعاً به إلى الاغتراب وإلى العزلة، فإن نهاية هذه السلسلة ستكون مع الله ومع مَنْ هم مع الله. في الحالة الأولى، يتم التخفيف من الأذى الناجم عن العزلة، وهذا جزء من المواجهة، أما الجزء الثاني فإنه يتجسد بالإحساس بضرورة دفع أسباب العزلة، وهذا "ممكن" في الحالة الثانية. ولعله لا يُخفى على أحد أن واحداً من أشد أسس التدين عموماً هو الخوف، الخوف من قوانين الطبيعة، الخوف على المصير، وأخيراً الخوف المتولد عن طبيعة وظروف الحياة الاجتماعية. وبخصوص هذا الأخير، وإذا ما عدنا إلى ظروف نشأة أو تفرع الاتجاهات الدينية عبر التاريخ، نجد أن واحداً من عوامل تحقيقها نجاحات معينة كان عدم الأمان الناتج عن الظرف السياسي أو الاقتصادي، وليس التطرف الديني المعاصر خارج هذا الإطار إطلاقاً. فالفكر الديني لا يظهر للفرد كنظام سياسي وحقوقي بديل محتمل إلا في ظل التدهور الأمني المقيت لحياة الفرد، ومحاصرة سبل التعبير "والدفاع"  عن ميوله ومصالحه في إطار العلاقات السياسية والحقوقية السائدة، ذلك التدهور الذي يدفعه إلى الاغتراب، إلى العزلة، إلى الله.

وفي الختام، نشير من جديد إلى أن التطرف الديني الإسلامي المعاصر استطاع أن يستقطب أعداداً متزايدةً من المؤيدين بعد أن دخل طرفاً في الصراع السياسي وليس قبله، بسببه وليس لأسباب أخرى. فالصبغة السياسية للأصولية الإسلامية هي وحدها التي تغري الأفراد وتثير الجماهير. لأن الجماهير لم تكن يوماً مستاءة من أوضاع اجتماعية- أخلاقية معينة، وإنما كانت دائماً مستاءة من السلطات. ومن الملاحظ أيضاً أن حركات التطرف الإسلامي المعاصر هي حركات سياسية قبل أن تكون حركات إصلاح اجتماعي- أخلاقي. فإصلاح هذين الأخيرين لا يحتاج، أو على الأقل يُمكن أن يحدث ويجب أن يحدث بالوعي الاجتماعي، بالضمير الاجتماعي وليس بالسلاح. ومن الصعب تبرير صراع الاتجاهات الدينية المتطرفة على السلطة باسم هذا الإصلاح.

وإذا ما تتبعنا تحليل اريك فروم لجذور اللوثرية والكالفينية، فإننا نجد أنه يردهما إلى الظرف السياسي- الاقتصادي الذي ساد آنذاك، ولا يرى لنجاحهما أية أسس اجتماعية- أخلاقية. فلولا فقدان الأمان الاقتصادي والسياسي، ولولا شعور الطبقات الدنيا والوسطى بالضغوط الاستغلالية، لما كان لهذين الاتجاهين أية أسباب لاجتذاب الجماهير[17].

ولولا فقدان الأمان السياسي والاجتماعي في المجتمعات الإسلامية المعاصرة لما اكتسبت الأصولية الإسلامية أية معان مقلقة. ولهذا تكون مواجهة الأصولية الإسلامية باحترام حقوق الإنسان وبضمان أكيد لمختلف جوانب أمنه. عندها سيكون كل فرد حريصاً على صيانة ذاك الاحترام وذاك الضمان. فليس أخطر من الديمقراطية الحقة، وليس أخطر من الضمانات الدستورية الفعلية لحقوق الإنسان على الأصولية الإسلامية المعاصرة.

ويحضرنا منذ البداية ما كتبه ميشيل كورناتون من أن "المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أسس يقوم عليها المتغير النفسي- الواقعي المحرك للعنف "[18]. وقد لا نكون على خط أطلاقاً إذا قلنا إن العنف بمفهومه العام هو قبل كل شيء مفهوم سياسي- اجتماعي مرتبط على الدوام بالاحتياجات الداخلية وبالمؤثرات الخارجية المحيطة بالفرد وبالجماعات. فالعُنف يقوم حيثما تخضع القيم والأهداف التي تخض فرداً أو جماعة، والتي تنطوي على معنى عام كلي، لقمع يُمارسه حيالها فرد آخر أو جماعة أخرى. ولا يختلف اثنان في أن العنف، في جوهره، ما هو إلا تعبير صريح ومباشر عن الرفض الواعي لواقع ما، عن الرفض المتطرف لواقع متطرف. ولكن لا يكتسب الرفض طابع العنف إلا حين يكون الرفض قد بلغ حدوده القصوى بانعدام أشكال أقل إيلاماً لإظهاره والتعبير عنه في الوقت المناسب. من هنا كانت أهمية النظر إلى العنف الذي تُمارسه الحركات الأصولية الإسلامية في علاقتها العضوية مع العنف الذي مارسته وتمارسه السلطات، وليس بمعزل عنها. فعنف الأصولية الإسلامية قد يكون علامة ضعف أكثر منها علامة قوة، إذ يُمكن ملاحظته كحصيلة لسلسلة من الاعتداءات السلطوية على الأفراد وتوجهاتهم، كحصيلة حرمان الأفراد والجماعات من وسائل التعبير والدفاع عن مصالحهم من غير أن يتواجهوا مع عنف السلطة. ففي نهاية المطاف، لا يستطيع أحد أن يستبعد العنف كنهج للتعبير عن المصالح والاتجاهات في بيئة يُغيب فيها الظرف الديمقراطي الحق للتعبير عن تلك المصالح.


 

[1]-Selected Writings of Edward Sapir in Language, Culture and Personality, Berkeley and Los Angeles, 1949, PP166

[2]- Emil Dirkem, Elementarni oblici Religiskog zivota, Beograd, Prosveta 1982 pp 378.

[3]- إميل دوركهايم، المرجع نفسه، ص 11

[4]- Selected Writings of Edward Sapir…Op.cit, 168

[5] - L.S.Vasiljev, istoria religija istoka, Beograd, 1987 pp  7- 18

ل.س.فاسيليف، تاريخ الديانات الشرقية    

[6] - ، ص 741986  سبتينو موسكاني، الحضارات السامية القديمة، بيروت

[7]- Hans Magnus Eicensberger, Nemacka, nemacka izmedu ostalog. Beograd 1980, pp 112

هانس ايسينزبيرغر، ألمانيا ألمانيا بين الأخريات.

[8]- Ibid, pp.116

[9] - Jean - François Bayart, L'islam contre Ia crise, Autrement, No 95, Décembre 1987, pp 144.

[10] - هذا ما يؤكده أقطاب الفكر الأصولي الإسلامي وتعاليم الدين الإسلامي ذاتها. فمن القول "المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشذ بعضه بعضاً" إلى قول الأصولي محمد رشاد خليل: "يجب أن تكون علاقة المسلم المصري مع أخيه المسلم في اندونيسيا أو نيجيريا أو تركستان مثل علاقته مع أخيه المصري... ". انظر محمد رشاد خليل "شخصية مصر التاريخية"، القاهرة، الدعوة، 1978  ص 12

[11] - أنظر فرانسوا لوجاندر، وجور العنف المتعدد"، في كتاب المجتمع والعنف. دمشق، 1975، ص 21 - 22

[12]- R. Boudon et F. Bouricaud, Dictionnaire critique de la sociologie, Paris, P U F, 1982

-[13]طالع بهذا الصدد مقدمة كتاب إريك فروم، الانسان بين الجوهر والمظهر، الكويت، عالم المعرفة، 1989.

[14]- سيجموند فرويد، الحرب والحضارة والحب والموت، القاهر، مكتبة مدبولي، 977 1، ص 1 6.

 -[15] نيقولاي برديائيف، العزلة والمجتمع، بغداد، 1986، ص 96

  -[16] سيجموند فرويد، المرجع المذكور سابقاً، ص 61.

[17] - Erich Fromm,Escape From Freedom, New York, 1942, P P70.

[18]- ميشيل كورناتون، "جذور العنف، الحيوية النفسية والنفسية الاجتماعية، كتاب المجتمع والعنف، مرجع سبق ذكره، ص81.