E-mail                   Home

 


تتهالك الذكريات بتقدم العمر. لا، ليس كلها. بعضها يظل يفرض ذاته كنور في الظلام. لكن الزمن، عموما، ينتزعها من مواطن الحنان في النفس.

أمي كانت تضربني بكعب الحذاء، بقوة، ثم تلوذ في ركن من البيت وتبكي. دموع الندم مجحفة: تغسل روح  المذنب من ذنب وتلوث ضمير الضحية بألف ذنب. حذاء أمي هو شيء لن أنساه. كيف أنسى سنوات من ظلم ظالم مظلوم. كانت أمي تراني ولدا سيئا بالفطرة. ظنها أن العصا تقوم الحمار، فلماذا لم تقوم هذا الولد؟ كنت أراها أما سيئة، وأستكثر صبر الله عليها. لمن الشكوى يا ترى؟ مسكينة أمي. مسكينة طفولتي .

لقد ابتعدت عن أمي في سنيين الشباب. هجرتها بإرادتي المغتصبة. هي ابتعدت عن قلبي قبل ذلك بكثير. ذات يوم تحسست آثار دم ينز من مكان وقع حذائها على رأسي فتمنيت لها الموت.

في غربتي أتذكر أمي بشيئين؛ بحذائها وبدموعها. في بلاد البرد والوحدانية كان يُصادف، بين حين وآخر، أن أتلقى رسالة منها. رسائل أمي تكون عادة، مدموغة بلون الحنان الميت. البعد يرقق المشاعر. يحتاج المرء مسافة كي يسمو ويشتاق. أمي تكتب بقلم الرصاص سطورا مائلة، مبتورة، مقتضبة. هي امرأة أمية بالرغم من التحاقها بدورتين متتاليتين لتعلم القراءة والكتابة للكبار. جاهدت كي تتعلم لكنها ظلت تحتاج يوما كاملا كي تكتب جملة تفيد معنا. أنا، على كل، لا أحب رسائلها. كلماتها تكون في الغالب، قاسية، مضطربة، ومعانيها تروج للذكريات البائسة، المؤلمة، المصلوبة في صدر العمر كما الموت منصوبا في نهايته. رسائل أمي تعكر النفس الهاربة من اللعنة البشرية. تعبث بصفاء الروح الذاتي. بيد أن آخر رسائلها، قبل عام تقريبا، لم تكن كذلك.  لم تحمل شيئا من المواصفات المعتادة، السابقة الذكر. يبدو أن أمي كانت تعاني من الوهن والمرض حينذاك. القلق مرض يحط من الشجاعة والعزيمة. كتبت بيد غير يدها، وربما بعقل غير عقلها:

- نفوس الأهالي في الضيعة لم تهدأ بعد. ربما لن تهدأ. الفتنة تولد المحن. المحن تنجب البغضاء. تشحن الأرواح التائهة على ضفاف الحياة بمزيد من التيه. البغضاء تُورث كما اللغة والدين. ليغفر لك الله يا بني خطيئتك. أنا لن أغفرها لك. أهالي البلدة لن يغفرونها لك. الأجيال القادمة لن تغفرها لك!

 عشرون عام تفصل بيني وبين تلك الخطيئة .

بيني وبين دنيا طفولتي سنوات غربة طويلة وشقاء ماثل ومسافة تعمي الأبصار. طفولة منهوبة الحنان، جافة كتراب فتته العطش.

بيني وبين ضيعتي هوة من القطيعة تقدر بجيل أو زد قليلا. لطالما بدت لي كبلدة تافهة؛ ضيعة مُحكمة بالبراءة والجهل الموروثين والمصانين عبر العصور. بالرغم من ذلك، أو لذلك أتذكرها بنقاوة شديدة ووضوح. فلازال كسمها بارزا أمام الرؤية كما هو بروز الظلم في الطبيعة والخلق، جليا في الروح كعين ماء رقراق. بيوتها قائمة دون أناقة أو تنظيم. أزقتها واسعة وضيقة متقاطعة بشكل عشوائي غريب. أحجارها سمراء متناثرة في كل صوب. أشجارها تنمو بلا عناية، بلا هوية. لازلت أتذكر، ولوعة الشوق في قلبي، وردها الجوري الأحمر. لازلت أشتم رائحة حيواناتها المألوفة كما الفقر في يومهم. رائحة سكانها تشبه طعم الأرض إذ تجبل بعرق التعب والشقاء.

وعندما يحدث اليوم وأركب قطار الذاكرة في طريق عودة ما إلى الماضي البعيد، أجد ذاتي تعود إلى بلدتي وحسب. من نافذة الذكريات أشاهد ضيعتي. لم تتغير. ولماذا تتغير؟ وكيف تتغير؟ لا تزال دافئة بفعل شمس معطاءة، دائمة، ووداعة بشرية بدائية موروثة. من بعيد، تتراءى لي ضيعتي كشريان خير من الرب. شيء ما يجعلها تنبض بالحياة وينشر الفرح والسرور في السحن المتعبة. شيء غامض كسر من أسرار الوجود المستعصية على المعرفة البشرية. وعندما يكون الصيف حارا على غير هدى ونسيم المساء يتطاير بلطف، تحضر بلدتي في مخيلتي كواحة أعراس متواصلة، كساحة أعياد لا تنتهي. فالبهجة معلم من معالمها الخالدة في حاضرة الطفولة. وإذ أسأل العقل حكما عن سر مشاعري هذه، الخالصة من شوائب الواقع والنظيفة من عيوب الضرورة، والتي تقترب من التطرف الصبياني بما تحمله من نقاوة ومثالية، يجيبني غير حاسم تماما، غير مقنع حتى النهاية:

- البعد والحرمان مساحيق تجميل؛ لا تغير الوجه لكنها تخدع الرؤية.   

مهما يكن من أمر، إن القفز من فوق تلك الهوة المحفورة في سهول الضمير كنقوش سومرية، الممتدة نحو الأعماق على مسافة التاريخ الشخصي، والعودة إلى رحم الطفولة الرحيم محمولا على أجنحة الذاكرة المندفعة أبدا، يأخذني أول ما يأخذني إلى دير بلدتي القائم على مسافة أميال قليلة نحو الشمال منها.

أتذكره إذن، قبل كل شيء، وأقوى من أي شيء. أتذكره قبل بيت أبي وأمي، وأكثر من الحبيبة الأولى، وأشد من أصدقاء التخبط الصبياني. على أن أولوية الدير في الذاكرة لا علاقة لها البتة بشأن سحره التاريخي أو غموضه الديني أو تفرده أو زهوه.  حقا، دير بلدتي يفيض بالألغاز والسحر والأساطير والجمال. لكن هذه أمور لا تعنيني على نحو متميز أو ملفت. فالألفة تقتل الافتنان. هو يهمني لشأن آخر، لشأني المباشر معه. فدير بلدتي  نحت قدري بأكثر مما فعلته العائلة والمدرسة وشوارع الضيعة مجتمعة. في واحدة من غرفه الكثيرة، واحدة مختبئة في بطن الأرض، مظلمة لولا شموع لا تنطفئ، عثرت على بذرة غريبة. بداية، ظننتها من البذر الكريم، فغرستها في حديقتي. تبين لي سريعا أنها لم تكن كذلك. لقد أنتجت على غير انتظار شجرة شقاء في العمر لا ينتهي. أثمرت الخطيئة التي عسر على أمي أن تغفرها لي حتى وهي تحتضر.

في الدير، في غرفة تحت الأرض، حيث الهواء لا يتبدل إلا بمقدار ما تحمل الصدور البشرية الزائرة القليلة إلى المكان، تنفست مخاوف شريرة لا ترحم. لا تحتمل. كان علي بالتالي، أن أُعقمها بشجاعة مفتعلة كي لا تتكاثر في الدم فتفسده.

بيد أنني اليوم، عندما أتذكر الدير أتخيله، في الغالب، ذراعا لبلدتي عملاقا وقويا وطويلا. لعله منطق الطفل المتشبث في داخلي وحسب. وللعلم، داخلي متحلق على أحوال الماضي ككل شخص يفقد مجدا أو مقاما. ومهما يكن الحال، هكذا تغلغل الدير إلى منطقي حين كان منطقي يتعلم الوقوف على قدميه. كنت يوم ذاك أتعلم بمشقة جمة شيئا عن الحياة وشيئا عن النفس وكعب حذاء أمي فوق رأسي. وهكذا ترسخ في ذهني وخلد حتى هذه الساعة. جزء من الفضل، إن كان ثمة فضل في الأمر، يعود إلى جدي ، أبو أمي . فلقد كنت صغيرا على الفهم. كان هو يموت من ضراوة التعب والمرض والسنين. مع ذلك، أودعني قولا مغريا. قول فيه غرابة وتعقيد شديدين:

- ما من بغل، ما من عائلة، ما من بيت، ما من قبيلة، ما من قرية، ما من منطقة، ما من بلد إلا ولها حاميها. الدير، يا ولد، هو حارس ضيعتنا من أهوال الطبيعة ومن شرور الشيطان.

 كنت، آنذاك، طفلا لا يذهب إلى المدرسة بعد. لكني كنت مع ذلك، أو لذلك، مسلح بخيال لا يضبطه إلا التقدم في السن والتعمق في المعرفة. تصورت، والحال هذه، أن الدير لا ينام في الليل أبدا. اعتقدت أنه يتحرك من مكانه بقدرة الرب، وأنه يظل يتجول حول البلدة بخط دائري؛ يحرسها من الجن ومن الشياطين ومن الغول. تخيلت أيضا أن الدير يقظ على الدوام، يترصد بحرص أكيد مواطن الشر ليبطش بها قبل أن تنال من شخص ما. ومن المحقق أن تصوري هذا هو صنف من أصناف المغالاة  البريئة، المنحازة على كل. فلقد أدخل طمأنينة ما إلى صدري، وقلل خوفي من الظلام ومن الأشباح المفاجئة على الدروب أو في البيت. طفل كنت، لا أفرق بين الخيال والقناعة. كلاهما عندي  قائم.

غير أن الرجل الذي حرض خيالي بهذا الاتجاه هو ذات الرجل الذي اعتدى على طفولتي الهاربة من واقع عنوانه حذاء أم، وعلى عجزي الماثل عن الفهم، وعلى عقلي الغض.

- لا ، الدير ليس كذلك يا ... .

هكذا قال لي جدي، أبو أمي، حاسما ناهرا. ثم صمت لحظة. خلوة انزواء وتفكير على الأرجح. داعب ذقنه الشائكة الشائبة باضطراب. مسد أنفه الطويل بعصبية واضحة. ثم، على حين غرة، اشتدت به النخوة والرغبة لوضعي على صواب فيما يخص ذراع البلدة العملاق. أكمل:

- الدير يا ولد،  ليس إنسانا. لا تكن غبيا مثل أبوك. الدير شبيه بذراع الكلب القوي الذي يواجه الذئاب الجائعة عندما تهجم على الخراف.

في تلك الأيام، لم أكن أعلم أن كافة الناس العارفة أو العاقلة كانت قد كفت عن الإصغاء إلى الرجل الكهل بشيء من الجدية. بحكم الفارق بالسن وغضاضة عقلي كنت أتصور جدي هذا مُستشار الله على الأرض، لا يخطئ ولا يقول قولا بلا معنى. كنت أسمع أحيانا، لكن لم أكن أفهم ماذا يعني أنه رجل خرف وقرض المرض أطراف حكمته ومنطقه. لو كنت مدركا لما كان يدور حولي لأكدت للقوم فقدانه للعقل والذاكرة أيضا. فات الأوان. جدي، أبو أمي، غرس في خيالي آخر "مفردات جنونه" ومضى إلى رحاب السماء بلا ضمير حي يؤنب أو يساءل:

- لكل بلدة ذراع تعول عليه اتقاء المحن. ذراع بلدتنا هو الدير.

 

يمكنكم تحميل الرواية كاملة بالضغط هنا بالزر الأيسر للفأرة، ومن ثم سجل تحت أسم.