E-mail                   Home

 


محنة البيت العتيق

الفصل الأول والثاني

يا نبلاء القوم، من منكم يجرؤ على فتح صدره للعامة؟

كان الليل بديعاً، عبقاً برائحة الزهور وسكون النسيم. كانت نجومه تقدح كعيون حيوانات خرافية.
تحلقوا حول المائدة المفروشة تحت شجرة الصنوبر الكبيرة؛ تسعة عشر بالغاً وثمانية أطفال. هم ليسوا عائلة واحدة، لكنهم بمثابة ذلك. أقارب من أجداد أخوة. الأجداد جميعاً انتقلوا إلى رحمة الله منذ زمن بعيد. أغلبهم مات في ظروف جد غريبة، جد غامضة، جد محيرة. عائلة حرمها الله من رحمة الموت أمام شهود العيان؛ هكذا يتمازحون فيما بينهم ويغالبون خوفهم من لقاء المصير ذاته.
هم يجتمعون في أواخر الصيف من كل عام. تجمعهم المحبة والرغبة في الوصال ودعوة "العم عيسى". حتى الشيوخ منهم وبينهم يسمونه "العم عيسى". وقاره الشديد يجعله أكبرهم. ماضيه المثقل بالنجاحات، المختنق بالغموض والانتصارات، يضعه دائماً في لوحة الإعجاب والفضول.
هو موسيقي محترف العزلة ما أمكن والصمت ما أمكن والسهر الطويل من حين إلى حين. هو رجل يبني مجده في وحدانيته.
يتناولون العشاء في عرض الحديقة المحيطة بمنزله الضخم، والذي اشرف بنفسه على بنائه حجراً بعد حجر. يتحدثون بود وحرارة، ويضحكون بعمق وصدق. يسترجعون الذكريات المشتركة؛ الطيب منها والسيئ بنفس الطريقة الهزلية. يشكُون من الأطفال ومطالبهم وهمومهم. يمدحون الأطفال وذكاءهم وطيب عشرتهم. يفعلون ذلك بمحبة جمة.
يتقولون على العمل؛ هذا الحوت الذي يبتلع الوقت بشراهة لا تنتهي. السنوات تمر بسرعة مذهلة. يا إلهي كيف يكبر الإنسان خلسة!
يسخرون من منطق الحياة ومن أحكام الزمن فكأنهم يصنعوه؛ كأنه لا يصنعهم. الشيخوخة قدر الإنسان السيئ. يشاء الله أن يضعف الإنسان قبل أن يُميته. الضعيف لا يطيق العيش. يتمنى الموت. الهرم والضعف يجعلان الإنسان يموت برضاه. حكمة الله أن يخيفنا من الموت إلى حينه؛ ثم يحررنا من مخاوفنا دفعة واحدة. هكذا يقولون، وعلى هذا هم متفقون. الوقائع التي تبدو بعيدة تحرر خيال الإنسان من ضوابطه، وتجعله أكثر ميلاً إلى الترف الفكري.
ينتظرون.
فلقد كان السهر يحلو في ساعة متأخرة من الليل. كان "العم عيسى"، بعد أن يخلصوا من الكلام ويملوا من التكرار، يأخذ الناي ويعزف ألحاناً عذبة. الموسيقى في الليل، وسط الصمت المطبق، تسمو بالنفس؛ تنحو بذاتها نحو القدسية والخلود.
أما تلك الليلة، فقد اختلفت. لم تتخللها الموسيقى كما هي العادة، وكما هي التوقعات. لم تنته بمعزوفة "فراشات الخزامى" التي كانت تطرب الجمع في ختام السمر. كان عليهم أن يصغوا لشيء آخر؛ لشيء قاس على نحو لا يحتمل. "العم عيسى" هو الذي تكلم. لن يسمعوه مرة أخرى كما بشرهم. ليس في الأمر موتاً، لا أبداً. أراد أن يحكي كل ما عنده من كلام يتعفن في صدره؛ أن يفضح كل أسراره، ثم يرحل بعيداً عن الناس، حيث سيكون الصمت أمراً واقعاً.
- جروح القلب بليغة ومنفتحة. قال "العم عيسى" وأضاف، أنا أعرف هذا وأنتم لا تعرفون. ابعدوا الأطفال من هنا.
كلهم يعلمون جيداً أن لدى "العم عيسى" الكثير من الكلام المثير عن العديد من الأشياء المخفية في ظلمات صمته. فهو رجل تكتم على حياته بعناية فائقة. عاش فصولاً من عمره بسرية تبعث على الريبة والتساؤل. فمثلاً، كان يتوارى عن الأعين لمدة يوم كامل، أو لمدة يومين متواصلين في بعض المواسم، فلا تعرف حتى زوجته أين الغائب ولماذا المغيب. من حين إلى حين، كان يقتطف أجمل وردة في حديقة منزله، فيحملها ككتاب مقدس، ويذهب إلى ضيعة الآباء في سويعات العصر. هناك كان يصعد الرابية منفرداً، ويجلس على مقربة من "البيت العتيق" تحت شجرة فارهة قائمة وحدها في عراء المكان، ويعزف على الناي ألحاناً شديدة الشجن والحزن. وقُبيل المغيب، كان يطوف مفرطاً بالخشوع والتقوى والإيمان، حول ذلك البيت الذي تعاضد الفلاحون على إهماله، لا لحقارته وحسب، بل لجليل شأنه أيضاً. إنه بناء من لبنات سميكة وطين؛ صغير بمساحته كوكر حيوان، لكنه شاسع كمدى البيداء بأحداثه وغموضه والأحياء التي سكنته والناس التي عبرت منه. كان "العم عيسى"، وبعد أن يعيه الدوران الرتيب حول البناء البائس، يضع الوردة على مصطبته الأمامية بتأن مفرط، ويهبط إلى الوادي عبر أشجار الزيتون. هناك، في أسفل الوادي، كان يستلقي على الأعشاب الطرية صامتاً متفكراً حتى يسمع أذان العشاء من مئذنة البلدة. وعند ذاك، كان ينهض كالمثقل بالهموم ويرجع إلى المدينة، فلا يكلم أحداً إلا بحدود الضرورة، ولا ينام إلا في ساعة متأخرة من الليل. رجل يعايش مشاعره في الظلام فكأنها عشيقة مُدانة لا يجرؤ على البوح بها. رجل يحبس في صدره أقوال حياته ومحنها كما المجرم خلف القضبان. أصغوا إليه إذن بانتباه شديد وفضول متنامي. ولابد أن أذكر هنا أن مقدمة الحديث كانت ثقيلة بعض الشيء، وقد يصعب إدراك غايتها النهائية. فقد بدت كلماتها، بمعظمها، مجردة من أنفاس الواقع ومتحللة من متطلباته؛ بل ومعقدة وتكاد أن تكون غير مترابطة فكأنها ممضوغة بلعاب الفلسفة في فم على شفا الجنون. من بين ما قاله في تلك المقدمة الغريبة العجيبة:
"... تحتاج الروح إلى لفتة وانتباه. عقل الإنسان شيء وروحه شيء آخر. عقل الإنسان مربط لترويض الروح. عقل الإنسان عطيل الحياة والضرورة. الروح لا. هي عصفور يغرد في قفصه. ينشد الحياة والحرية والانطلاق. الحياة الاجتماعية قفص الروح ومقتل حريتها. الحياة باعدت بيني وبين روحي حتى أضحيت أراها كالغريب. يحصل أن ألتقي بها. ألاطفها بنفور، فتستجيب بفرح وحذر. يكون ذلك في الليل عادة. في النهار ألهو بالبحث عن الوصال مع الآخر. تلومني وأعاتبها فلا نصل إلى صفاء ولا إلى قرب. طالعتني في الصبا بمطالبها فاخترت ألا ألبي. إعجاب الآخر بي كان يعز عليّ أكثر منها، ومطالبها المعقدة كانت محض هراء. جنيت مالاً أذهل الوجوه الفقيرة لكثرته والسرعة التي تم بها ذلك، وتجنيت عليها فذُهلت. إنني مصمم على امتصاص نقمتها. سأكون في الأيام القادمة، وربما في السنوات التالية، لها وحدها. روحي لا تطيق أن تراني بين البشر. تريدني سميراً حاضراً أبداً. أنانية مفرطة دون ريب، مع ذلك، سأنصاع لرغباتها وأهوائها. سأعتزل الناس جميعاً، وكذلك المدينة والسفر وصيد السمك وعزف الموسيقى في المحافل العامة. سأرحل إلى "البيت العتيق"؛ مكمن لعنة العائلة التي لا خلاص منها، وأبحث في زواياه المعتمة عن مصابيح النفس. أضعت فيه بعض أبعادي منذ الصبا، فرممت الحياة بأبعاد الآخر حتى اليوم؛ الشيء الذي لا يصح ولا يستقيم مع الزمن. إنني بحاجة إليها كما هي حاجة عاشق مسلوب الإرادة لمعشوق متمرد. إنني أرجح في يومي هذا الوقوف على الماضي وعلى دقائق النفس لا على الوهم ودقائق البشر.
أرى وجوهكم تحتقن بالدهشة وبشارات الاستنكار والاستغراب المبكرة. أرى هذا بالرغم من أن ضوء القمر ينير الدروب لا المشاعر ولا الوجوه. لا عليكم، فليس هناك من داع للقلق قبل الأوان. لا شيء يستوجب الاحتقان بالفضول. إنني سأجلو الغموض من وجوهكم قبل أن يجلو الليل. لن أدع بقايا دهشة أو بعض ريب في صدوركم. عهداً أنني سوف أفاجئكم بصراحتي بكل ما تحمله من قسوة وبكل ما تنطوي عليه من عيب. قد تغضبي يا بنتي وتنتفضي، وقد تسكنك الخيبة والانكسار يا زوجتي العزيزة. سوف تؤلمكم صراحتي وفضائحي وأسراري أشد الألم. سوف يجرحكم عري روحي عميقاً. لكنني لا أفعل هذا من أجل ذلك. لا أريد أن أنتشل الحقائق المخبئة وأنثرها أمام أعينكم لغايتي. روحي هي التي تطلب هذا، وهي التي لا تقبل الصلح معي وهي مثقلة بعيوبي والأسرار. شوهتُها باختلاق الضرورة؛ وباحتضان الضرورة أيضاً. تمتلك الحياة ظروفها ومعاييرها وشروطها. هكذا كنت أقول لها في بداية كل حساب. أنا أمتلك أيضاً ظرفاً وحاجة. هكذا كانت تختم كل جلسة حساب. كانت تبتعد عني بعد ذلك.
ترى، هل ثمة ما يرضي النفس غير التمرد المكلف على أقنعة الناس وأخلاقهم؟ دعوني إذن أبدأ من البداية. لا من الطفولة؛ بل من بداية القطيعة بين نفسي وبيني، بين حاجتها الحالمة أبداً، والشاخصة إلى أهواء الحياة، وبين حاجتي إلى غرس الإعجاب بي في وجوه البشر..."
ترى، لماذا شاء "العم عيسى" أن تكون بداية حديثه مركبة من معانٍ مجردة بهذا الشكل، تكاد أن تكون غامضة، تقول أشياء كثيرة ولا تقول شيئاً؟ ولماذا صمت نحو نصف ساعة قبل أن يستأنف الحديث عمَّ اكتنف حياته من أحداث ظلت طي الكتمان ثلاثين عاماً، فظللت الأصدقاء والأقارب والعدالة الإنسانية والزمن والنفس، ومزقت راحة الضمير - على حد قوله؟ ولماذا احتقن وجهه بدماء الانفعال والخجل عندما شاء أن يبدأ حكايته من لحظة وداع محا الزمن ألوانها عند مرفأ غير الزمن حاله؟
من الحكمة أن نستمع إليه بدل أن نحكي حكايته، وأن نحاول الإجابة بعد أن ينتهي من بسط حقائقه.
 

الفصل الثاني


كلما دخل البيت العتيق اثنان، قتل واحد منهما الآخر.

وقفنا على الرصيف. كان المرفأ حيوياً على نحو لا مثيل له في تلك الساعة السابقة للمغيب. بواخر عملاقة تموج في حضن الماء. بعضها يقترب وبعضها يبتعد وبعضها يتأهب. قوارب سريعة وبطيئة تحمل أفراداً قلائل إلى العمق؛ إلى الغايات المتلألئة في أفق البحر والحلم.
اقلع المركب الأبيض ذو العلم الأزرق المقلم بالأحمر، الغاص بالرجال البائسين، فتخلت أمي عن الصمت والاحتقان. أجهشت بالبكاء المرير. كان والدي يقف على ظهر المركب ودقائق اللحظة. كان يلوح بيده ونظراته ثابتة في وجهينا. كان يقترف الجريمة بعزيمة ورباطة جأش؛ يتركنا للفقر والعوز ويمضي إلى البعيد.
يا رب، لماذا تكون أحلامنا دائماً بعيدة عنا!؟
ابحر المركب في وجه الموج بجبروت محركاته العملاقة. ابتعد أبي في البحر، لكن أمي ظلت ثابتة في المكان، وظلت تبكي بصمت وخشوع فكأن البكاء تقوى. ضاع المركب في المدى لكن أمي تمسكت بوهم الرؤية. ظلت تنظر في الأفق فكأنها تواري فيه ميتاً، كأنها تبحث فيه عن رحمة الله. بدأت الشمس تغيب أسرع فأسرع. عاد الصيادون بقواربهم الخشبية المهترئة محملين بالأسماك. رائحتهم من رائحة أسماكهم. كانوا يتصارخون ويربطون القوارب. كانت أصواتهم وضحكاتهم تنم عن سرور وعن صيد كثير. مسكت يد أمي استعطافاً على حالها، على حالي. نظرت إليّ. عيناها على شفا أن تنزفا. ضاع بياضهما الناصع في هيجان الحزن والاحتقان. تبسمت لي تواسيني. بسمتها وديعة دائماً، ومريحة. كنت احتاج شيئاً آخر. قلت لها:
- هل ستطيلين البكاء يا أماه؟ هل ستغلقين عليك الغرفة وتبكين في الليل كما هي عادتك في لحظات الحزن أو الخسارة؟ هل ستعودين سريعاً إلى منابع الفرح فتشربين منها وتسقين من حولك؟
- نعم يا بني، قالت وانفجرت بالبكاء. سأفعل كل هذا. لكنني سأعود إلى البستان في الصباح. سنذهب معاً لضرب أغصان الزيتون.
- هل سيرجع أبي يوماً؟
- ربما تخذله الغربة ويغلبه الحنين فيعود بعد سنوات عدة. أشياء كثير ستتغير، ولن تكون الأمور مثل اليوم بعد أبداً.
- هل ستتوقفين عن حبه يا أماه؟ هل ستتزوجين غيره؟ هل سيتزوج في الغربة؟
- بعد الموسم سنذهب إلى المدينة للبحث عن الخبز. أبوك باع البستان بتذكرة سفر نحو الأمل. جدك يأبى أن يتحمل عبئنا. لم يبق لنا في البلدة غير "البيت العتيق".
- بوسعنا أن ننتقل للعيش فيه يا أماه.
- لا يمكننا أن نعيش مع الجن والشر. "البيت العتيق" مسكون يا بني.
- نبيعه أذن ونشتري واحداً آخر.
- لا أحد يقبل أن يشتريه. يُقال أن من يملكه تحل به وبأحفاده اللعنة. لو كان بوسع والدك أن يبيعه بخمس بيضات لما توان. ولماذا قد يشتري امرؤ مساكن الجن؟ لا عليك يا حبيبي، سنذهب للعيش مع أختي في المدينة.
سافر أبي فجأة. قص لي مشهداً من بطولات عنترة ودفع بي إلى النوم. لم يتفوه بشيء البتة عن نيته في السفر في اليوم التالي. لم يُعلمني أنه باع البيت بثمن بطاقة تأخذه بعيداً عنا آلاف الأميال. لم يكلمني عن الحلم وعن الرهان. رهن العائلة مقابل حلم.
سافر أبي فتغيرت أمي، وكان عليّ أنا الآخر أن أتغير. وضعتني أمي في الفراش، لكن على غير عادتها قبلتني فبالغت. حاولت أن تطمئنني بالقبلات والعهود. هي لن تتركني يوماً، قالت. هي سوف تموت من أجل سعادتي. هي لم تخسر شيئاً ما دامت لم تخسرني. لكنني كنت أحس شفاهها باردة، وكانت تبدو لي عهودها بمثابة الاستجداء. كنت أحس قبلاتها نوعاً من العطف، أو نوعاً من العجز حتى. تألمت. شعرت كأنني مرمي في العراء. أغمضت عيني بقوة. هكذا يفعل الخوافون عندما يستسلمون لأحكام القدر.
استيقظت في ساعة متأخرة من صباح اليوم التالي. صوت أمي المتهادي عبر النافذة المفتوحة هو الذي سحبني من الفراش. كانت تجلس قبالة الشمس أمام باب الدار وتشرب القهوة مع جارتنا. كانت تحكي لها عن ألم الفراق وعن الخوف من المستقبل. سمعتها تقول: المرأة المهجورة هي بستان بلا جدار وبلا بستاني؛ الكل يستبيحه دون رادع ودون...
رأتني أمي مقبلاً أفرك عيني، فاستدارت نحوي ولم تكمل القول. باعدت ذراعيها ودعتني إلى حضنها. لم ألب. وقفت جانباً وتطلعت إلى بستان الزيتون. لم يكن والدي بين الأشجار. هو الذي غرسها فكبرت وكبر معها حتى لقد صار جزءاً منها وصارت جزءاً منه. نظرت إلى الرابية. بحثت عن والدي حول "البيت العتيق" فعسى. كلا، لم يكن والدي في أي مكان. والدي أضحى بعيداً ولم يبق لي غير ابتلاع مرارة الهجر. والدي لم يهجر وحسب، والدي غدر. كنت صغيراً، وكانت أمي ضعيفة فتركنا ورحل. ابقى لنا مالاً قليلاً ومصاعب جمة.
شعرت أمي أنني أكابر كي لا أبكي. صرفت الجارة ومشت نحوي. ضمت رأسي إلى صدرها. دفنت أصابعها في شعر رأسي الكث الطويل. داعبته بمنتهى الرقة، بمنتهى الحنان. في الحقيقة، نادراً ما كانت أمي تضمني إلى صدرها. كان أبي يمنعها. أحضان النساء لا تصنع الرجال، على حد قوله.
- بل من أحضان النساء يخرج الأبطال، وإليها يعودون.
- كلام فارغ.
كان والدي يقول، ويحمل سجائره الرخيصة ويصعد إلى قمة الرابية عبر بستان الزيتون. كل ما لا يروق لوالدي هو كلام فارغ. كل نقاش معه ينتهي به إلى هذا القول الحاسم والى الخروج من المنزل وفي فمه سيجارة الغلبة. كانت أمي تراعيه فتضحك وتكتم. حنقه لا يطول، كانت تقول.
لم يدم كثيراً احتضان أمي لرأسي. لم يرق لي كثيراً على كل حال. ليس صدرها هو الذي كنت أبحث عنه في ذلك الصباح. شعرتْ بهمي. وضعت وجهي بين راحتيها ورفعته نحوها قليلاً. نظرت إليه مستطلعة. لعلها لاحظت الانكسار في عيني، وكذلك الحزن والقلق. قالت:
- لا أمتلك بعد اليوم غيرك رجلاً أعتمد عليه. هيا بنا إلى البستان.
كانت أمي متعبة. التعب مثل المرض؛ يعلن عن نفسه في الوجوه، وينتزع بريق الحياة من العيون. أنهكها سفر أبي وقلة النوم. مع ذلك، عملت أمي بهمة لا نظير لها. ظلت تضرب أغصان الزيتون بضع ساعات فما رأيتها تتوقف عن ذلك أبداً. بدت لي أنها تستعجل الرحيل هي الأخرى. بيد أن التعب فرض نفسه عند ساعة العصر. فعلى حين غرة، رمت أمي العصا جانبا وتناولت القربة الفخارية الصغيرة الملفوفة بالقنب المبلل. شربت الماء واستلقت في ظلال واحدة من أشجار الزيتون. وما هي سوى لحظات قليلة حتى هدأت أنفاسها واستغرقت في النوم. إنه الاستسلام بعد عناد لا طائل منه. إنه الاعتراف بالعجز والخسارة.
افترشت أمي الأرض ونامت من شدة التعب. ضاق صدري حزناً على حالها. تابعت جمع حبات الزيتون ووضعها في سلة منسوجة من عيدان الخيزران. كنت أفعل ذلك بهدوء متطلعاً إلى أن تنام أمي أطول وقت ممكن. بل كنت أطرد العصافير التي تغرد على الأغصان فوق رأسها أو بالقرب منها.
بعد نحو ساعة من استسلام أمي المباغت، مر بنا أبو جمال؛ صديق أبي وصاحب البستان المحاذي. نظراته إليّ كانت تنطوي على بعض الشفقة. حياني رافعاً يده، والتقط بضع حبات من الزيتون الساقط على الأرض. تناول سكيناً من جيبه وحز اثنتين أو ثلاثة. قلبهن بين أصابعه وتفحصهن بتأن. اقترب مني. وضعهن في السلة وربت على كتفي مشجعاً. وقف جانباً ونظر إلى بقايا الثمر على الشجر. رأى أمي نائمة على الطرف الأخر من صف الأشجار فأدار لها ظهره. فعل ذلك بغتة وعلى عجل! استغربت الأمر لكنني لم أتوقف عنده. كان أبو جمال صامتاً، لكنه كان يسترق بين فينة وفينة نظرة من خلفه؛ من أمي. كان يستدير نحوها خلسة بقلق وحرج. فهمت السبب حين خاطبني طالباً:
- اذهب يا ولد وغطي أمك. فساقها عاري.
استيقظت أمي على شد ثوبها نحو الأسفل. تبسمت لي كأنما اعتذاراً وشاءت أن تستأنف النوم. لكن أبا جمال سألها عن الحال فوضع حداً لمشيئتها ولهدوئها. تركتهما يتحدثان ورجعت أجمع حبات الزيتون في السلة.
قُبيل المساء، وعلى حين غرة، أضحت أمي متحفزة على نحو غير مألوف لشيء غير معروف بالنسبة لي. أخذتني من يدي ورحنا نصعد الرابية عبر الدروب المرتفعة قليلاً بين السواقي وأشجار الزيتون. كان الحر قد انحسر شيئاً قليلاً بفعل ابتعاد الشمس ونسمة خفيفة. اتجهنا نحو "البيت العتيق". بدت لي خطوات أمي قصيرة، بطيئة، مترددة. ليس بفعل الإرهاق، لا أبداً. وليس بفعل الخوف من عصابة الجن القاطنة في "البيت العتيق". كانت خائفة من نفسها أو مما هي على وشك الإقدام عليه. كانت مضطربة جداً على كل حال. وعندما كانت تلتفت أمي إليّ، كنت أشعر أنها فريسة حذر مفرط، وأنها في حالة من الخشية والقلق عظيمين. كنت أشعر أنها تتردد في اصطحابي معها إلى غايتها فكأن في الأمر عيباً مغلفاً بالغموض، كأن سراً كبيراً على الدرب الصاعد إلى أعالي الرابية.
توقفنا أمام "البيت العتيق" على بعد ذراعين من مدخله. تلفتت أمي بكل الاتجاهات فبدت لي كإنسان فار من قتلة ولازال على خشية من أن يلمحوه. القلق والانفعال اشتدا عنفاً في مقلتيها بعد حين. ظلت تتفحص المكان حتى تأكدت مرات عديدة من أن أحداً لن يراها. عندئذ، رفعت ثوبها قليلاً وحلت عن خصرها حزاماً قطنياً مطوياً على نفسه مرات عديدة. فردته على الأرض، طوية بعد طوية، حتى ما أن وصلت إلى الأخيرة أبصرتُ مفتاح "البيت العتيق"، صدئاً كما كنت أتخيله. التقطته أمي على عجلة من أمرها. تلفتت من جديد يمنة ويسرى. لا أحد يراها، أو هكذا استنتجت. فتحت "البيت العتيق" ووضعت قدماً في داخله. ثم، وكأنها تذكرت شيئاً مهماً للغاية، استدارت نحوي وقالت بحزم شديد:
- انتظرني هنا، سوف أعود بسرعة. حذار ثم حذار أن تدخل ورائي.
- بل، دعني أدخل معك يا أماه.
- لا... لا...لا حذار يا بني أن تفعل، فلم يدخل "البيت العتيق" اثنان معاً إلا وقتل أحدهما الآخر. ابقى هنا، ونبهني فيما لو رأيت شخصاً ما قادماً نحونا.
طال غياب أمي في داخل "البيت العتيق". بدأت الرؤية تضعف والظلام يتكثف، وبدأت أخاف. الخوف حررني من الوصية. ناديت أمي لكنها لم تستجب. صرخت بفزع ولم ترد. ولجت إلى داخل "البيت العتيق" خطوتين أو ثلاثة. المكان معتم والرؤية مستحيلة. مع ذلك رأتني أمي. أنا لم أرها. أنا سمعتها تصرخ من أعماق البيت والعتمة صراخاً حاداً هلوعاً. كلماتها حملت إلى مسامعي تعنيفاً شديداً. الجزع المهيب هو الذي لون صوتها أكثر من أي شيء آخر:
- اخرج بسرعة، اخرج... اخرج بسرعة.
فررت من عتبة البيت. ازددت حيرة من أمر أمي. انتظرت في الخارج نحو نصف ساعة أخرى قبل أن تندفع أمي من عتمة "البيت العتيق". خرجت تحمل بيدها كيساً مخاطاً من جلد الماعز وفي سحنتها وميض فرح وقلق. بدا لي الكيس صغيراً وموحلاً. راحتاها أيضاً كانتا موحلتين. أخذتني من ساعدي وانحدرنا حالاً نحو الوادي حثيثاً. كانت خطوات أمي هذه المرة كبيرة وسريعة فكأنها تهرب من قتلة من جديد. لكن الخطوات تباطأت تدريجياً في أسفل الوادي، حتى لقد رحنا نصعد الرابية المقابلة على مهل. قصدنا بيتنا المُباع. عنفتني أمي ونحن نسير في الدرب الصاعد إلى مأوى الذكريات والطفولة. كيف صار لي أن أضع قدماً في "البيت العتيق" وهي في داخله؟ هل جُننت؟ هل أرغب أن يؤول بنا المصير إلى أن أقتلها أو إلى أن تقتلني؟ قالت أيضاً:
- ليحمينا الله من غضب الجن على فعلتك هذه. إنني أخشى العاقبة. حذار أن تدخل هذا المكان يوماً بصحبة شخص آخر، فتقتله يا ولدي أو يقتلك.
ساعة ذاك أدركت لماذا لم يسمح لي أبي مرة في الدخول إلى ذلك المكان. كان يمنعني بشدة من أن أفعل سواء بصحبته أو بمفردي. لقد اقفل باب "البيت العتيق" الواقع على الرابية المحاذية لبستان الزيتون وحمل المفتاح معه إلى البلاد البعيدة. على الأرجح أنه لم يكن يعلم أن أمي تمتلك واحداً، وأنني سأرثه بعد وفاتها. وعلى كل حال لم احتاجه قط، فقد خُلع القفل بطريقة غامضة وفعل مجهول قبل أن أعود إليه ثانية.
هو وهي، لم يخيل إليهما حسب تصوري، بأنني سأرحل إليه يوماً. سأفعل ذلك غداً. سأحمل الناي وكتب خفيفة وذكريات ثقيلة لا زالت تدور على نفسها فكأن الزمن لا يمر عليها، لا يعنيها. سأسكن في "البيت العتيق". نعم، سأفعل ذلك. قد يمتد سكناي فيه لبضعة أسابيع، وقد يطول حتى نهاية العمر. فثمة شأن عظيم لي معه؛ عظيم جداً.