|
يُقال أن "دمشق" هي روضة آدم وحواء والثمرة المحرمة والخطيئة الأولى. يُسجل
المؤرخون الجريئون أنها كانت في بدء الزمان واحة من الجنة، فلما غضب الله على
البشر بسبب امرأة فضولية، اقتلع بعض أشجارها، وجفف بعض مياهها، وجعل الحياة
فيها محنة. لكنها تظل مع ذلك، أو لذلك، مدينة تطل على الماضي باعتزاز وفخر،
ويطل الماضي من أبوابها بشموخ وكبرياء. "دمشق" هي مدينة "أبي سلمى"، وهي
مدينتي أيضاً.
وهذا الرجل، "أبو سلمى"، هو شيخ كثير الألقاب. فهو "حكواتي دمشق الخامس عشر"
في سجلات التأريخ. هو "حفار قبور الأموات" على لسان أبناء جيله من أصدقاء
ومقربين. هو "صندوق الأزمنة المنسية" في أقوال أصحاب المقاهي القديمة
والأدلاء السياحيين. هو "موسوعة تاريخية غير مدققة" في ضمير المفكرين
والباحثين. وبطبيعة الحال، ليست ألقابه حسنة دائماً؛ فبعضها يهبط إلى مقام
القدح والذم. فهو "جريدة صفراء"، و"أبو ضفدعة" كذلك، في مقاهي أعدائه الذين
ظلوا متخفين عنه وظل غافلاً عنهم. ثمة ألقاب أخرى كثيرة لا مجال هنا لحصرها.
وعلى أية حال، مَن يعرف مدينة "دمشق" لابد وأن يكون قد سمع به أو بواحد من
ألقابه التي ظلت تتكاثر يوماً بعد يوم. أما مَن التق به مرة واحدة، فإنه من
المحتمل جداً أن يكون قد سمع عن المدينة وعن أزمنتها الغابرة، بل وعن تاريخ
المدن والملوك وعن غراميات العرب وعن حروب المسلمين وعن أحوال الأزمنة
السحيقة. فالرجل، ولئن كان موضع خلاف يضيق حيناً ويتسع حيناً آخر، يظل بعلله
وحسناته ونواياه ومراميه شاهداً إنسانياً حياً بين معالم هذه المدينة القديمة
المُغرقة في تقلبات المزاج الحضاري وبأخطاء الأولياء والخلفاء والآباء. على
الأقل، هذا هو التقدير العام والسائد.
جمعتني الصدفة المحضة بعلاقة طيبة مع "حكواتي دمشق". فقبل بضعة شهور، ذهبت
إلى مدينة الصبا لقضاء عطلة الصيف في ربوعها التي كانت تبدو لي نقية كوجدان
طفل وقد غربلتها سنوات الغربة والبعد عنها. لم يخطر ببالي في حينه، أن عطلتي
هذه ستكون مختلفة وفريدة، وأن وقائعها ستجري كما لم يكن بالحسبان يوماً. فلقد
سجلت أيامها لي حدثاً في الزمان؛ في زماني. وكان "أبو سلمى" يوم تعرفت عليه
عن قرب رجلاً تجاوز الستين سنة من العمر بقليل. مع ذلك، خلتُ مع مرور الأيام
وتكرر اللقاءات أنه رجل عاشر صُناع الزمان قاطبة، ومنهم سيدنا نوح يقود
مركباً عملاقاً، وإبراهيم ينجو من النار، والملك العبراني سليمان ينكح حجر،
والأنبياء اللاحقين يُصلبون أو يُلاحقون، والخلفاء يُصلون ويُمجنون. بدا لي
أنه رجل عاش مع شعراء قبائل العرب أجمعين، وصادق كل مغنيٍ، وصاحبَ تجار
العبيد، ورافق اللصوص، واجتمع بالمغرمين العظام. فهو يتكلم وكأنه وضع قدمه في
كل قصر شيده ملك أو أمير وكان حاضراً في ساحة كل حرب وفي أروقة كل محفل
عسكري. إنه يروي الزمان وكأنه شاهد عليه، لا كحافظ له وحسب.
"أبو سلمى"، هو واحد من معالم المدينة الحية البارزة. لكنه دون شك، أقربها
إلى قلوب الحالمين على غير هدى في ضيق من الحياة. كذلك هو أعزها في أرواح
الرومانسيين الضالين في دوائر الأسئلة المحيرة، والمستشعرين الحافظين للشعر،
والمستأدبين، والفنانين الدائرين على فكرة أو أسباب فكرة، والباحثين عن كنوز
القدماء، والعاطلين عن العمل بلا أمل، والمفارقين لحبيب غدر أو قسا،
والفاقدين للحنان واللمسات الدافئة، والمحرومين من الخمر بسبب الفقر أو
المرض، والتائهين في مشاريع الفلسفة، والسائحين القادمين إلى شواطئ الكلام
الدافئ الخالي من الحاجة ومن الضرورة، وغيرهم الكثير من الأصناف البشرية
والمهنية. ذلك أن "أبا سلمى"، وبفضل حمل ذاكرته الواسعة كجوف بحر، المتقدة
كنجمة واطئة؛ حملها الثقيل جداً والمتشعب جداً من حكايات وتراث ونوادر
وأحداث، يأخذ المستمعين الحاضرين في جولات ممتعة للغاية إلى قصور الملوك
الذين أكل التاريخ أمجادهم حتى باطن العظم، وإلى أسرارهم وإلى أحوالهم الصحية
وإلى مغامراتهم وأماكن مغامراتهم في الهوى. رأس "أبي سلمى" في الواقع، أشبه
ما يكون بمكتبة ضخمة، فيها مخطوطات من كل نوع ومن كل صوب، عن كل موضوع وعن كل
شخص، ولسانه دليل المرء إلى الرفوف وإلى محتويات تلك المخطوطات. اسأله ما
تشاء، عن أي معلم في الزمان تشاء، في أية لحظة تشاء، من المؤكد أنك لسوف تحصل
فوراً على جواب شفاف كلوح زجاج مغسول، لكنه مختصر في العادة وجد قصير في بعض
الأحيان. إستفسره عن "داوُّد"، سيقول لك في الحال، دون تردد أو مماطلة:
- ملك عبراني من نسل روت المرابية، والأصح أن نقول من سلالة آلهة من وهم
وحجر. كان يعشق امرأة لا تعشقه حتى لقد شارف على حالة الجنون. مع ذلك، تحول
بفضل هفوات الإنسان وطول السنين والنسيان وقلة العقل وشحاحة الحكمة إلى نبي
مُعتبر. كان يخاف من الطاعون ومن القحط وحسب. كان له ابن يتكلم مع النمل،
واسمه "سليمان".
- وإمبراطورة روما، أم الجيوش، تُرى من هي؟
- نعم. اشتهرت بسحر عينيها وبلقب أم الجيوش. لقب قتل الأصل ولم يكن لقبها
الوحيد. لُقبت أيضاً بأم الوطن، وبأم مجلس الشيوخ. هي امرأة سورية، حمصيه
والتحديد مفيد. كان اسمها الحقيقي "جوليا دومنا". فتاة رشيقة ممشوقة القد
عارمة الصدر. فتاة تحلت بالحسن المذهل والذكاء النادر والشجاعة المحيرة،
فسلبت من القائد الروماني الفذ "سبتيم سيفير" عقله. كان لا يغمض عينيه إلا
بين نهديها لما فيه من إدمان عليهما ولما فيهما من دفء وحنان. دخلت، ذات يوم،
في دم الإمبراطورية الرومانية حاملة هرة فتركت أثراً قائما حتى اليوم. هرتها
لازالت تعيش في مدينة البندقية، أقصد بلغة أهل البندقية، فيسمون أحفادها
لاكوت، لاكيت، ويقولون عن جنسها سوريا. كانت خلال الجزء الأكبر من حياتها
حاكم "روما" الفعلي. بل، واستطاعت أن تأتي بأختها "جوليا ميزا" إلى "روما"
وتزوجها من قائد واعد أصبح هو الآخر إمبراطوراً في وقت لاحق. ابنتا أختها
أيضاً، "جوليا سوميا" و"جوليا مامه" تزوجتا من قادة آل مآلهم إلى قمة
الإمبراطورية. كان تأثيرها على "روما"، ثقافة وحضارة، عظيماً جداً حتى لقد
احتج الشاعر الروماني "جوفينال" المعروف آنذاك بالقول: "إن نهر العاصي أصبح
يصب في نهر التيبر منذ زمن بعيد حاملاً معه لغة سوريا وتقاليدها وثقافتها".
لكن نهاية إمبراطورة روما السورية كانت سيئة للغاية وحزينة. ذلك أن ابنها
الملقب "كراكالا"، نسبة إلى رداء سوري يشبه العباءة ويسمى "كركال"، كان
ميالاً إلى ديانات الشرق وحضارتها. فلما أصبح إمبراطوراً، بعد موت أبيه، امر
بتشييد معبد مهيب للإله "سيرابيس" في "روما". كان له، على هذا الأساس أعداء
كثيرون. قُتل غدراً. ولما بلغ الخبر مسامع أمه، وكانت آنذاك في "إنطاكية"،
حزنت حزناً لا مثيل له، وتوقفت عن الأكل إلى أن وافتها المنية بعد موت ابنها
بأيام قليلة. ولقد دفنت "جوليا دومنا" في مقبرة "اوغست" في "روما" نظراً
لرفيع مقامها والمكانة الكبيرة التي كانت تشغلها عند الرومان.
- وجميلة، أو المغنية الفاسقة، المدفونة تحت ركام حوالي ألف وثلاثمائة وخمسين
سنة من الزمن وتقلبات السحن، ماذا تعرف عنها؟
- لم تكن فاسقة إنما افسقها لسان بعض رجال الدين. ممشوقة القد، ظريفة الطرف،
مليحة الصوت، عاشقة شعراء ممتازة، وصاحبة نزل للشعر والغناء ضخم وفسيح وفاخر
ومشرع، فما عرف العرب من قبله نزلاً بتلك المميزات التي تنم عن غنى في الروح،
وعن ثراء في الصندوق، وعن كرم في اليد المفتوحة كباب الله. عاداها شيوخ "مكة"
مجتمعين وعادتهم بمفردها. شكوها للخليفة وشكتهم لله. عاقبها الخليفة بالسيف،
ولا أدري ماذا فعل الله بها وبشكواها.
- لعلك سمعت عن حبابة، يُقال أنها كانت هي أيضاً مغنية أليس كذلك؟
- نعم … نعم. لكن ليس هذا كار الفاتنات مثلها. كانت بديعة المقلتين كاملة
الجمال حتى لتخال أنها مجرد فكرة متمرسة أو بدعة من بنات الخيال. لكن الجمال
عندما يزيد عن حدود المعتاد يصبح هماً لصاحبته ومرضاً للرجال. يصبح فعلاً
ضارباً؛ شيئاً غير مرئي يتلبس الرجال ويدخل إلى مملكة أفكارهم ووساوسهم
ويدفعهم، في النهاية، إلى خلع مكارم الأخلاق عن جبينهم، وإلى الانحطاط
والمذلة حتى. هذا كان مصير عاشقها المرهف الحس الخليفة الأموي "يزيد الثاني"
طيب الله ذكراه.
- وزكي الأغبر بن ريحان بن بلسمة، من هو؟
- هو أغرب أمير في ذاكرة التاريخ منذ أن انزل الله الرجل الأول على الأرض
بصحبة امرأة فضولية يُغريها التفاح. كان يحب الصيد والقتال. كان أيضاً ذا
نزوات ما أنزل الله بها من سلطان. مزاجي ممتاز. كانت زوجته تعشق جنونه وكان
يعشق سذاجتها. أصابه مرض ذات يوم، فطلب منها حاسماً أن تصلبه كالمسيح وترميه
حياً في البراري. قال لها أنه يريد أن يموت بمناقير الطيور الجائعة لا بمخالب
المرض أو بعيوب الهرم. هددها بالقتل إن هي لم تفعل وتتكتم. فعلت المسكينة
بالرغم من الدموع والحرج. ثم لما رمته في البراري واقفلت على طريق العودة صرخ
بها مستغيثاً. يبدو أن الخوف كان قد وضع حداً لطيشه. لكن من هو مثله لا يعترف
بالخوف مهما غلا الثمن. ادعا أنه أراد أن يمتحن مدى طاعتها له وحسب. لكن، وقد
فكت القيود عنه، سارع إلى اتهامها بالجور والظلم والقسوة. فكيف نرمي بمن نحب
إلى الطيور ولو كان ذلك استجابة لرغبته أو جنونه؟ طلقها على هذا الأساس وتزوج
من شابة ساذجة هي الأخرى.
- وحكامنا، حكام هذا الكون، ما رأيك بهم؟
- عموماً، فيهم شيء من خصال الله؛ يخلقون لنا عوراتنا وحاجاتنا ويطلبون منا
أن نخبئها بأوراق الدستور والفضيلة. وفيهم شيء من صفات الأنبياء؛ لا يخطئون
إلا بمشيئة الله. وفيهم شيء من طبع الدراويش السذج؛ يظنون أنهم يمتلكون
الحقيقة المطلقة والحق المطلق بالحقيقة المطلقة. وفيهم شيء من عيوب الشيطان؛
يعشقون السلطة أكثر من العدل، والظلم أكثر من الرحمة، والتعالي أكثر من
التواضع. وفيهم شيء من عقل الجاهل؛ يتخيلون أن معارفهم هي نهاية المعرفة.
- وهانس، بالأحرى هاني، هذا الشخص الأحمر الوجه الذي يرافقك كشعور بالحب
متقد، من هو؟
- شاب من ألمانيا. خطيب بنتي. رجل ممتاز، طيب للغاية.
- الطيبة صدى عظمة أو صرخت مسكنة يا أبا سلمى. ثم أن للعظمة طيف وللمسكنة
أطياف.
- نعم. "هاني" دخل رحاب الإسلام فاراً من خوازيق الحياة الفالتة ككلب بلا
صاحب. بداية، أراد أن يكون صديقي فما وجدت فيه ما يدفعني إلى الرفض. ثم طلب
الزواج من ابنتي فسعدت وقبلت، فما ظننت أنها تلقى أحسن منه شهامة ورجولة
وأيماناً. فهو رجل يحب العمل والرياضة وتوحيد الله. يعمل كدليل للسائحين
الأوربيين، الألمان على وجه الخصوص. يعرف سوريا أكثر من معظم أبنائها. يعرفها
حجراً حجراً، وحضارة حضارة. يحب القراءة ويتمسك بالحلم.
طبعاً، يمكنك أن تسأل "أبا سلمى" إلى ما لا نهاية، فسوف يجيب وسوف يطيل
حيناً، لكنه في الغالب يختصر في الإجابة ما أمكنته الفطنة. لا تطلب منه
توضيحاً إضافياً أو تفسيراً موسعاً كي لا تسمعه يقول لك بشيء من الحزم وبشيء
من الحسم:
- تعال في المساء إلى مقهى "وجه الباب".
"أبو سلمى" لا يميزه عن الآخرين لا طوله ولا عرضه، إنما قبلاً رأسه الكبير
بشكل ملفت، المسكون بالطفولة والبراءة، وشاربيه المصبوغين دائماً بلون الليل،
العريضين كوشم غجرية، الممتدين معقوفين عالياً نحو العلا، المنتهيين عند أسفل
جفنه السفلي. عينا "أبي سلمى" رحبتان على غرار الجنة الموعودة في الكتب
المقدسة. "حكواتي دمشق" ذو بسمة لطيفة، مشحونة اعتزازاً بالنفس ويقيناً
بالخطى. وهو على غرار الكثير من رجال المدينة، وبخاصة المسنين منهم، يضع
طربوشاً أحمر قاتماً على رأسه في معظم الأحيان. بيد أنه على خلافهم، يغرس في
أعلاه، في القسم الذي يعلو جبينه مجسماً ذهبياً صغيراً يُشبه جناح طائر؛ جناح
صقر أغلب الظن. فهو يتجنب الكلام عنه. حتى لو حصل واستفسرته عن الغاية منه،
لسوف يقول لك حازماً:
- عافاك الله، لا تسأل صاحب مهنة نادرة عن أسرارها.
وإذا كنت صاحب عناد مرموق وبالتالي، شددت عليه وألححت، فإنه قد يلين لحين
ويقول لك والندم يستبق القول:
- خلفته عن الحكواتي المتوفى في سنة ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين.
-2-
إنما، قبل أن أغرق في الحديث المشحون بالوقائع الغريبة وبالتفاصيل الدقيقة عن
معلم في الزمان نادر، مهمل لعظيم شأنه لا لقلة شأنه، مُحارب لا لعيب فيه إنما
لعيب في المحاربين، كما روى "أبو سلمى"، وقبل أن أستغرق في الكلام عن هذا
الرجل الذي يُطعم الزمان بأساطير تتمادى بالجرأة والخيال، وعن أحوال المسلم
"هاني" المرافق دائماً، وعن الحدث الذي غير لون زماني ومجرى حياتي، سأتوقف
هنا قليلاً. فمن أكون؛ أنا المقتول على أطراف الزمان؟
إنه سؤال صعب للغاية. فهويتي معلومة على نطاق واسع، أما ذاتي فلازلت أتكشف
خصائصها، ولازلت بعيداً عن الهدف. فكلما تعمقت في معرفتها أكثر توصلت إلى أن
مجاهلها أكثر! مع ذلك، سأتعرى سريعاً ما أمكن، أمامكم ما أمكن، وسأدور حول
نفسي باختصار ما أمكن.
يمكن القول أنني رجل من مرحلتين؛ شاغبت في الحياة طويلاً، ثم تعقلت. هذه
حقيقة أعرفها ولا يعرفها الناس. بعضهم لا يريد أن يراها لغاية ما. بعضهم يفضل
أن يراني صاحب أعمال ممتاز وحسب. يُحبذ أن يرى ما وصلت إليه لا الطريق الذي
سرت فيه. إنها نظرة انتقائية يفرضها سلطان المال على بعض النفوس وعلى خيارات
بعض البشر. ليكن لهم أمرهم وليكن لي أمري. فأنا رجل طليق اليدين والنزوات
بالرغم من أنني شخص مطلوب لعدالة البشر الفقراء ومدان لبعض الأموات المنسيين.
عمري اليوم أربعة وأربعون سنة. سنوات عمري المنصرمة مرت خالية من الأنس،
وجافة كأغصان عريش متيبسة من شدة العطش والإهمال. بداية كان الفقر الموجع، ثم
كان الشقاء، ثم كان الشقاء المتميز الذي توه الروح ومزقها. ثمة سنوات قليلة
عشتها رغم إرادتي، عشتها ضحية بلا إرادة، مستسلماً بلا مقاومة. لعمري إنها
سنوات حقيرة تلك التي رمتني إلى وحشة الوجود. فريسة اليأس كنت، وكانت تتكالب
عليها حاشية النفس وحواشي الأيام. كانت آمالي منتوفة الحياة، وأحلامي منهوبة
القوة، وأشواقي غير مجدية، وحفري الدؤوب عن الذات المدفونة تحت كومة كبيرة من
تراب الأدب ومن غبار التربية عقيم. هناك عامان في الوسط خاصان، كنت خلالهما
أدفن الرأس كالنعامة؛ لا أرى الناس لكن الناس تراني خائفاً ومنطوياً وقليل
الحيلة. دفن رأسي إذن، كان محاولة بريئة كي لا أرى الوجد ورفاقه ينهشون جسدي
كقطط إفريقية برية جائعة. سنتان صعبتان من دفن الرأس في الحزن على حبيبة
فارقتني لائمة. كانت ترى أن الوقت قد حان للزواج، وكنت أخشى الزواج فكأنه
عملاق سيُعري عيوبي وعجزي. كانت لا تفهم كيف أحبها إلى حد الهوس والجنون،
وأتفادى الزواج منها بكل السبل في ذات الوقت. كنت أعرف، وكانت لا تعرف أن لي
قلباً يحب، ويخفق على هدى الحب ككل القلوب، وأن لي نفساً تتشهى النساء ككل
نفوس الرجال، لكن هذا لا ينفعني ولا يكفيني لإرضاء امرأة في السرير كما يجب.
التجربة الأولى، المريرة، التي وقعت لي في مطلع الشباب، بينت لي أن أطرافي
تظل باردة، وتظل مرتخية ساعة العشرة مع المرأة. لم أقل الحقيقة لخطيبتي
وحبيبتي فشككت بمشاعري نحوها. هجرتني محقة، لكن رائحتها، رائحة البساتين
الرطبة، ظلت فترة طويلة جداً تنتشر في انفي كقدر لا يزول. مذاك، أحوالي
العاطفية ليست بحال طيبة. في الواقع، هي لم تكنه إلا في خلوات من العمر قصيرة
وسريعة كتباشير أفراح محمولة على نسمات ربيع عابرة، وكذلك في الشهور القليلة
الماضية.
بيد أن حالي في الجانب المادي من الحياة أحسن بكثير من سابقه. هو نقيضه على
نحو التقريب. وتعود البذرة الأم إلى شقاء في الطفولة، علقمها وخدشها وسرق
براءتها مني. طفولتي هي جوع خلَفَ عُقداً كثيرة، وصلب النفس وقساها.
حصل ذات مرة أن تلقيت صفعة مدوية حملت إلى صدري يقظة تدوم. كنت صغيراً جداً
يومها؛ طفلاً أتعرف إلى المدرسة وأتعلم الحساب بعد أن تعلمت بسرعة مذهلة
قراءة اسمي. كنت جالساً إلى مائدة من طعام سيئ وقليل لا أحبه، وذلك مع جمع
يمنعني من التذمر ومن الشكوى بخصوص الخير المتوفر في الوعاء المشترك، ويحرمني
بفعل الحرمان الشامل من خيار التذمر أو الاحتجاج على ما يجب أن آكل.
- أنت لست في مطعم، كانت أمي المسكينة الحزينة بالوراثة أو بشيء هو في حكمها
تقول مؤنبة وتُضيف، وأبوك ليس غنياً، وأنتم خمسة أفواه مفتوحة على وسعها على
الدوام.
أمي كانت تتجنب بمهارة أن تسمي الحقائق بأسمائها. مثلاً، كانت لا تقول أبوكم
شديد الفقر؛ تقول أنه ليس بالغني. لا تقول أبوكم عاجز عن إطعامكم؛ تقول عنده
خمسة أولاد. امرأة تتقن وصف الأشياء بالممكن لا بالمعطى. إنما هذه قصة أخرى.
عدم شهيتي على مائدة أفقر من روح صنم بلا تاريخ أو اسم، هي وحدها الدافع إلى
أنني رحت أتعلم اجترار الطعام دون بلعه. كنت أمضغ بلا شهية. أطأطئ رأسي كي لا
أبكي من شدة اغتصاب النفس على بلع لقمتي الصغيرة، اليابسة كقشرة سميكة منتزعة
من جذع شجرة. لا أعرف لماذا خبز الفقراء يكون يابساً في الغالب! من مرة إلى
مرة كنت أحس برغبة في التقيؤ. كنت أحاول أن أضبط نفسي فأعد إلى المئة؛ عشر
عشرات كما نصحت الآنسة المعطاءة الوجه كثدي كريم.
على هذا النحو كنت أحشر الإرادة والشعور في أعماق النفس الكارهة لما أفعل،
وأراقب غير مكترث نظرات أبي المُهانة والعارفة واللائمة. كنت أرى الغضب –
غضبه مفلس حتماً من الأفعال - يتجمع في عينيه الصغيرتين العميقتين أكثر وأكثر
وهو يلحظ احتجاجي الصامت على طعام ليس فيه من الطعام إلا اللقب وتقلبات
البؤس. كنت أقرأ في وجهه، أنا الذي تعلمت للتو قراءة بعض الحروف، قهراً ينساب
كنهر في وادي يشق أفقاً بلا نهايات. إنه أب طيب ومخلص وحنون. ومن المؤكد أنه
كان سيجهد من أجل أن يوفر لعائلته لحماً وحلوى، وذلك لولا أن القدر السيئ،
الأحمق، لم يطالعه في منتصف الطريق. هل كان الرب ساهياً عن أخلاق الرب وعن
عباده الصالحين حين شُل نصف جسد أبي وظل النصف الآخر حياً يتحسس به العذاب
الملون ويستقطب القهر ويبكي على ذنب لا يعرفه، ربما لم يقترفه، وعلى مستقبل
لم يكتبه؟ هل أراد الله أن يكون امتحان أبي في الحياة الدنيا صعباً على هذا
النحو الاستثنائي، الذي لا يُحتمل؟ لله حكمته العصية على العقل البشري!
وعلى أية حال، لم أكن، أنا الطفل الجاهل، أعرف أشياء كثيرة عن مشاعر غيري. لو
أنني كنت أعلم كم وكيف كان يعاني والدي العاجز وهو يراني آكل بغير شهية وألم
الحاجة إلى الآكل يترقرق في عيني فيزيد بؤسهما شفافية ووضوحاً لتصرفت بطريقة
أخرى، مغايرة ولاشك. لمضغت حذائي القديم بشهية مصطنعة مقنعة، ولأظهرت له ما
يخفف من شعوره بظلم أبدي وبعجز لا نهاية له غير وداع الحياة الحزين.
كلا، بقيت غير مبالٍ أتسلى بتعلم العد إلى المئة عشرات عشرات تجنباً لبلع خبز
يكاد من شدة تيبسه وجفاف الحلق ألا يبُلع. كل ظني كان أنني صاحب حيلة ذكية
مُغلفة بإتقان، ستنطلي على الجالسين على المائدة بحكم العادة لا بفعل اللذة
والشهية. على أنني، يوم ذاك، تلقيت أول صفعة في حياتي. لحسن الحظ أو لسوئه
لست متيقناً، لحسن تصرفي أو لسوئه لا أدري تماماً، أنها خلدت بارزة في
الذاكرة، وظل يؤلمني ذكراها حتى هذه الساعة. كان شقيقي المراهق هو الذي يجلس
إلى جانبي، وهو الذي يرقب ما يحصل بعيني طائر حائر. يوم ذاك، كان "سامر"، أي
شقيقي الأكبر، هو الذي يحمل على ظهره الغض هموماً لا يقوى عليها ظهر بغل قسته
التجربة؛ هموم عائلة ولدت كبيرة ثقيلة في مكان وظرف شقيين. وأخي الأكبر، رحمه
الله وأخذه بطيب نواياه، هو الذي صفعني فجأة وقد رأى دموع والدي العاجز
المقهور تسقط بصمت. كان "سامر" حسياً جداً حتى ليخاله المرء مراهقاً مفرطاً
في التعويل على دقات قلبه. وكان من جانب آخر يدرك جيداً معنى الدمع في عيني
الكريم وقسوة الحياة في جوف العاجز. صفعني مرتين متتاليتين بسرعة عجيبة، ثم
نهرني بكلمات مشحونة بلؤم الشقاء الذي يعاني منه في أعماله اليومية؛ أعمال
الساعة والساعتين مقابل مبلغ من المال لا تراه العين المعوزة ولا يسكت جوعاً
مستفحلاً. قال:
- حيوان، تافه، قم من هنا، قُم، امضي إلى الجحيم، لعنة الله عليك.
إذن، لم استفد من نصيحة المعلمة في ضبط التصرف في الحالات الحرجة. حسابات
الخيال لا تلقن درساً. تعلمت شيئاً آخر، أثمن وأفضل وأعمق أثراً، رافقني إلى
اليوم. تعلمت أن أكون جدياً جداً في التعامل مع مشاعر الآخرين، وولّد في قلبي
أعظم حب وأسوء حب؛ حبي للمال، وإرادتي في أن أملك منه بلا شفقة على النفس،
وبلا شفقة على الآخر الغريب.
ثروتي اليوم عملاقة بمقياس الفقير وتافهة بمقياس الأثرياء المتميزين. إن هذا
لشيء مألوف. فمادام هناك صغار وهناك كبار وبينهم ألف درجة ستظل هناك مقاييس
مختلفة ولكل كيله. أملك اليوم مصنعاً ضخماً لإنتاج الاسطوانات وأشرطة التسجيل
في مدينة "هامبورغ". وأنا صاحب شركة "ميوزك اون فرونت" الألمانية المشهورة
بإنتاجها الغزير من الموسيقى والتسجيلات الموسيقية. وأمتلك شركة أخرى مخصصة
لصناعة الثروة السريعة؛ كازينو للمجازفة بالمال وبالحال. في الغالب، في
الليل، يطيب لي أن أذهب إلى هناك، فأجلس على مقعد مرتفع إلى جانب البار،
وأراقب الأثرياء المفلسين من دفء الحياة. إن بعضهم أشد سذاجة من الأطفال أمام
الشابات الباحثات عن الذهب الرخيص والسهل في مضاجع المسنين والشاذين
والتائهين الذين يطلون على الأيام من شرفات اليأس أو الجنون أو الموت.
طبعاً، لن أصحبكم في جولة على الطريق الذي سرت فيه ولممت من على جانبيه ثروتي
الطائلة هذه. هو ليس طريقاً مُخجلاً تماماً، لكنه طويل ومتعرج، وثمة أموات
على جانبيه بلا رائحة وبلا قبر. إنه أعقد من أن يُعبر مرتين أو يُحكى عنه.
أستطيع القول، بالمحصلة الأخيرة، أنني بنيت من أحجار الفقر ثروة عملاقة،
وأقمت مجداً وبلغت مبلغاً رفيعاً على سلم الثروات. بمقدوري اليوم أن أحصل على
كل ما هو معروض للبيع دون أن يهتز كياني المالي. لن ينتقص من ثروتي شيئاً أن
أشتري لوحات المشاهير أو قطع أثرية نادرة. لا يثقل ممتلكاتي شيئاً أن أستأجر
عشرات الرجال والنساء وأحركهم على رقعة أهوائي كأحجار الشطرنج. ومع ذلك، أشعر
أنني مصلوب على ضفة نهر الحياة. إنها امرأة لا أعرف الدرب إليها، تلك التي
دقت مساميرها في أطرافي ومضت.
قبل ثمانية أشهر عدتُ إلى مكان مولدي؛ مدينة "دمشق"، بغية الاستحمام في وادي
الذكريات المعتقة في ظلال الشوق والحنان والصفاء. ولقد أخذتني الرغبة في
الوقوف على اطلال الطفولة إلى مقهى "وجه الباب" القائم قي قلب المدينة
القديمة. على أنني لم أكن أتوقع قط أن ثمة نقاط انعطاف في الاهتمام كانت
تنتظرني هناك بالضبط وليس في مكان آخر.
في الحقيقة، آن أن ولجت المقهى، كان "أبو سلمى" جالساً في أريكته. كان يمسد
طرف عصاه المرتفعة إلى ما يقرب من خصر رجل طويل. من حين إلى حين كان يُجلّس
طربوشه. حركات متكررة عندما يتحدث مع الآخرين. كان جلياً أنه قد انتهى للتو
من إحدى حكاياته، وأن القسم الأكبر من الحاضرين قد غادروا المكان. استوقفه
البعض الباقي سائلين عن أطراف الحكاية أو معلقين عليها. كانت آذان الحاضرين
حتى اللحظة الأخيرة متحفزة لالتقاط عباراته الهادئة، مشدودة نحوه كما لو أنها
كانت تستمع إلى كلام الله بصوت ملائكي. ناس من كل صنف ومن كل شكل، وسائحون من
بلدان تباعدها البحار والزمان، ورجل ألماني "مُستعرب"، من مدينة
مهجري"هانوفر"، يقف إلى جانبه بفخر وسكون. ثمة سؤال واحد قفز إلى مخيلتي
لبرهة قصيرة، ليسجل حضوره ويتلاشى:
- أنا بحثت عن ثروتي في ألمانيا، في هانوفر، عن ماذا يبحث هانس في دمشق، في
مدينتي؟
لقد أمسيت، منذ ذلك اليوم، أتردد بشكل شبه يومي وشبه دائم، على مقهى "وجه
الباب". ليس فقط بغية إيقاظ الذكريات. هذا جزء مهم دون شك، لكنه جزء وحسب.
ذلك أن الحكواتي كان هو الآخر يشدني بقوة ساحرة إلى حكاياته الطاعنة في
العذوبة والحلم والخيال. مع الوقت ظهرت لي غايات أخرى في المقهى أهم من هذا
ومن ذاك.
|