E-mail                   Home

 


مازال البيت القرمدي القديم قائماً كشاهد لا يفنى على حقيقة أبدية. ومازال القبر تراباً جافاً ناهضاً في وسطه بالرغم من عبور السنين الكثيرة من فوقه. ومازال البعض ممن انعم الله عليهم حدة نظر متميزة، يبصرون ظلال امرأة منيرة هادئة مرتسماً على زجاج النافذة بفعل القدر الإلهي. ولئن كان البيت، وكذلك القبر، يعودان إلى أرشمندريت طيب، إنما ذو حظ سيء، يدعى فاسيل "بايكوف"، فإن الصورة الخالدة على الزجاج ترجع إلى السيدة الفاضلة مريم العذراء- كما يؤكد البعض المتميز بحدة النظر.

وإنه بمقدور أي منا، إذ يزور قرية "ليبة" المنثورة البيوت القرمدية على ضفة نهر الفولغا الجنوبية، وسط البلاد، أن يقف بأم عينيه على البيت القديم وعلى القبر الناهض، وربما على الصورة أيضاً إن أسعفه النظر. ومما لا شك فيه أنه سوف يلاقي عشرات المتطوعين المتحمسين من الأهالي، يروون له قصة الأرشمندريت المسكين بذات التفاصيل، والأسى يعلو سماءهم والخشوع يسري في أوصالهم. إنها القصة الوحيدة التي يحفظها الأهالي، صغاراً وكباراً، رجالاً ونساء، عن ظهر قلب. ومع ذلك لا ينفك يقصها بعضهم إلى بعض في ليالي السمر وفي أوقات الفراغ الكثيرة، كما يقصونها إلى الزائر من أي مكان قدِمَ ومن أي منحدر انحدر. لا فرق إذن مَنْ سيرويها إليك من أهالي قرية "ليبة"، فمن المحقق أن أحدهم لا يزيد شيئاً، وأن أحدهم لا ينتقص شيئاً. فالكل يشرع راوياً على النحو التالي:

إلى خريف سنة (1885)أمضى الأرشمندريت فاسيل "بايكوف" خمسة وعشرين  عاماً يعمل بهمة كرجل كنيسة ممتاز وكباحث بارع في علم اللاهوت. كانت قرية "ليبة" آنذاك صغيرة، إلا  أنها كانت أيضاً شهيرة بفضل ابنها البار هذا. وكان القاطنون القلائل في قرية "ليبة" يفاخرون أيما فخر بالأرشمندريت، ويقدمون نسخاً كاملة من كتبه السبعة إلى زوارها وعابريها ممن يجيدون القراءة والفهم، وما ذاك إلاَّ من أجل الاعتزاز بطيب أرض "ليبة".

كان "بايكوف" رافد اعتزاز حقاً، نشيط الذهن كثير الحركة وفي عينيه البنيتين الواسعتين بريق نور يكاد يكون سحرياً. كان يرتدي جلبابه الأسود القديم، ويضع قبعته السوداء المهترئة على رأسه المربع الكبير، ويحمل حقيبته الجلدية السوداء، ويركب القطار المتجه إلى موسكو في صباح السبت الأول من كل شهر. هناك، كان الأرشمندريت "بايكوف" يدير الصلاة في اليوم التالي في كنيسة القديس نيقولا. وهناك، في موسكو، كان الرجل يمضي يومين آخرين في تجوال منهك بحثاَ عن الكتب العتيقة في المكتبات والأراشيف المتخصصة. وكذلك، كان الأرشمندريت يلتقي في موسكو مع الوجهاء من رجال الدين والفكر والسياسة. إنما في الحقيقة ما كان يسعده أكثر من الالتقاء بابن شاب لأحد المقربين من القيصر، وسيم كالأنثى برموش عينيه الطويلة وبحاجبيه الرفيعين وبملاسة وجهه وبدفء عينيه.أنه الشاب "بوشكو".

لقد أقام "بوشكو"، منذ بلغ العشرين من العمر، شبه منزوياً، منطويا على ذاته، منصرفاً إلى التعرف على جواهر الأشياء في عالمه الخاص، وذلك في بيت خشبي في ضاحية تبعد ثلاثة عشر ميلاَ إلى الشرق من موسكو. في ذاك البيت الخشبي، كانت العائلة تقضي عطلة نهاية الأسبوع وأيام الأعياد. بيد أنه منذ أن انتقل "بوشكو" إليه ليقيم فيه بشكل دائم توقفت العائلة عن عادتها تلك، فما عاد أحد يذهب إلى هناك. ذلك أن "بوشكو" أحاله في الواقع إلى مخزن عارم بالكتب العتيقة والمخطوطات النادرة واصبغ عليه قدسية الحياة ذاتها؛ فما راق له بعدئذ ضيوف الراحة والاستجمام.

في ذاك البيت القديم كان "بوشكو" لا يبرح القراءة، وذلك بحثاَ عن جوهر القوى في الطبيعة. فلقد كان هذا هاجسه الذي لا يرحم. ومع ذلك كان "بوشكو" مولعاً بقراءة كتب الأرشمندريت "بايكوف" دون سواها. لقد قرأ الشاب تلك المؤلفات مرات ومرات كثيرة حتى أنه صار يشعر بتوق لا يقاوم إلى رؤية صاحبها.

كانت اللقاءات بينهما تستمر ساعات عديدة، وتبدأ عادة بالإطلاع على الكتب الجديدة التي انضمت مؤخرا إلى مكتبة "بوشكو" الضخمة. ثم كانا يأخذان مكانين لهما على جانبي موقد فخاري تلتهب النيران فيه عالياً، فيرتشفان قدح فودكا أو قدحين، ويقلبان صفحات الأخبار الغريبة أو الطريفة، ثم أخبار الرياضة، فأخبار الثقافة والسياسة وصولاَ إلى عقدتهما المشتركة، أي أخبار الفلسفة والفلاسفة. وهنا كان الجدال يحتدم ولا يهدأ بافتراقهما.

بيد أن الأرشمندريت "بايكوف"، لم يكن يتوق ذاك التوق العظيم إلى لقاء "بوشكو" من أجل النقاش. فهذا ليس طعمه بحال. إن ما كان يرمي إليه رجل الدين الوقور  أساسا هو الحصول على مخطوطتين لكاتب مغمور، خنقه الظلم في ريعان الشباب، وحاربته الكنيسة بلا هوادة في زمنه، في القرون الوسطى. وإذ كان "بوشكو" قد وعد الأرشمندريت بتسليمه المخطوطتين في الوقت المناسب، فإن الأرشمندريت من جانبه، أكثر من زياراته والأمل يحدوه في كل مرة أن يكون الوقت قد حان.

وذات صباح يوم خميس ممطر من خريف سنة (1885)، وصلت إلى "ليبة" العربة الزرقاء المجرورة ببغل فضِّي اللون، والتي كانت تحمل البريد إلى القرية مرتين في الشهر. وإذ وقفت العربة في المكان المخصّص لها، أمام الكنيسة التي كان فريق من الرجال المتطوعين لازال يعمل حثيثاً على ترميمها وطلائها استعداداً ليوم الأحد، حيث كان من المنتظر أن تتم فيها زيجات ثلاثة، تجمع الرجال والنساء والأطفال تحت مظلاتهم حول العربة. هكذا كان تقليد أهالي "ليبة" في استطلاع ما إذا كان هناك لهم أو لأقاربهم أو لمعارفهم أو لجيرانهم رسائل قد تكون مفرحة. ولقد جرت العادة أن يستلم حارس الكنيسة، وهو رجل مسن يسنده عكاز من السنديان وإرادة صلبة، رسائل "بايكوف". غير أن ساعي البريد رفض أن يلتزم بالعادة هذه المرة، وطلب أن يأتي الأرشمندريت ذاته ليستلم رسالة سميكة ذات أهمية كبرى.

ومنذ أن تستلم رجل الدين البارع تلك الرسالة السميكة المحزمة بشبكة من خيوط القنب، عكف في بيته، فما عاد ذهب إلى الصلاة ولا إلى موسكو، بل لم يعد يخرج إلى نزهته المسائية في الغابة الحرجية التي تسيج جنوب "ليبة"، ولا عاد يستقبل المسترشدين ولا المحتاجين. ولئن كانت قد بُذلت جهود متواصلة لإخراجه من قوقعته الحلزونية ومن وضعه الغريب هذا، إلاَّ أن جميعها أفضت إلى الفشل الذريع. لقد جاءت وفود من موسكو ومن مدن أخرى ومن القرى المجاورة ومن الأصحاب تبتغي لقياه والحديث إليه، إنما واصل رفضه استقبال أي شخص كائن من كان. الفضوليون أهدروا وقتاَ طويلاَ في الحديث عن تلك الرسالة السميكة، وحامت شائعات لا تُحصى حول مصدرها. ولقد رجح العقلاء من أهالي قرية "ليبة" أن تكون تلك الرسالة من القيصر ذاته يطالبه فيها بإيقاف نشاطاته وعلاقاته. فيما اعتقد فريق آخر أن تكون تلك الرسالة المشينة أمراً من قوات الدرك بالإقامة الجبرية في منزله. الأكثر حيلة من غيرهم، تقربوا ما استطاعوا من ساعي البريد على أمل أن يخبرهم ببعض الخفايا من الأمر. لكن ساعي البريد الشديد التمسك بقيم عمله، كان في مثل هذه الحالة، يقطب حاجبيه الكثين ويؤنب سائله:

- ليس من أجل هذا وضع الله لساناً في حلقك.

واجتهد البعض الآخر في استدراج والدة الأرشمندريت "بايكوف" العجوز، وكانت هي الشخص الوحيد المسموح له بدخول غرفته، لعلهم يقبضون على طرف الخيط، إلاَّ أن هؤلاء فشلوا أيضاً. لأن والدة "بايكوف" كانت بدورها تجهل أي شيء عن الرسالة، بل لم تكن تعرف القراءة أو الكتابة، فما كتبت رسالة ولا وصلتها رسالة طوال عمرها. فما كانت تهتم إذن، إلاَّ بإعداد أجود أنواع الطعام ونقله إلى "بايكوف" في غرفته ليتناولاه معاً. وإذ طال الأمر نحو من سبعة أشهر، هدأت المشاعر وتبدَّلت الاهتمامات وقبل الناس بتقوقع الأرشمندريت الفاضل على أنه شأن خاص واعتيادي، فلم يعد أحد يسأل أمه إلاَّ عن صحته. عندئذ كانت تجيب مبتسمة باعتزاز:

- حصان كما كان.

على أن الأرشمندريت "بايكوف"، فرض نفسه من جديد في مقدمة اهتمامات البشر، وذلك ليس في قرية "ليبة" وحسب، بل وفي مختلف مدن روسيا وأريافها. حتى لقد بلغ الأمر القيصر، فأحاله سريعاً إلى الأبرشية في موسكو طالباً تقريراً مفصَّلا وتقديراً دقيقاً خلال أسبوع فيحد أقصى.

كانت البداية في مجلة "فيدو موستي" الأدبية الصادرة في بيتروغراد. فلقد نشرت المجلة المذكورة في عددها للنصف الأول من نيسان من عام (1886)، وتحت عنوان بارز "الإلحاد في أفكار الأرشمندريت بايكوف" عرضاً لكتابه الجديد بعنوان "هل يخاف الله ممن يخافوه؟".وجاء فيذلك العرض:

"... يقول رجل اللاهوت المعروف، بايكوف، والذي أشهر إلحاده أمام الكنيسة في قرية "ليبة"، وعلى مسامع المتعبدين، إذا كان الله موجوداً فعلاً، وإذا كان قادراً على كل شيء حقاً، فما الذي يدعوه إلى التخفي؟ لماذا لا يظهر أمامنا على الملأ، ويقول ها أنا الله فاعبدوني؟ لماذا بعث إلينا رُسلاً ولم يأتِ شخصياً ويكلمنا وجها لوجه؟... إن ما نحسه من ضوابط دقيقة في عالمنا وننسبه إلى الله، يمكننا أن ننسبه إلى الطبيعة أيضاً أو إلى الماء أو إلى الطاقة أو غيره، فهذا يبقى أقرب إلى العقل من ذاك..."

لم ينقضِ سوى أسابيع قليلة على نشر ذلك العرض الصحفي، حين راح أهالي"ليبة" يجدون بعضاً من أشلاء "بايكوف" المسكين في كل صباح، في ذات المكان الذي أعلن فيه إلحاده غير المنتظر. فكان أن وجدوا في صباح اليوم الأول ساقه الأيمن، ووجدوا في صباح اليوم التالي ساقه الأيسر، فيده اليمنى، فيده اليسرى، فنصف بطنه السفلي، فنصف بطنه العلوي، وأخيراً رأسه خال من العيون مفرغ المخ مقصوص اللسان.

كانت أم الأرشمندريت المتعبة من صراعها الصعب والمضني مع السنيين الطويلة تأتي إلى ساحة الكنيسة في قرية "ليبة" في ضحى كل يوم، متورمة الجفون حمراء العينين محزمة الشعر بمنديل أسود والحزن يهز شفتيها بدون توقف ويسقط دموعاً ساخنة على وجنتيها الشاحبتين. كانت دموعها تنهمر بغزارة خاصة عندما كانت تنحني لتضع أشلاء ابنها لليوم المحدد في كيس خيش تيبست دماء في أسفله. ومن ثم كانت تحمله على كتفها وتسير صاعدة التل نحو بيتها. إنما في الحقيقة، كانت العجوز تتوقف كلما قطعت نحو مئة خطوة، وذلك بغية أن تُريح أنفاسها قبل أن تحاول التقدم مئة خطوة أخرى. كانت أم "بايكوف" تؤدي عملها هذا بصمت غامض وإن كان يفتت الأفئدة الصلبة. وبعد أن جمعت أشلاء "بايكوف" على مدى أسبوع متواصل في صندوق خشبي مستطيل كبير، أسود اللون، مرصع بأصداف متراصة دوائراً دوائر وفي داخل كل دائرة شكل هندسي ليس له هوية معينة، كانت قد أخرجت منه ثياباً وبقايا ثياب قديمة، يعود تاريخ بعضها إلى قِدَم الصندوق ذاته، إلى يوم عرسها، بدأت المتعبة تحفر لابنها قبراً في وسط غرفته وبين كتبه المبعثرة كأنما بفعل عاصفة عاتية. لقد احتاجت عمل ثلاثة أيام حتى دفنته. عندئذ وحسب، ذهبت الأم إلى مقر الدرك في "ليبة" تستوضح أسباب قتل ابنها البار على هذا النحو الشنيع. بيد أن رئيس مقر الدرك كان رجلاً بائسا بما حشا في عروقه من قلة أدب، فما شاء قط أن يستقبلها أو أن يصغي إليها ولو على سبيل المجاملة. وإذ عادت إلى بيتها محملة بالهموم ذاتها، هموم الحيرة والعجز، أقفلت الأم الحزينة الباب، ولم تعد تخرج منه إلاَّ في حالات الضرورة القصوى.

قلة قليلة من أهالي "ليبة"، وقلة أخرى أقل من معارف الأرشمندريت "بايكوف"، اعتقدوا بأن مأساة الرجل لم تبدأ مع وصول تلك الرسالة السميكة، بل قبل ذلك بعدة سنوات، منذ أن التقى "بوشكو". وكانوا هؤلاء، على الأرجح، نصف مخطئين أيضاً. فمأساة "بايكوف" المسكين، لها جذور متينة في أعمق أعماق التاريخ على ما يبدو. على كل هذا هو ما توصلت إلى استنتاجه وقَد قرأتُ الرسالة السميكة، أو المخطوطين العتيقين المذكورين.

 

 يمكنكم تحميل الرواية كاملة بالضغط هنا بالزر الأيسر للفأرة، ومن ثم سجل تحت أسم.