E-mail                   Home

 


بعد زهاء خمسة عشر عاماً من التمرغ الممل في حقارة سجن بائس القدم، تذكّر الطبيب الشرعي السابق في قوات الحرب مطواته. تذكَّر بريقها المبهر عندما كان يعرضها لأشعة الشمس، من خلال النافذة، وقت الظهر. تذكر حوافها ذات الحدة الرهيبة. بل تذكر شرخاَ صغيراً في جانب من ممسكها العظمي.

ففي ذلك الخريف العبق بالأكاذيب، قبل خمسة عشر عاماً تقريباً، أمضى الطبيب الشرعي السابق في قوات الحرب أسبوعاً كاملاًَ في إعداد منهك، متيقظاً لكل ما يقتضيه الإعداد من دقة، قبل رفعه راية الاستسلام علانية. وهناك، في الحمام الرطب، حيث الجدران من سيراميك متفسخ متسخ بشعرات عالقة وبإفرازات أنوف متصخرة وببقايا حشرات متآكلة، كان على الطبيب الشرعي أن يقوم بالإجراء ما قبل الأخير ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى اختتام عملية تمتد بعض أطرافها عقوداً إلى الوراء.

وقف الطبيب الشرعي عارماً أمام المرآة المستديرة قبل أن تتحطم أطرافها، وبذل جهداً لا بأس به كيما يمسح غباراً عالقاً عليها منذ زمن. فعل ذلك بكم قميصه الأزرق أولاً، ومن ثم بطرفه. إنما لم يفلح غير بمنفذ ضبابي إلى خياله المشوه. ومع ذلك خرج من جيب بنطاله الصوفي الواسع مطواة مشحوذة جيداً، وفي نيته الصارمة أن يجرف شعره الرمادي الكث المنفوش عن جلدة رأسه، حتى اللمعان. بيد أن الطبيب الشرعي توقَّف عن ذلك فجأة، وقد لمع نصف رأسه الأمامي بمحاذاة أذنيه فبدتا كأذني ثعلب مذعور. توقف عن ذلك إذ حضرت في ذاكرته الحسنة حادثة هامة، فاته تدوينها، في حينها، في دفتر تبرئة الاستسلام، وتعود إلى مراحل طفولته الباكرة على ما يبدو. فوضع مطواته جانباً، ومضى حثيثاً. لكن الطبيب الشرعي في قوات الحرب، وقبل أن يتناول قلمه يلهث أنفاسه النهائية، انكب على مراجعة مدوناته في دفتر تبرئة الاستسلام عسى أن يجد المكان المناسب لحشر تلك الحادثة ذات الأهمية الخاصة، باعتقاده. استلقى الرجل على سرير خشبي بدون فراش وبدون وسادة متكئاًَ برأسه على حافته العلوية، وراح يقرأ بعيون يمكن أن نقول قبلاً أنها هادئة... إنما لنقرأ معه:

... حينما يخترق الحنين الطبيعي الـجامح إلى أيام الصبا جداراً صلباً من المناعة المكتسبة بحكم أمراض الزمن والظرف الصعب أجد نفسي ململمة حول الذات كطفل واهن بحاجة ماسة إلى البكاء احتجاجاً على خسارة لا تعوض.

إنني إذ أغور في سنوات العمر المنصرمة لاستخراج الأحداث والحقائق منها، فإنني لا أبتغي اتهام أحداً ولا أرمي الكيل للمخلوقات الضجرة من المثاليات الموسمية. فهذا ما لا جدوى منه حينما يكون الخصم اللعين هو ذاته القاضي المتسلط بغباء. جلَّ ما في الأمر، أنني أحاول إنزال الإدانة الثقيلة عن ظهري المنحني المتعب. إن هذا حسبما أرى، كل ما تبقَّى لدي أن أفعله وقد عسر على قدماي الداميين الحافيين مزيد السير في الأدغال.

ولأنَّني أبعد ما أكون عن التقوقع في انتظار عفواً أو مغفرة، حيث أن الأول لا يمت إلى طباع النيابة العامة اللئيمة بصلة، وحيث أن الثانية لا تعنيني من كوني لم أقترف جرماً موجعاً، فإنَني لا أشعر بحاجة البتة إلى نفخ الأحداث بهمومي ولا إلى افتعالها ولا إلى اختلاق الحقائق. وإذ عاهدت نفسي مخلصاً، أعاهدكم أيضاً أن أُقاوم المبالغة وأحيدها مهما صغرت. إن الأشياء كما هي، كما انصبت في الوجدان، أبلغ أثراً مما يمكن لخيالي المحدود أن يطاله...

عند هذا الحد أطبق الطبيب الشرعي في قوات الحرب دفتره الأبيض الأنيق المعنون بحروف عريضة سوداء بخط يد مرتجفة "تبرئة الاستسلام" ، ومدَّ راحته المتباعدة الأصابع إلى نصف رأسه الأمامي المُلمّع للتو، وتلمس عليه، ببطء وحذر، خدوشاَ متفرقة نبشتها المطواة الحادة في سهوه المتكرر، خدوشاً تحترق بملح عرق متدفق بغزارة. كانتا عيناه، في تلك اللحظة، يائستين منطويتين على نفسيهما في غصة عاطفية تقتل البغل.

إن الذين ساقهم الحظ أو الصدفة إلى التعرُف على الطبيب الشرعي عن قرب، وهم كثيرون ما من شك، أو حتى من التقى به بود ثلاث مرات في تقدير أعلى ، يعلمون يقيناً أنه مخلوق ينهض قبل أن تنهض الشمس على عجلة من أمره ، فيتناول قدحاً كبيراَ من الشاي الأسود المغلي جيداً وغير المحلى أبداً والممزوج مع جرعة دواء من الويسكي الاسكتلندية، ويلهب سيجارة لا تنطفئ، ويبسمل بشيء من الخشية، إنما بكثير من الاحترام، نشيد شباب الشاعر الهندي المغمور هاري دراياني ديجلر .

بيد أنه في الآونة الأخيرة، انقشعت غيوم إيمان الطبيب الشرعي بالمردود الحسن من ترديد هذا النشيد. بل تمادى خطوة ضوء إذ لام بما يشبه حقد جمل الشعر الهندي برمته، وصبَّ اللعنة الرذيلة على الهند وعلى أهلها من غير حساب ضمير مؤجل.

- هذا الشعب لا  يهمه من الأشياء إلاَّ الحكمة المجردة لدرجة أنه يأنس الفقر المدقع ويشم فيه ثراء الروح، ويرى من الموت إكليل الزهور وحسب.

فالطبيب الشرعي الذي تناول وجباته الرئيسية من مطبخ الفلسفة الهندية على مدى سنوات عديدة من عمره، استفاق في النصف الأول من ليلة واحدة ليطيب له الإدراك بأنها كانت وجبات بلا خبز، فما عاد يحس الشباب الخالد في روحه ولا عاد يرغبه. فلقد قامر وقامر حتى خسر رصيده من عشق الحياة اللاهب في تلك الليلة ،  والتي كان عليه فيها أن يغرس رصاصة حامية قاتلة في رأس رجل طريف شهير عُرف باسم الجنرال شكيب.

كان الجنرال شكيب ذا اعتداد هائل بتطلعاته إلى جسد الحياة. وكان من بين ما يرى بلا جدال، يرى إثماً في الاعتدال، لأنه يعني بعضاً من التردد. وكان يرى في التردد قليلاً من الجبن، ويعتقد جازماَ بأن قليلاً من الجبن هو بمثابة التبذير الأهوج لدقائق الحياة. ولأن الجنرال شكيب كان يعي عداءه المستديم للاعتدال ، فإنه حد من احتياجاته في الحياة الدنيا، فما عشق منها سوى الحروب المعقدة والنساء الغامضات. ولقد برع في الحقلين، فحصد من تلك ومن هذه الشيء الكثير. لكنه مع ذلك ما جمع شيئاً من كنز المتعبين- القناعة.

غير أن الجنرال شكيب ما كان ليشغل نفسه مطولاَ بشعارات الحرب أو بمبادئها. لم يكن هذا هو ما يهمه في المقام الأول:

- لأن هذه العلبة العفنة تفيح منها روائح الجسد المتفسخ مهما بذل الباذلون المزورون من جهد لتغليفها بأوراق الهدايا الملونة الزاهية بفجور.

ما كان يهم الجنرال شكيب من الحرب هو الحرب ذاتها ؛ النصر بالقتل والتدمير أو بدونه ، النصر الذي يؤهّله لنيل شهادة فخر واعتراف وما يصحب ذلك من احتفال توزيع الأوسمة. فلقد كان الجنرال شكيب يحس بسعادة و برضا العاشق المهووس عندما يمثّل أمام القائد الأعلى، وسط جمهرة غفيرة من الجنرالات المنتفخة بطونهم بالحسد ، و وسط رجال الدولة والصحفيين المُثقِلين أكتافهم بأجهزة التصوير ليتسلم شهادة البطولة ، ويعلق في عنقه وساماً جديداً وصدره العارم عارماً وجبينه المرفوع مرفوعاً. في مثل هذه المناسبات كان الجنرال شكيب يرتجل كلمات الشكر المنمقة، الرسمية، المعروفة، وينتهي سريعاً ما أسعفه اللسان إلى الوعيد ذاته: الموت للأعداء... الموت للأعداء... والنصر لنا.

حقاً، لم يكن الجنرال شكيب يألف العداء الحقيقي لأحد غير السياسيين:

- هؤلاء الكهنة المسرفون في حب الوطن والشعب ، يشعلون الحروب ويطفؤنها من على مائدة الغداء !

فما عرف مرة واحدة سبيله إلى أن يغفر لهم تسلطهم المسعور على إرادته ، ولا وجد الطريق إلى التحرر من هموم أمراضهم المستعصية في الغالب. وللحق، فإنَّ الجنرال شكيب لم يعاد السياسيين لأنه مفطور على حب العداء، ولا كرههم، وهو المدرك بتعصب أن الكراهية لا تمس المكروه بسوء فيما قد تقتل الكاره، لأنهم يصنعون الحروب من مواد أولية تافهة. فهو رجل مغرم ومولع بمغامرات الإبحار على ظهر الحرب. إنما عقدة الجنرال المستفحلة أنه ما تسنى له يوماً أن ينتزع المقود من أيادي السياسيين المحنكين الفاجرين بالكذب، ووجد الرأفة بحاله في الإنعكاف على تربية العداء لهم ولملمت حقائقهم.

هكذا إذن، كان الجنرال شكيب ، يعيش على إيقاع الحرب. كان في العادة، عندما يستيقظ في الصباح، يهرع مباشرة إلى المذياع المتعدد الموجات في مكتبه الواسع المقفل المكتظ بالأوسمة وبشهادات التقدير وبقصاصات جرائد وملفات من كل لون وبخرائط غير دقيقة تماماً تطال كل بقاع الأرض، فيتجول مع موجاته وراء الأخبار، خاصة أخبار الحروب. ومن ثم يبدأ مشواراَ من البحث المتأني في صحفه المتعددة الجنسيات عن أي أخبار تفيد باحتمال وقوع أية حرب جديدة في أية زاوية ميتة ما من الأرض. فإن عثر على ضالته أشرق وجهه وابتسمت عيناه و أمر خادمته الشابة الجميلة بتحزيم الحقائب ريثما يتعطر برائحة زوجته، ويشبعها وعوداً وغزلاً. وإن خاب أمله، اكفهر وجهه كمن تمادى لديه الإحساس بظلم الخليقة والطبيعة له، وخرج إلى مزرعته يداعب كلابه السلوقية الثلاثة ، أو يمتطي فرسه المنحدر من أصل عربي ويمارس رياضة القفز من فوق الحواجز ، أو يتفقد أحوال العاملين في المزرعة الساهرين على سلامة أبقاره الكثيرة.

لقد خاض الجنرال شكيب حروباً ينيف عددها عن نصف سنوات عمره البالغ نصف قرن . حروبه جاءت موزّعة على سبع عشرة جبهة متفرقة في مختلف أنحاء العالم، فجنى من ذلك كله ستة أوسمة شجاعة من الدرجة الممتازة وعدداً من شهادات التقدير وثلاث إصابات في بطنه وإصابة أخرى مزَّقت أذنه اليمنى فاستغنى عنها مبتسماً وإصابة خامسة أودت بساقه و أحالت محارباً باسلاً إلى العجز.

كان ذلك في عصر يوم صيفي محقون بحر لا يطاق. المسنّون في قرية جابورة الأفغانية شهدوا جازمين، وفي شهادة المسنين مبالغة، بأن بلادهم ما مرت من قبل في مثل ذلك الارتفاع من درجة الحرارة، والذي يكاد أن يطبخ البني آدم بعرقه. على كل ٍ، كان باستطاعة المرء حين يسير في الطرقات ، أن يرى بشكل بارز آثار حذائه محفورة على الإسفلت المائع تقريباً كما هي آثار حذائه حينما يتمشَّى فوق الثلج. وكان باستطاعة المرء أن يلحظ فقاعات إسفلتية منفوخة أو قابعة على الطرقات التي سوتها أيادي هواة قبل عدة سنوات في بعض من شوارع القرية. لقد اعتبر بعض الأفغان المحليين حر ذلك اليوم المشبوه من دلائل يوم القيامة المنتظر، فاستعاذوا بالله بخشوع ، وطالبوه برحمته المعلنة.

ففي العصر ، كان يتعيّن على الجنرال شكيب أن يمضي إلى مقر العمليات ؛ وهو بيت آجري قديم كان قد وضعه رجل أفغاني مسن متديّن تحت تصرُف المجاهدين ثم مات. فارتدى بذلته الخاكي العسكرية القديمة متململاً، وسار بخطوات بطيئة عبر شوارع قرية جابورة الخالية من أحياء ما عدا بعض حيوانات أليفة يلفحها الضجر. ومن ثم سار الجنرال على الطرف الشمالي منها بمحاذاة جدول صغير يتلوى مجراه بين أشجار غير مثمرة قليلة الكثافة ، إنما في النهاية ذات ظلال مؤنسة في صد أشعة الشمس. وتجري في الجدول مياه عذبة رقيقة وأسماك صغيرة لا تكبر ؛ جدول تمدد فيه بعض رجال بلا حراك فكأنهم تماسيح في سبات، نصف عراة وجلودهم السمراء في الأصل احترقت تحت الشمس. وإلى جانب بعض منهم، في الجدول، أكوام كروية من نساء يتعذبن بسمنتهن الفاخرة مغطيات بالخمائر السوداء. وثمة أطفال تحذقوا فصنعوا من ثيابهم القطنية أكياسا ً نفاذهَ يلتقطون بواسطتها الأسماك الضعيفة ليصار إلى العبث بها لعباً.

لقد كان الجنرال شكيب يشاهد كل هذا، يلاحظ كل الأشياء من حوله بدقة متناهية، لكنه كان في ذات الوقت  يفكر بشيء آخر ، شيء يقلقه منذ أن أخذ على عاتقه القيام بهجوم سريع على كتيبة تابعة لقوات الحكومة متمركزة في المرتفعات المحاذية على مسافة سبعة أميال اتجاه الشمال. كان يقلقه إذن الانفراج المفاجىء في كربة زوجته الايرلندية، والتحول السريع من الخمول العصبي إلى النشاط السعيد في تصرفاتها وذلك حين أعلمها عن نيته المشاركة في حرب جديدة. فلقد بدت له وكأنها تلقت هدية من السماء، وأنها استعجلت رحيله على غير عادة. في السنوات الخالية، في مثل هذه الحالات ، كانت كاتي، زوجة الجنرال تلبد تحت جوانبه كصوص أصابه صقيع فحق له البحث عن مزيد من الدفء . في مثل هذه المناسبات، فيما مضى، كانت كاتي ترجوه بحنان النساء العميق العدول عن الحرب وعن الحروب. إنما بقيت عالقة في ذهنه، هذه المرة، تلك الابتسامة الثقيلة التي شذَت شفاه زوجته عنوة نحو الأسفل فما استطاعت هذه أن تخفي طيف فرح مذهل في أوصالها. الجنرال شكيب لم يكن يمتلك، آنئذ، متسعاً من الوقت للركض وراء حقيقة ابتسامات النساء اللواتي في غير موضعهن المناسب، فترك الأمر لغيره إنما الأمر لم يتركه حتى في هذه اللحظة التي يمضي فيها إلى قيادة هجوم خطير، إن كتب له النجاح سيخسر فيه ربع رجاله.

بيد أن الجنرال شكيب انتهى هنا، على حين غرة، في هذا المكان النائي من بلاد الأفغان، فما عاد جنرالاً ولا عاد قائد حرب فذ. انتهى إذ توقف عند حافة الجدول، وقد أحس بانحسار غريب في صدره كأنما قراد عملاق امتص دمائه دفعة واحدة، ليبلّل يديه ووجهه وقدميه بالماء والأمل يحدوه بأن يستعيد همته المتآكلة بفعل الحر المجنون. لكنه آن أن نهض واستدار إلى الخلف يمسح الماء عن وجهه تلقَّى رصاصة أولى في ساقه. هكذا من دون كلام لا يفيد . كانوا ثلاثة أشخاص متوارين بثياب النساء السوداء يقفون على بُعد ذراعين منه، لا يظهر منهم سوى أسلحتهم الأوتوماتيكية اللامعة. سقط الجنرال شكيب على الأرض العشبية الحليقة بعشوائية إنما دون أن تسقط نظراته الحادة المستغربة عن الأشخاص الثلاثة وراء أقنعتهم القماشية السوداء. قسم من الرجال المتمددين في الجدول أداروا رؤوسهم يستطلعون الأمر بغير اكتراث كبير، فيما بقي القسم الأصغر منهم على سباته الثمين.

- ليس في صمتكم من شجاعة الرجال أي شيء .

قال الجنرال وقد طالت سيادة الصمت، وراح يتأمل بحنق راحته المبللة بالدم.

- ازحف كالكلب الأجرب إلى الجدول... هيا هيا،

هكذا أمر صوت رجل أجش يخترق القماش الأسود ليصل إلى مسامع الجنرال صوتاً فيه من الاحترام الكامن ما فيه من ضغينة ظاهرة. وسرعان ما سخر الجنرال شكيب من الآمر ببسمة مضمومة تحت أسنان فكه السفلي، تبعها برفض الانصياع قائلاً بلهجة هادئة ، إنما حاسمة لا شك:

- أنت تهذي، فتأجيل الموت بضع دقائق مهزلة لا تعنيني... ألاَّ تر ى معي أنه مهزلة؟

عند ذاك ، وضع صاحب الصوت الأجش سلاحه الأوتوماتيكي جانباً بحركة سريعة تنم عن عصبية متنامية، وخطا نحو الجنرال وهو يتمتم كلمات مخنوقة غير مفهومة. من ثم ركل وجه الجنرال بحذائه الجلدي السميك ذي المقدمة الحديدية الصدئة المحدبة ، فقلبه على ظهره  وأسال دماء من جانب أنفه. لكن الجنرال جاهد حتى استقام ببطء ويده المصبوغة باللون الأحمر تتحسس أنفه، ومن ثم، فجأة، وثب كمارد جريح على صاحب الصوت فاستطاع أن يقبض على ساقه بكلتا يديه القويتين الخشنتين، وظلَّ يشده يمنة ويسرى إلى أن بطحه أرضاً، ودافع زاحفاَ إلى أن استطاع غرس أسنانه الناتئة البيضاء في رقبة صاحب الصوت. كاد الجنرال أن يصل مبتغاه فيقتلع حنجرة المهاجم من رقبته لولا رحمة وابل رصاص مزَّق ساق الجنرال المصابة ذاتها حتى لم تعد معلقة به إلاَّ بحبال دماء واهية.

- كم يطيب لي هرس رأسك لو أن الأمر يسمح بذلك، قال أحد الرجال الثلاثة وقد همُّوا مغادرين من غير تعجل.

في إثر ذلك، قضى الجنرال شكيب عدة أسابيع بغيضة في المستشفى العسكري في إسلام آباد في باكستان، رجع بعدها إلى بلاده بساق اصطناعي لا نفع يذكر منه وبقوة واهنة. ولقد فضَّل بصراحة، ومنذ البداية، الانزواء في غرفة مكتبه بعد أن أضاف إليها سريراَ خشبياَ قديماً. لأن الجنرال الذي اعتاد القتال والنصر كان لا يزال يأبى أن يقبل الواقع الجديد والتعامل مع الضعف. كان لا يزال يأبى أن يراه الضعفاء ضعيفاً بحاجة إلى سند كي يقضي ضروراته. وكان على وجه الخصوص يرمي إلى تجنب رؤية تلك الابتسامات، الصادقة منها والمنافقة، المطلية بالأسف والحزن على ما آلت إليه حاله. أنكر على الآخرين، كل الآخرين، حقهم في زيارته . بل أنه ما قرأ رسالة أو برقية واحدة بعد انزوائه في غرفة مكتبه، وما عاد أذن سوى لزوجته وللخادمة الشابة و للطبيب الشرعي بدخول عالمه والوقوف على حاله.

هؤلاء المقربون الثلاثة كانوا على علم بأن الجنرال منكب بجد لا يعرف الكلل على كتابة مذكراته مع الحروب ومع النساء، وهؤلاء وحدهم كانوا المدعوين إلى مأدبة عشاء حافلة أقامها الجنرال في صالون منزله الفسيح بعد فترة غير طويلة من عودته عاجزاً.

جلس الجنرال وزوجته والطبيب الشرعي بهدوء طبيعي حول طاولة مستديرة وعليها غطاء أبيض مطرز بإتقان يقاوم القدم، وتتوسطها مزهرية كريستالية زرقاء يخرج من عنقها الضيق عدة من زهور الفيرونيكة. ولقد ظلت تتقلب في وجوههم البشوشة ابتسامات ود لا نهائي وتنطق حناجرهم بخير ما فيها إلى حين مدَّ الجنرال يده ليقبض برفق على ساعد الخادمة العاري، و كانت تقدم لهم الفودكا، ويطلب إليها الجلوس بجانبه. إنما أصبح الحنق أكثر بريقاً ووضوحاً في عيني كاتي وهي ترقب الجنرال يسكب شيئاً من عصير البندورة المكرر في كأس ، ويضيف إليه جرعة فودكا وقليل من الفلفل الأخضر الحار، ويقدمه إلى الخادمة. لم يكن الجنرال، آنذاك، ليهتم أدنى ما يكون الاهتمام بما قد يحل بزوجته من مشاعر. بدلاً من ذلك، خاطب الطبيب الشرعي ببسمة مقنعة بالود، هادئة ، قائلاً:

- لدى سارة من القصص المثيرة عن حياتنا ما سيجعل مساءنا وردياً، بل لنقل لحظة في الحياة لا تُنسى.

الطبيب الشرعي، بما منحته الطبيعة من ذكاء وقدرة هائلة على استقراء معالم الوجوه، أدرك سريعاً مقدار السخرية في نبرة الجنرال والعداء في حركة عينيه الماثلتين للسكون، فشعر كأنما كرة من مادة صلبة بحجم الجوزة تستقر في حنجرته وتضيق عليه التنفس ولا بد من تحرير عنقه قليلاً من تلك الربطة الحريرية العريضة الملونة كجناح فراشة . قال مُعلقاً:

- نعم... نعم... لا أشك أن لديها من سعة الخيال ما يسعفها على تركيب ملحمة حول عود ثقاب مكسور بالصدفة.

تلا ذلك ابتسامات مجاملة أنيقة، هي ابتسامات للاستخدامات الرسمية أكثر مما هي تعبير عن مشاعر صادقة. كانت الخادمة سارة تحدق إلى زوجة الجنرال بعيون صقر قهره الجوع ، وترى في وجهها الأصفر الشاحب خوف فأر ضائع، فكان هذا يمدها أكثر فأكثر بالفطنة والانضباط اللازمين.

- بسعادتكم.

دعاهم الجنرال وقد رفع كأسه عالياً. فكان منهم أن استجابوا متباطئين رافعين كؤوسهم الفاخرة لتتضارب فيما بينها وتصدر تلك الرنة التي تعني الإخلاص حسب مبتدعها الفاضل. لكن زوجة الجنرال ابت أن تطرق كأسها بكأس الخادمة ، والذي بقي ممدوداَ إليها وقتاً طويلاً نسبياً. فما كان من الخادمة ، ذات عيني الصقر ، إلاَّ أن رشفت، فجأة، محتوى كأسها كله في وجه زوجة الجنرال ، وأسدلت على شفتيها بسمة هادئة ، تنم عن قرف لا حدود له. لم تقل شيئاً . كانت تعلم أن ما قامت به ليس لائقاً تماماً، لكنه في نفس الوقت محبذاً جداً من الجنرال، والذي أوصاها في الليلة السابق قائلاً:

- تعلمت من الحروب أن أخشى غدر العدو، وكان من الأفضل لي لو أنني تعلمت أن أخشى أكثر من ذلك غدر القريب. سأعرف كيف أنتقم منك يا كاتي. على كلٍ، غداً في المساء، عندما ينتهي كل شيء، ستصبحين سيدة هذا البيت. تصرفي إذن كسيدة.

- لا أفهم جيداً، فأنت لا تزال متزوجاً من كاتي.

- الزواج ينتهي بالخيانة أو بالغدر أو بغيره، وليس بتمزيق الأوراق أو بالوقوف أمام القضاء. في نهاية المطاف، ستفهمين كل شيء غداً.

لم تكن كاتي، زوجة الجنرال أندر حيلة ولا أقل جرأة أو وقاحة. فهاتان صفتان يلازمانها كظلّها منذ أن تعلمت نطق أول كلمة- لا. إذ لم ينقض سوى لحظات قليلة حتى آتت الدين مضاعفا . بداية،  بدت كاتي وكأنها تتشرب الإهانة  بهدوء، فانهمكت في إزالة عصير البندورة المكرّر عن حاجبيها الرفيعين وعن رموشها الصفراء الطويلة ، واستخرجت بعضاً من قطع الجليد الكروية التي انزلقت بين نهديها نصف المكشوفين المضمومين إلى بعضيهما بشدة. ثم، من وسط الهدوء، قذفت بدقة ورشاقة رأس الخادمة بكأسها فأصابتها في الجبين وأحدثت فيه شرخا ً مفتوحا ً كفم سمكة. نشب على الفور عراك حامي الوطيس بين الاثنتين، فأشبعن بعضهـن خدشاً وعضاَ ونتف شعر وتمزيق ثياب قبل أن يتدخل الطبيب الشر عي ويباعدهما عن بعضيهما غير منحاز.

ولقد أضحى منظراهما، في إثر تلك المشاحنة غير المنتظرة ، القاسية والعنيفة، صورة من البؤس والطرافة ما يبعث على الضحك والحزن في آن معاً. أمسيتا شبه عاريتين ، وطبقة، هي خليط من سائل البندورة والدم والعرق تلطخ أجزاء متفرقة من جسديهما، وطبقة أخرى من ذات الخليط مضافاً إليه مساحيق تجميل برقعت وجهيهما فبديا لوحة عبثية من الألوان. على أن زوجة الجنرال أحست بألم وبحاجة إلى البكاء ، وربما إلى الحقد أيضاً ، حين وقفت على خسائرها ووجدت أنها فقدت اثنين من أظافرها الطويلة ؛ تلك الأظافر التي كانت تلقى عناية يومية خاصة.

همَّت كاتي تريد الانسحاب من المأدبة احتجاجا ً على بقاء الخادمة جالسة إليها. إنما استوقفها صوت زوجها الحازم من حيث سارت خطوات معدودة:

- كاتي... اعذريني، لن أحترم مزاجك هذا المساء. خذي مكانك إلى الطاولة.

توقفت، والتفتت إليه ترمقه بنظرة استعلاء وفي نيتها متابعة السير . لكنها تجمدت في مكانها حتى لقد صغر حجمها الصغير. رأت الجنرال مصوبا ً مسدسه إلى صدرها العاري فحلَّ بها الذهول.

ما من شك في أن كاتي كانت أكثر مَن يحس ويتلمس مدى اليأس الذي بلغه الجنرال جراء عجزه عن الحروب وانحطاط رغباته بالنساء، ذاك اليأس الذي يفتح أبواب التصرفات المحرمة المغلقة. فعادت إلى مكانها بخطوات ثقيلة يحركهما القلق والخوف والدهشة. بقي الجنرال مصوباَ مسدسه الفضي إليها و إن كان قد أشاح بوجهه نحو سارة، التي كانت تحاول عبثاً تغطية نهديها الكرويين الجميلين بما تبقَّى من ثياب قليلة خفيفة ممزقة، وابتسامة غامضة على شفتيها الفاجرتين.

- لا تكوني نموذجية يا سارة . إن تخبئة الجمال غباء فكري وحضاري في تاريخ الإنسانية.

هكذا خاطبها الجنرال وأعاد تصويب نظراته المقيتة إلى زوجته. ولقد استجابت سارة بأسرع مما كان ينتظر أو يرجى، دونما طول تفكير أو علائم تردد. حقاً كان جمالها موضع حسد النساء. فكوّرت بقايا ثيابها بين يد يها وراحت تمسح ببطء وبغنج ما علّق من عصير البندورة المكرر والفودكا والعرق على نهديها وبينهما وتحتهما وعلى جانبيهما وفوقيهما وعلى رقبتها الطويلة النحيفة وعلى بطنها الخافت، ومن ثم دحرجت الكرة القماشية المبللة بمزيج سوائل على الطاولة، نحو الطبيب الشرعي الذي بقي طوال الوقت، في أثناء ذلك، ينظر إلى سارة ضام الجفون كمن سلط على وجهه نور شديد في عتمة قبر.

- والآن يا سارة، هلا مددت يدك إلى السلة و أخرجت لنا ما فيها من أسرار مثيرة؟

- بالطبع يا سيدي.

قالت سارة ورأسها منخفض تتفقد نظافة نهديها بأصابعها وبعينيها. ثم ما لبثت أن رفعته ونقلت نظراتها المنفعلة ما بين وجه الطبيب الشرعي المحقون وبين زوجة الجنرال ، والتي كانت ترثي أظافرها بصمت حزين ، وبين وجه الجنرال الهادىء افتعالاً، الصارم بطبعه، وانبرت تحكي بدون رعشة أو خجل:

...كنت قد أويت إلى سريري في ساعة متأخرة من تلك الليلة الصيفية؛ قبل حوالي شهر تقريباً. كان النعاس يغالبني ، لكنني لم أستطع أن أجد سبيلي إلى النوم بسبب الحر الشديد والبعوض اللعين يئز فوق رأسي ذهاباً وإيابا ً. وعندما حالفني الحظ وكدت أسقط في الهوة الفاصلة ما بين النوم واليقظة، أخيرا ً، رن جرس الهاتف الداخلي بجانبي. كان على الطرف الآخر صوت زوجتك يا سيدي، صوتاَ لاهثاَ ولوجاً:

- أنا في انتظارك في الصالون.

كان طلباً مزعجاَ ولا شك، إنما حاولت النهوض بهمة ، وبدّلت ثيابي على عجل ، وطليت شفاهي بالأحمر وأنا سائرة في طريقي إليها. كانت زوجتك يا سيدي ترتدي ثوباً حريريا ً أبيضاً شفافا ً قصيراَ لا يخفي تحته شيئاً ذا بال . أظن أنك تعرفه يا سيدي. ..

- بدون سيدي هذه، قال الجنرال.

... وكانت تحمل في راحتها كأساً فارغاَ، يبدو أنها شربت ما كان فيه أو أنها كانت تنوي ملأه. وكامرأة من طينتها، لاحظت مسحوق الظل فوق جفونها منحدرا ً أكثر مما يجب ، وبكثافة متفاوتة. ولاحظت شفتيها متورمتين شفافتين حمراويتين أكثر مما هو طبيعي ومعتاد، لأقل كانتا قانيتين . وكان شعرها منفوشا ً متشابكاً في بعضه كشعر الغولة في خرافات الأجداد . ناهيك عن تلك الرائحة التي تنبعث من النساء بعد جولات العشق في السرير.

- اعدي وجبة سريعة لشخصين، أمرتني زوجتك يا سيدي وهي تلهث كطفل منفعل من شدة الفرح.

- بسرور يا سيدتي.

قلت وهززت رأسي كما تقتضي التعليمات أو الأصول، إنما ليس هذا ما كان يختلج نفسي حقيقة. إذن ، اتجهت إلى المطبخ كارهة. مشيت بخطوات ثقيلة ، ورددت في قرارة نفسي : أي سم في هذه الساعة . في أثناء ذلك، كنت أشعر بأنها لا زالت واقفة في مكانها، وأنها على الأرجح، تتابع خطواتي بنظرها من حيث هي واقفة إلى جانب البار. إنما لا زلت أستغرب إلى غاية الآن نظراتها التي لم تتغير قط آنئذ، والتي كانت أشبه ما تكون بنظرة ذئب فيها من الهدوء ما فيها من الشراسة . لم أفهم كنهها ولا أنا اعتدتها من قبل. ولا أخفي عليك يا سيدي أنه حينذاك انتابتني رعشة ثقيلة من ذلك النوع الذي يليه انفجار في غدد الإثارة، كما لو تقولون، رعشة عذراء تسقط فجأة بين يدي رجل خشن حسن التجربة . إنها شيء من هذا القبيل يا سيدي... .

- أستطيع أن أتخيل ذلك وحسب، قاطع الجنرال سارة مُعلقاً ببسمة تجمع ما بين الوداعة والسخرية.

- هذا يكفي يا سيدي.

قالت سارة منجذبة إلى ذلك الجانب الوديع من بسمته. كانت كاتي لا تزال  تنظر إلى إمكانية إصلاح أظافرها مطأطأة الرأس، متظاهرة باللامبالاة، و كان الطبيب الشرعي يجهد لضبط دماء وجهه ومنعها من التسرب من مسامه.

استأنفت سارة :

... نعم يا سيدي، تولَّد لدي فضول جامح لا أملك وسيلة ردعه في أن أتعمق أكثر، في أن أكتشف المزيد، في أن أُنمي تلك الرعشة اللعينة ، والتي بدت لي كتجربة تحدث إنما لا تتكرّر للشخص ذاته مرتين . على أية حال، سيطر الفضول سريعاً على عقلي ، ووظفه في خدمة مصالحه.

غير بهذا ، لا أعرف كيف أفسّر توقفي المفاجىء عن إعداد العشاء في المنتصف، وتسلّلي عبر غرفة الطعام إلى الصالون . خلعت حذائي عند أسفل ذلك الدرج تجنباً لضجيجه، وصعدته (أشارت بيدها من جديد إلى درج عريض نصف لولبي يبدأ في الجانب المقابل من الصالون حيث كانوا يجلسون). تسللت إذن إلى الطابق العلوي مقتربة بحذر أشد فأشد من غرفة نومكم يا سيدي. الآن لست مكرهة البتة على إنكار أن توقعي وآمالي سقطت في جهنم عندما وجدت الصمت في انتظاري صمتاً ما كان لروبنسون كروز ذاته أن يألفه. تتذكر يا سيدي أنك حدثتني عن هذا الرجل، أليس كذلك؟ المهم، قفلت هاربة منه ولدي نية نهائية بأن ألجم خيالي الشاب لكي يسير في مساره الصحيح. بل وعثرت على سبب كي ألوم نفسي:

- أنا لست إلاَّ فتاة ساخنة تحسد النساء اللواتي يِلعقن البوظة.

بيد أنني ، وقد أعددت المائدة على ما يرام وألهبت شمعتين طويلتين، وجدت نفسي بغير حاجة إلى النوم . وجدت في داخلي فراغاَ هائلاَ ، مجنونا ً، لا يعبئه سوى تلك الرعشة اللعينة. فما كان مني إلاَّ أن كررت طريقي نحو غرفة نومكم يا سيدي. مرة أخرى كان الصمت يقبض على أنفاس الحياة. مرة أخرى تمنيت ما لا تتمناه يا سيدي. إنما الصمت لا يعني دائماً العدم، هكذا حدَّثت نفسي أسند أمنيتي كيما لا تسقط وأعود إلى الفراغ في داخلي، والذي يمتص من الأشياء ألوانها ويحيلها إلى متشابهات مملة لا تسعد ولا تحزن. وهذا بالضبط ما دفعني إلى أن أسند رأسي على الباب، بالأحرى ، أن ألصق أذني عليه بالضغط وكتم الأنفاس.

نعم يا سيدي، بعد طول تركيز وتهدئة معقدة لدقات قلبي رحت أسمع بشيء بسيط من عدم الفهم همسات زوجتك الساخرة وضحكات الطبيب الشرعي (نظرت إليه بشكل خاطف). و إنه ليؤلمني حقاً أن أُتفوه الآن بجملة التقطتها هوائيات أذني آنذاك ، وكانت أقسى ما قيل على الأرجح. كان ذلك هو قول زوجتك : كلما كبر ابننا يوماً ازداد شبها ً بك، ولا أدري إن كان شكيب سيلحظ هذا في المستقبل القريب... .

نهضت زوجة الجنرال عن كرسيها فجأة وقد ازداد وجهها احمراراً تحت وطأة الخجل أو الخوف أو الحنق ، أو كلها مجتمعة، وصرخت بما يؤكد أنها فقدت أية رقابة على تصرفاتها، وأنها فقدت القدرة على ضبط النفس :

- افتراء غير مسؤول... كذب، كذب.

كانت كاتي في حالة من هيجان غريب وهي تصرخ مكذبة، وفي خضم عصبيتها، قلبت الطاولة المستديرة بما كان عليها فوق سارة واستدارت في إثر ذلك فوراً ، وراحت تخطو سريعاً نحو المخرج. لكن الجنرال كان في تلك الليلة حازماً حزماً مخيفاَ بما انطوى عليه من رصانة في أن يحسب ويحسب إلى أن يتوصل إلى النتيجة المرضية للأطراف المتحاسبة، أي إلى الصفر. وإذ ذاك، انذر الجنرال زوجته بطلقة رصاص مرت بين قدميها لتحفر مدفنها في الأرض أمام كاتي، مما أثار في أعصابها رُعباً مُكبلاَ ً، أعاقها في الحال عن متابعة السير نحو المخرج.

حين عادت كاتي إلى مكانها تحت وطأة التهديد بالرصاص، للمرة الثانية في ظرف ساعة، مذَ الجنرال يده إلى جيب بذلته الخمرية الأنيقة، والتي كان قد اشتراها ليوم زفافه و لم يرتدها بعد تلك المناسبة أبداً، والتقط منها مظروفاً فاقع الاحمرار. فضَه بتأنٍ وأخرج منه حزمة من الصور وقسمها إلى حصتين متساويتين. ثم مد إلى الطبيب الشرعي واحدة، وقدَّم الحلقة الثانية إلى كاتي . كان الطبيب الشرعي قد انتقل إلى مواجهة الموقف بهدوء وشجاعة من لا يطال خياله النتائج المحتملة . أما كاتي، فإنها رفضت أن تستلم حصتها من الصور، وذلك من خلال محافظتها على الصمت والتصنم . في الواقع، كانت قد رأت من بين أصابع الجنرال، في الصورة الأولى، نفسها والطبيب الشرعي عاريين من الثياب ومن الضوابط، وهما في حالة وصال جنسي.

- شكراً يا سارة. قال الجنرال وأضاف، لك الخيار في أن تنصرفي الآن . بل، أحبذ أن تفعلين.

ومن حيث انصرفت سارة ، استطرد الجنرال الحازم مخاطباً الاثنين الباقيين.

- نعم، من الأدب المبالغ فيه أن سارة، هذه الشابة الطيبة، أخفت جانباً من الحقيقة الكاملة ، وأود إنارته. إن ما قامت به لم يكن بمبادرة منها، بل بتكليف ورجاء مني قبل أن أذهب إلى أفغانستان ، قبلته بعد إلحاح كبير. أردت أن أتأكَّد مما كنت منه شبه متأكد. أمَّا أنت يا صديقي... فإنَّه لمن المصادفات الصعبة أن أخلد إلى الراحة بعد اليوم وأنت تتجول في هذه الحياة وتستنشق من هوائها الطيب.

أصبح الطبيب الشرعي مصمماَ بلا عودة، قد يكون فيها من الخطورة ما ينيف عن المضي قدماً، أن يتمسك برباطة الجأش . فمَن يتحطم قاربه في البحر ، لا حيلة له إلاَّ مصارعة الأمواج نحو الشاطىء. فردَّ على الجنرال، وقد رطب شفته السفلى السميكة السمراء الناشفة بشيء مما تبقى من لعاب في فمه:

- لا ريب في أن عبادة الحروب تفضي إلى الجحيم. ولا شك في أن العزلة تؤدِّي إلى نوع من الجنون ؛ إن لم تكن هي الجنون ذاته. إنك يا عزيزي جننت، وليس من العدل أن ألومك، سأسمح لنفسي أن أرثي لحالك.

- لست مهتماً أدنى اهتمام بتشخيصاتك، ومن رجاحة العقل أن لا تهذي  عندما تلوح لك مصيبة من صنع يديك.

- وهل من العقل بشيء أن تخمد أنفاسي لأنَّني تنفست في غير مكاني. والحال هذه كم من شخص يجب أن يخمد أنفاسك من غير أن يرف له جفن. أنت أيضاً تدري أنه ليس بوسع أحد أن يصون الحب والجنس بالرصاص. هل من العقل في شيء الاعتداء على عواطف الآخرين باسم عواطفنا أو باسم الزواج أو حتى باسم الخالق؟

- بالطبع هذا شيء يُنافي العقل. هذا شيء لا يقبله المنطق بما في ذلك منطقي. إنما من سوء حظك يا صديقي أنني أنكر على عقلي الآن سلامة الحكم. إنني باستغناء عنه في هذا المساء إن شئت. أما إذا ما أردت مني أن أعود إليه ، فإنَّ حظك سيكون تعيساً حقاً. إنني لا أرغب البتة في الاعتداء على عواطفكما، لكنني عرفتك صديقاً مخلصاً فتعلّقت بك. وعلمت لاحقاً أنك صديقاً نذلا ً، تمتلك وجهاً آخر، وجهاً مقرفاً، فما استطعت ولا أستطيع الركون إلى ذلك. إنني اتخذت قراراً نهائياً في أن أنقذك من الوجه الآخر، في أن أقتل الصديق النذل فيك... ليس أكثر.

- حجة بريئة لأفكار قاصرة.

- ربما كانت كذلك، لكنها في نهاية المطاف حجة. وكي لا يكون الفعل دنيئاً، فإنني أُسلمك مسدساً. لا تقلق، لا أغدر بك، إنه أفضل من مسدسي. ولتقف في نهاية الصالون إلى جانب الدرج، ولنطبق بالملموس خيال أفلام الكوبوي. فمَن يقتل أولاً ، هنيئاً له.

أطال الطبيب الشرعي الصمت والنظر إلى المسدس الممدود إليه من غير أن يحرك ساكنا ً. إنما كان في دخيلته ، في حالة غليان لا يعرف مداه، في دوامة من الاندهاش والحيرة سلباه القدرة على تحديد الاتجاهات أو على اتخاذ قرارات. كان عليه في النهاية أن يوضح فقال بصوت حزين خافت:

- لا، لا أستطيع قتلك، ولست ضجراً من الحياة مثلك كي يكون الموت والحياة سيان عندي.

آنذاك لجأ الجنرال إلى استخدام حجته الأساسية والأخيرة، فقال بصوته الحاد ونظراته القاسية:

- لا أطرح عليك خيارات . لن نعيش نحن الاثنين بعد الآن. فإما ستقتلني، وإما سأقتلك ، وذلك كي يبقى للطفل أب واحد لا اثنين.

آنئذ، أدرك الطبيب الشرعي أن لا مفر له من نزال مميت مفروض عليه كأنما بحكم الطبيعة، فأحسَّ بإرهاق مفاجىء وبعرق شديد تحت إبطه. بالرغم من ذلك، مد يده المرتجفة وتناول المسدس الذي كان لا يزال ممدوداً نحوه.  تفحصه قليلاً، لا من أجل أن يكتشف خفاياه ، بل من أجل تأجيل النزال ريثما يلتقط أنفاسه ويهدأ رجف يديه. نهض في النهاية ومضى نحو الجانب الآخر من الصالون. لكن الطبيب الشرعي لم يتوقف لحظة واحدة حيث كان يجب أن يتوقف ليوجه الرصاص أو يواجهه، بل سارع الخطوات وراح يجري صاعداَ الدرج العريض إلى الطابق العلوي ، يلاحقه الرصاص إنما لا يلحق به، وتوارى عن أنظار الجنرال.

وما كاد الطبيب الشرعي أن يدخل غرفة النوم ، التي لطالما نام فيها إلى جانب كاتي ، ويقفل بابها الخشبي الثخين حتى ترامى إلى مسامعه أزيز طلقة رصاص واحدة. تلك الرصاصة وضعت في الحال نقطة النهاية في حياة الجنرال المثيرة، لكنها ظ لت لغزاَ. قالت زوجته أنه انتحر وصدقها الآخرون بلا جدال. أما الطبيب الشرعي، فقد كان لديه أسباب الظن في أن كاتي هي التي قتلته.

بُعيد ذلك بنحو عام عاشه الطبيب الشرعي و كاتي الايرلندية في وئام زواج سعيد لا حاجة له بدوائر السجل المدني، عزمت هذه الامرأة الغامضة ، الخاضعة لتقلبات مزاجها خضوعها لوجدها المتقد في اقتناء الأحذية والزهور، عزمت بشكل مفاجىء على حمل حقائبها ومجوهراتها الثمينة النفيسة وأموالها الكثيرة ونبتاتها المتنوعة والانتقال الأبدي إلى مسقط رأسها- ايرلندا. ولم تكن كاتي لتشعر بحاجة أبداً إلى سرد مبررات وظروف رحيلها هذا. فما قالته للطبيب الشرعي، هذا الرجل الذي كان يُصارع بإرهاق حيرته فيما إذا كان يحبها حقيقة أم أنه يكرهها فعلاً أم أن الحب هو عملياً مزيج من الاثنين، لم يتعد كلمات معدودة:

- لقد أضحيت كسولاً و مملاً في سريري، نشطاً ومعطاءً في سرير غيري. هذه غلطة شكيب الذي دفع ثمنها عقدين أو ثلاثة من عمره المحتمل .

في الواقع، الطبيب الشرعي لم يجرّب مذاق الإخلاص لإمرأة إلاَّ في الفترة التي عاشها مع كاتي. وما كان الكسل في السرير إلاَّ من صفاتها في الآونة الأخيرة.

 

تقول كلمات النشيد:

هل أنا مسن؟

أبداً

أنتم المسنون

فليس للزمن أن يُطفئء روحي

ليس له أن يشيخني إطلاقاً

نعم... نعم

هناك بعض الناس لا يزدهر شبابهم يومأ

هناك البعض لا يشيخ أبداً

أما أنا، أنا في دائرة الشيخوخة

على أمواج العمر

أنا شباب دائم

وفي حديقة الحياة

أهوي كالفراشة على الزهور

ألثم رحيقها

ها... ها

لكنني لا أبقى في هذه الدائرة البديعة

لأنه أن تبقى يعني أن تشيخ

----------------------------------------------------

عودة إلى أعلى

 

يمكنكم تحميل الرواية كاملة بالضغط هنا بالزر الأيسر للفأرة، ومن ثم سجل تحت أسم.