E-mail                   Home

 


عيوب ليزا

( مواقع )

انتفضت "ليزا" في مكانها، فجأة، واستدارت نحو النافذة المشرعة على الحياة والآمل. قلت لها أنني حملت جثة الجندي المقتول بسلاحي على كتفي وانحدرت الجبل، فهربت بنظراتها عبر النافذة نحو الأفق المفتوح كصدر أم. حاصرتني، بعدئذ، في هامش اللقاء بصمت أفهمه ولا يفهمني. وضعت على سلوكي إشارة استفهام وعكفت على الوصال مع الله. شكرته وطلبت لي الرأفة والرحمة. محقة كانت، على نحو ما، ومجحفة على نحو آخر. فهي، في نهاية المطاف، فتاة معطاءة وباردة في آن فكأنها نبع ماء في بطن جبل. وهي، على أية حال، شفافة كلوح زجاج وجارحة كطرف منه منكسر. كادت أن تتورط معي في اللحظة الأخيرة؛ فتقاسمني أحلاماً وهموماً لم أحكها بعد، وشكلاً يحكي عن نفسه بنرجسية لا تنفع في حياة. حالفها الحظ إذن، وطالعتني اللعنة الموروثة من حكمة الأجداد. أذهلني جزعها المباغت. مع ذلك، أو لذلك، رسمتُ على الفرصة الطارئة علامات ضرب حمراء. لم أكن أقص لها من الخيال. أبداً. واقعي لوحة رسمها ألف جاهل؛ فما حاجتي بعدئذ للصعود إلى السماء بحثاً عن ألوان الغرابة؟ قلت لها مستدركاً نفاث الهموم، المُخزّنة كأسرار غامضة، من صدري:

لطفاً، تلك أوقات أخرى سحقها الزمن المارق عن الإرادة البشرية، المتحرك برتابة مملة في مساحات العيش الضيقة، فكأنه الشيطان الخارج من مقاسات الرحمة الإلهية. اليوم، أنا رجل أخر أو كأنني رجل آخر، في عالم آخر أو كأنه عالم آخر. معالم نفسي  في هذه الضائقة من المصير مشوهة ككلام الأخرس. هي لا تزال في طور التكوين فكأنها فكرة عقيمة تترصد لحظة الولادة، ولحظة الولادة لا تأتي. قد لا تأتي أبداً. إنها مشيئة الزمن مرة أخرى، هي التي تريد للمرء هرماً وعقماً تدريجيين.

عفواً، تلك أحوال أخرى، بعيدة كالذكرى الكالحة تحت شمس لا تغيب، تربصت بهمساتي، بكلماتي، وبحثت في مدائني المضاءة بنور الأمل الواهي وحسب، عن آله القوم، عن آله الأجداد. تغربت عن طفولتي في شوارع الطفولة الضيقة والتي لم تكن تتسع لزفيرين في وقت واحد، فكتمتُ أنفاسي، بل كتموها بإرادتي المحنطة كعين رضا على ثغر أبي المبتسم. وزنوني على كفة الخير وعلى كفة الشر ولعنوا إبليساً. هم يفعلون ذلك مع كل العباد الجدد فكأنهم يطهرونهم من مغبة الانفلات من دائرة الخضوع والخشية. لكن عباءة القوم مع ذلك، هي دون غيرها، ظلت تتفرد بحمايتي من جنون هوائكم المندفع كالقدر من بؤر الشمال المتجمد. إنها معضلة الحنين الأبله إلى الجذور التي خرج رأسي من بين تشققاتها كشرنقة هلامية من بيض يتكسر.

صفحاً، تلك طبيعة أخرى، اختزلت وجودي، ثم أعادت اختزاله، حتى لم يبق منه غير اسم في محضر مهمل عند أسوار المدينة المهملة. بل بقي شيء آخر؛ رؤية تائهة في مداراتها المنكفئة على ذاتها، لذاتها، كمحنة متجددة. لا بأس أن استرجعها من مسرح القضاء المنحط على رؤوس الغافلين عن صرامة صاحب الملك. ماذا أقول لك؟ ومن أين يمكن للقول الذي لا تعرف له نهاية أن يبدأ؟  تناتفنا الخبز بأسنان جائعة وتصارخنا كأننا في عزاء! تهامسنا وراء أبواب مقفلة كأننا في محفل نكاح حرام! تدافعنا في الطابور الطويل، مستسلمين كجند عرتهم المعركة من السلاح والثياب، وانتظرنا على محمل الجد والصبر أن نسجل عرفاناً لجلاد الحي وحراميها وحاميها من النبلاء المتصوفين، ومن أفكارهم العمياء من شدة النور.

-  كفاية، قالت وأضافت، هذيانك يحزنني.

لا أهذي يا سيدتي. لك قوم، وذاك قوم آخر، ينتعل أحذية صلبة وينحدر أبداً نحو العمق للبحث عن مخلفات سيول الأعوام الماضية. إلى هناك، كان والدي يصطحبني مقيد الذراع بقبضته العصبية الحديدية وصوته يتداخل مع صدى صراخ النساء الخائفات من جند الله والوطن. الشجاع يختبئ أيضاً، كان يقول. كل الرجال تلعب مع الحظ في مدائن الفوضى، فتنزل إلى هاهنا متطلعة كما إلى الأمل إلى السلامة، هكذا كان يبرر. لكنه لم يكن شجاعاً على أية حال. كان يفلسف الأشياء ليخبئ عيبه هذا، وليغرس في حديقتي الصغيرة فضائل العيش تحت وقع السلاح المتهور.

لا أخرف، ولا أحرف. لكم أعيادكم يا سيدتي، ولقومي المصلوب في الذاكرة كنبي أسلح نفسي به، وأعتد به، أعياده. أنهم أناس طيبون وبعض الطيب يثير الأسى ويستدعي الشفقة. أناس، أعيادهم في مآسيهم. أعيادهم هيام متسلط على الرجولة منذ فجرها. نموذج لا معقول من مسرح اللامعقول يطل على المارة من فوق أرصفة الحياة. يناديهم كساحر ذي صلات مهيبة ومشبوهة في آن. أعيادهم مباغتة أبداً فكأنها حلقة من حلقات الغيب. فثمة عيد تعلن عنه زغاريد أم جاهلة أمام باب موصد على بنت تُغتصب. وثمة عيد تفصح عنه رصاصة أخ في صدر أخت. وثمة عيد فرضته الدبابة التي زرعت الدمار في شوارع المدينة والبؤس في بيوتها. وثمة أعياد لآله الأرض وتماثيله. نعم، أرضهم المباركة لا زالت تنجب آلهة! هذه قصة أخرى لا شأن لي فيها مادمت لم أكن في يوم ما من عبدتهم وإن كنت في الحقيقة، قد نلت، بسبب ذلك، ألف ضربة على رأسي بعصا غضبهم. لكم أعيادكم، ولقومي عيد يبدأ بنحيب النساء على مسمع الأموات، وينتهي قبل أن ينتهي اليوم بالرقص على أنغام الموسيقى الصاخبة التي يعزفها الهواة.

- المآسي في كل مكان لمن أراد أن يراها، قالت بمحاولة للهروب من مشاعرها.

أعرف يا سيدتي، أن أنذل تجارة هي التجارة بالمآسي. لهذا أتجنب الحديث عن أخوتي الذين أخرجوا من جلودهم بحثاً عن مواطن العيب والبشاعة والإدانة في زنزانات بحجم قبر. لهذا لا أذكر لك زملاء قضوا بأقلامهم التي تطير منها الكلمات كدبابير فزعة. لهذا، أتحاشى الكلام عن أصدقائي الذين تمرسوا في دفع الأذى عن أنفسهم بالكلام المنافق أو بالصمت المنافق. لهذا أنافق، فأقول لك أنصاف حقائق كي لا تتهميني بالمبالغة أو بالكذب. فملتي، في نهاية المطاف، نساء ورجال سكارى بهموم الفضيلة المختبئة كنوايا حسنة بين طيات الكتب المتطلعة إلى الكمال. شلتي أفراد مرضى وقد ضاقوا ضرعاً بحياة وأحياء يكبلونهم ويروضونهم كحيوانات تُعد لألعاب سيرك مبتكرة.

أدرك يا "ليزا" أنني أعتدي بوقاحة جمة على هدوئك وطمأنينتك التي قاتل أجدادك بضراوة من أجلها. أعلم أنني غير لبق، وأؤكد لك أنني لست نبيلاً أيضاً. سلواي، إن كان في ورطتي هذه ثمة سلوى، أنني لم أتعلم من المعلم الأول، الأكبر، الأجهل، كيف أسجل النبل بحروف بارزة في هويتي، وكيف أضعه أمام اسمي وبعده، وكيف أدعيه وأفرضه وجبة يومية على ألسنة الناس، وكيف أتاجر به كسنابل قمح واعدة. رجل أنا قادته البراءة المتملكة لآفاق النفس من مأزق في الحياة إلى مأزق، من محنة إلى محنة، من فقر إلى عوز. رجل أنا تضيق بي الذاكرة لحصر عدد الأيادي التي صفعت طفولتي لتقومها. تراني كنت سيئاً إلى هذا الحد وغبياً في عمق ذاك الحضيض. عمي، الذي أخشى من الله أن أطلب له الرحمة منه، كان يوصفني على مسمع المارة: صبي فاسد كرائحة الحبوب المتعفنة في مخزن مقفل، ومسطول كالمخمور في نهاية السهر. لم يكن دقيقاً. كنت صبياً شقياً وحسب، ومهملاً كبيت يتهاوى بفعل نسمة. كنت أقلد الكبار كي أنال اعترافهم بأنني أصلح لشيء ما مع مرور الزمن. هل أذكر لك تلك الحيوانات الصغيرة التي علقناها، نحن الصبية التائهين على الدروب المحيرة، من رقابها على أغصان الشجر لنتباهى بقدراتنا و نتماهى مع الجنود الذين كانوا يخنقون الأصوات العالية  في ساحات المدينة؟ هل أحكي لكي كيف كنا نتلمس، نحن الأطفال المارقين على الظرف والأيمان، أطراف الشهداء لنتأكد من برودتها؟ وكيف كان يبحث بعضنا عن الرصاص الوطني في الصدور الممزقة؟ هل أكلمك عن الأستاذ الذي علمنا كيف نتكيف مع الذل وكيف نتطلع إلى إذلال الآخر؟ هل أقص لك ...

-لا تضف شيئاً، قالت وأضافت بحزم، حياتي غالية، ونفسي أيضاً. يجب أن أصونهما لا أن ألوثهما بعيوب الآخر. أريد أن أمضي.

- أما أنا فسأبقى هنا، متسلحاً بالصبر في انتظار مستمع أفضل.