E-mail                   Home

 


القدس العربي - رياض صيداوي

صدرت ، في الآونة الأخيرة ، رواية جديدة للكاتب السوري د.محمد الدروبي بعنوان " الرقص في هياكل الشرق " . وهي رواية أثارت جدلا كبيرا ، وتم على الفور منعها في الأردن وسحبها من الأسواق . رواية د.الدروبي تقوم على معادلة أدبية مقلوبة ، إن صح التعبير . فهي تدخل من باب الواقع إلى ساحة اللامعقول ، ولا تسقط من سماء اللامعقول على ارض الواقع ، و بهذا تسجل انفرادا وتجديدا في دنيا الأدب العربي . ومقارنة بروايته " السيد يلعب غميضة " ، يمكن القول أن هذه سارت بعكس اتجاه سابقتها من كونها تفتح صناديق ولا تقف مذهولة أمام صناديق عجيبة ليس لها أقفال ولا مفاتيح . فهي تفتح صناديق الإرث الأبوي المجحف بغير قصد ، وصناديق التقاليد الصارمة بحسن نية ، وصناديق الشهوة والحرمان ، وصناديق الساسة الهواة ، وصناديق الفقر الموروث قدرا ، وصناديق الغربة القسرية ومتاعبها وهمومها ، وأخيرا ، تفتح أسئلة لامتحان صمود الأخلاق في وجه الخوف والحاجة . القدس العربي ، بدورها ، التقت الروائي الدروبي لتفتح معه صندوقه الخاص من خلال الحوار التالي :

-    منعت السلطات الأردنية روايتك " الرقص في هياكل الشرق " . ترى أين هي المشكلة ؟

-   ربما لا أكون أنا العنوان الصحيح لمثل هذا السؤال . لأنني ، في واقع الأمر ، لا أعرف ، ولا أفهم كيف يخطر ببال إنسان أن يمنع كتاب . أنني أسف حقا لمثل هذا الأجراء ؛ مرة لأنه يجسد اعتداء على الكيان الكتابي أي كان ؛ ومرة لأنه متجن وغير مدروس، ومرة ثالثة لأن هذا حصل في الأردن ، البلد الذي يضع اللبنات الأولى للبناء الديمقراطي والانفتاح الحضاري . إدارة المطبوعات والنشر في عمان تذكر بعض المسائل ذات الطابع الديني كسبب لمنع الرواية . إن هذا أمر غير معقول وغير مقبول . فالرواية لا تمس الدين . أخاف قبلا أنها تمس العقول قليلة الإيمان ، وليس الدين بذاته .

-   أفهم من هذا أنك تنكر ما جاء في قرار المنع من أن الرواية تحمل مضامينا منافية للمعتقدات الدينية وللقيم السائدة في المجتمع ؟

-   لنكن واقعيين ، ولنكن مباشرين ، ولنكن عقلانيين . إن القيم الحقيقية قادرة على الدفاع عن نفسها في وجه كتاب ، بل في وجه تيارات فكرية كاملة . واعتقادي أن القيم المتراكمة اجتماعيا ؛ المكرسة عامة، لا تتأثر بقول أو بكتاب . على العكس منها ، القيم التي تحتاج إلى جنود متطوعين ، والى حراس ، هي قيم بائدة أو على قيد ؛ هي قيم مفتعلة اكثر منها عفوية أو حقيقية ، ومصيرها الزوال بزوال الحماة . فالقيم التي لا تستطيع أن تحمي نفسها أوان رحيلها آن . أما بخصوص المضامين الدينية ، فأنني أستغرب الأمر . الرواية ليست لها طابع ديني أصلا . لا تتحدث عن دين أو عن رموز دينية أو عن معتقدات دينية ، فكيف يصح أن نمنعها باسم الدين ؟ ثم ، هل يمكن لمؤمن حقيقي أن يخاف على كلام الله وأرادته من كلام إنسان وأرادته؟ أن مثل هذه المخاوف هي أصلا منافية للدين ولمبادئ الإيمان .

-   هل لك أذن ، أن تحدد لنا بدقة أكبر القيم التي تعرضت لها لرواية والتي تراها بحاجة إلى حراس وجنود ؟

-   ربما أنني أسأت التعبير فأسأت الفهم . الرواية لا تتخذ من قيم بذاتها محورا لأحداثها وتطوراتها . لكنه ، وكما هو معلوم ، ما من سلوك إنساني ، ما من فعل أو ردة فعل إنسانية إلا متأثرة قليلا أو كثيرا بالنظام القييمي الذي يتحرك الفرد في إطاره . الشخصيات في الرواية لا تخرج عن هذه القاعدة . تحركها ، بين أشياء أخرى ، قيم شخصية وقيم إجماعية ، قيم عامة سامية وقيم خاصة ليست على هذا القدر من الرفعة ، قيم محروسة وقيم حارسة . أنه القدر الإنساني أن يخضع للعناصر المتشابكة ، المتقاطعة ، لكنها المتضاربة في أحيان كثيرة . من خلال هذه المعطيات ، الشخصيات الروائية تلعب دورها في الحدث الروائي الذي يتخذ محورا غير القيم التي يتحدث عنها قرار المنع ، وهدفا غير استنتاج الإدانة المستعجلة .

-   برأيك ، هل هناك أسباب أخرى ، أسباب كامنة وراء قرار منع الرواية في المملكة الأردنية الهاشمية غير الأسباب التي ذكرها القرار ؟

 -  يجب أن اصدق ما ورد في القرار . بالأحرى ، أرغب أن اصدق   أسباب المنع الواردة في القرار . لكنني في نفس الوقت غير مقتنع بها. باعتقادي إنها أسباب لا تكفي لمنع كتاب في زمن الانترنيت.

-   الرواية جريئة . هل أن أقامتك الطويلة المستمرة في أوروبا ساعدتك على تبني وجهات نظر تمس قيم المجتمعات العربية ؟

-   قيم المجتمعات العربية مصانة ، شئنا هذا أم أبينا . إنما ضعفاء الأيمان بقيم المجتمع هم الذين يكفرون عن ذنوبهم ويحاول طمأنة الضمير . الرواية لم تتعرض لقيم المجتمعات العربية التي لا يتعرض لها الكتاب المقيمين هناك . إقامتي في الغربة فترة طويلة جعلتني اكثر تمسكا بالقيم العربية . ويجب أن اذكر هنا أن القيم (العربية) نوعين، واحد يتشكل كردة فعل ، عفوية أو عاطفية ، ويتراكم في النفوس مع استمرارية الظرف أو الفعل الذي أدى إلى نشوءه . وهذا النوع من القيم هو استهلاكي محض ؛ قد لا يخدم الإنسان في حين أن الإنسان يخدمه . هناك القسم الآخر المتراكم تاريخيا ، عاطفيا وعقلانيا ، كضرورة للتعايش الاجتماعي ومؤشر للسلوك الاجتماعي . وبالطبع نخطأ حين ننكر على المجتمعات الخطيئة على الصعيد القييمي . ونضاعف الخطأ حينما نضفي عباءة من القدسية على بعض القيم . قيمنا خلقناها نحن ، ونحن نناقشها ونعدلها ونصلحها لتخدمنا على وجه أحسن .

-   لنصيغ السؤال بطريقة أخرى ، غربتك الطويلة أدت إلى اغترابك أيضا عن المجتمعات العربية وقيمها ، وبالتالي أتت كتاباتك خارج الخطوط الحمراء التي تفرضها المجتمعات العربية ؟

-   الخطوط الحمراء في بلادنا كثيرة ؛ أكثر مما يحتمل الإنسان . في كل حقل من حقول النشاط خطوط حمراء ، غالبا في غير مكانها السليم. خطوط حمراء في السياسة وفي الإبداع ومثيلهما يحرم ويجرم تجاوزها . لكن تجاوز الخطوط الحمراء في الفقر والجهل ومثيلهما أمر مقبول وليس من مذنب وليس من عقاب . أنها لمفارقة مؤلمة.

-   دعنا ننتقل إلى الرواية ذاتها . فقد لفت انتباهي فرنسي حكيم ، أو هكذا يبدو . أردت أن أقول ، ما هو دوره ، ما هي خلفيته ، ما هي مضامينه؟

-        دوره واضح في الرواية ، أو هكذا يبدو لي . وكذلك الأمر بالنسبة لخلفياته ولمضامينه .

-   لننتقل إليك شخصيا . أنت سياسي مرتد أن صح التعبير وزاد التسامح ، مرتد عن الأيمان بمردود العمل السياسي على الصعيد الشخصي . وهذا أمر أكدته في الرواية من جديد ؟

-   لقد تعلمت ، وكنت يومها صغيرا ، أن السياسة هي بمثابة الخدمة المجانية لأهداف اجتماعية وإنسانية نبيلة . ثم اكتشفت ، عندما كبرت، أنني كنت مبالغا بخيالي وبتطلعاتي . لقد تخليت عن الممارسة السياسية التي أظهرت لي بلا شفقة عُقم التطلعات النبيلة في فهمي للدرس السياسي الأول .

-   أنت مرتد أيضا عن علم السياسة . درست ودرّست العلوم السياسية ، وقدمت فيها بحوثا ودراسات قيمة ، ثم تحولت إلى الأدب ؟

-   هذا كلام غير دقيق . ما في الأمر أن العلوم السياسية لم تعد تشغل كل وقتي المخصص للقراءة أو الكتابة أو البحث .

-   في الرواية إدانة للمعارضة ( السورية ) لا تقل عن إدانتها للسلطات المتعاقبة ، ألا ترى معي أنك قد ظلمت؟

-   المسألة لا تكمن في المعارضة تحديدا . فهي لم تسقط علينا من السماء وفيها رحمة المطر للأرض العطشى أو لعنة البرد في الربيع .. المعارضة نتاج مرحلة تاريخية محكومة بظروف مادية وروحية ذات بأس وسلطان . إن للمعارضة نسب هو ذاته نسب السلطة القائمة، ونسب الحركات السياسية أي كانت تمتدا عميقا في تربة المكان وفي فضاء الزمان .

-        لكن يبدو لي أن ثمة إدانة واضحة ، من قبل المعارضة ، لما تسميه هي التفرد بالسلطة ؟

 -  الإدانة شيء والعمل على إزالة السوء شيء آخر . أن بعض أقطاب المعارضة السورية فقدت مصداقيتها بالملموس وبالتجربة وبالواقع . لكنها، مع ذلك ، لا تزال متشبثة بمواقعها كآلهة قديمة يعز عليها الرحيل . بعض القيادات مستمر في تحريك دفة المعارضة منذ اكثر من ثلاثين عاما ، دون ترشيح حقيقي ، دون انتخابات حقيقية ، فلماذا إذن نلوم من يستطيع إلى هذا سبيلا ؟ هي ستستمر على رأس المعارضة إلى أن يطلبها الله للحساب ، فلماذا إنكار هذا على الرفاق القدماء ؟ هي قاتلت بطرق شرعية وبطرق غير شرعية فلماذا تلعن من فعل هذا من الشلة القديمة ؟

  -  أتنكر على المعارضة السورية تطلعها لبناء نظام ديمقراطي ؟

-   الديمقراطية ليست تطلع ، ليست رغبة ، وليست سمة إنسانية . أنها حق طبيعي للقيام الاجتماعي . حق اغتصبه الإنسان الفاسق ، الإنسان الكافر بالتعايش الاجتماعي وأحكامه وضروراته . إنها حق مسلوب من حقوق المؤسسات الاجتماعية . هناك علاقة غافلة أو تُستغفل من قبل السلطة ومن قبل المعارض ومن قبل الوعي السياسي العربي العام . سلطة الفرد ، سلطة الأفراد ، لا تخدم ولو قليلا حق المجتمع الطبيعي ، أي الديمقراطية . الديمقراطية الحقيقية هي سلطة المؤسسات . المعارضة السورية تتكلم عن الديمقراطية التي سيصنعها الأفراد ، عن المؤسسات الديمقراطية التي سيصنعها الأشخاص لا عن المؤسسات الديمقراطية التي تصنع الأشخاص الديمقراطيين . أن سلطة المؤسسات ولو اشتدت ارحم وأكثر ديمقراطية من سلطة الأفراد مهما خفت ولانت ورحمت وتسامحت . بل التسامح بهذا المعنى هو أيضا منافي للديمقراطية . فالتسامح صفة بشرية بينما الديمقراطية مميزة مؤسساتية . المؤسسات واللوائح والأنظمة لا تسامح ، ويجب ، تعزيزا لدورها الديمقراطي ،أن لا تسامح . البشر هي التي تسامح ، والبشر لا تجسد الديمقراطية إنما تمتثل لها .

-  على هذا ، لا بد من افتتاح مدارس لتعليم السياسيين العرب أصول الديمقراطية وفق قول أحد الدبلوماسيين العرب ؟

-   لا أعتقد أن الديمقراطية هي معلومات للتخزين أو للكسب . هي سلوك تتحكم فيه التنشئة النفسية . هو تراكم من المؤشرات النفسية ينظم السلوك اليومي .

رياض صيداوي