E-mail                   Home

 


صحيفة الزمان

لم يمضي سوى أسابيع قليلة على صدور رواية " الرقص في هياكل الشرق " للروائي السوري د.محمد الدروبي، حتى سارعت السلطات الأردنية إلى مصادرتها. وكانت إدارة المطبوعات الأردنية قد أصدرت قرارا يمنع رواية " الرقص في هياكل الشرق " من التوزيع أو البيع أو التداول في المملكة، وبررت قرارها بالقول أن الرواية تمس الدين مسا مباشرا وتتعرض لقيم المجتمع الأساسية.  "الزمان " التقت صاحب الرواية، د. الدروبي، وطرحت علية مجموعة من الأسئلة :

-    الأصوات العربية المطالبة بالديمقراطية والانفتاح تتعالى وتتعاظم. في نفس الوقت منع الكتب والتضييق على الكتاب يتزايد !  فكيف هذا ؟ إلى أين ؟ إلى متى ؟

-   الديمقراطية قدر تاريخي لا مفر منه على المدى الطويل. التاريخ لا يُأخذ بالصراخ ولا يصغي للنداءات. الأصوات المتعالية لا تصنع التاريخ ولا تضع لبنة واحدة في مقدراته. إنما الوعي بالحق، الوعي بالذات، بغض النظر عن المضامين، هو الذي يخط خطا في مسار التاريخ. وكما أن الأصوات لا تصنع التاريخ، فأن القرارات لا تمنع الفكر ولا تمنع الأفكار إلا حينا، إلا مؤقتا، إلا تعسفيا. إن منع الأفكار، إن التضييق على الكتب والكتاب أشبه ما يكون بصراخ العاجز ؛ بل هو صراخ العاجز عن فهم الزمن، عن الانفتاح على الأخر وعلى الزمن. أنه انهزام أمام أقدار الزمن، أمام الآخر. أنه تحايل على أحوال الذات والزمن. القرارات تُحاصر الأفكار، لكنها يقينا لا تمنعها، خاصة لا تمنعها في هذا الزمن، زمن الأقمار الصناعية والانترنيت.

-    قد يكون عصر الحتميات التاريخية هو الآخر قد ولى وحل محله عصر رسم التاريخ. السؤال إذن، ألا يحق للمجتمع، للجماعة الاجتماعية من حماية نفسها والدفاع عن قيمها ومثلها ؟

-   الذي يرسم بيتا على الورق لا يملك بيتا. أن صناعة التاريخ لهو ضرب من ضروب العبث إذا لم نأخذ بالاعتبار المقومات الأساسية للمشاريع المحتملة. لا نستطيع أن نبني سفنا من ورق. بهذا المعنى المحتمات التاريخية هي مجمل الظروف القائمة، المعطاة ، الفاعلة في حياة الجماعة والأفراد، والحتمية التاريخية تتجسد في المسار الذي تفرضة تلك الظروف، تلك المعطيات. ومما لا شك فيه أن الكيان الاجتماعي مدعوا للحفاظ على مقوماته وللدفاع عن كينونته. إنما السؤال الذي يستحق الطرح، الدفاع ممن ؟ من أبناءه !؟ هذه هي معضلة مجتمعاتنا العربية، تخاف على نفسها من أبناءها. ولكي لا نظلم، المجتمعات العربية رحبة الصدر، لكن القائمين عليها، بالوراثة وبالسلاح في الغالب، هم الذين ينتقصون من قدرها ومن قدر أبناءها.

-    من أين للفرد، ابن المجتمع أو غيره، كاتب أو غيره،  الحق في المس بقيم الجماعة ومهاجمة معتقداتهم ومقدساتهم ؟

-    أنا أتساءل معك نفس السؤال. أتساءل دائما، أتساءل بمرارة : من أين للفرد الحق في امتلاك الحق المطلق في الحقيقة المطلقة؟ في امتطاء ظهر القانون ؟ في تطويع القوانين واللوائح وفق المزاج والمصلحة الذاتية المباشرة ؟ في الاعتداء على حرية الأفراد، وعلى حياة الأفراد ؟ في منع كتاب وإدانة كاتب دون محكمة ودون شهود علم ومعرفة؟ استغرب معك أيضا، أن يحمي مجتمع قيمه بمنع الكتب، لكنه لا يحمي أبناءه من الجهل ومن الفقر ومن المرض ومن الجريمة ومن الخرافة، ومن غيره من ضروب التوجهات العبثية. في مجتمعاتنا العربية، أسمى القيم الاجتماعية والإنسانية هي ذاتها القيم الأكثر هتكا ومسا : الحياة، الحق، الحرية، الأمان، العمل، العلم، الكرامة... وحتى الحب، وهو مشاعر شخصية بحتة، يتعرض للصلب والجلد. أن الانحطاط هو وحده الذي يَمثُل أمام الرؤية حينما نعلم أن نسبة الأمية في مجتمع ما تصل إلى اكثر من أربعين بالمائة، في نفس الوقت، ذات المجتمع يمنع كتاب ويدين الإبداع ويحاصر كاتب. الأولى بهذه المجتمعات، وبمؤسساتها، أن تشن الحرب على الجهل لا على الكتب، على الجهلة لا على الكتاب.

-    من وجهة نظر الرقابة الأردنية، يمكن استخدام كلمة استنكار بدل كلمة حصار. فقرار المنع لم يبتغي حصار روايتك من أجل الحصار، بل إدانتها واستنكارها لما حملته من مضامين تسيء للدين ولقيم المجتمع.

-    المجتمعات العربية عموما بحاجة ماسة إلى خطوات جريئة ؛ بحاجة إلى رفع الوصايا عن الكتاب، وعن القراء – بين أشياء أخرى. عهد الوصاية عهد بال ولا يمكن ترميمه، ولا يمكن الاستفادة منه. شعوبنا ليست قاصرة إلى هذا الحد، إلى حد وجوب الوصاية. وأنه لأمر مخجل أن نعتقد بأن شعوبنا بحاجة إلى ولي أمر، ومخز أن ننصب أنفسنا أوصياء. الوصاية أمر رفضته الشعوب والمجتمعات العربية في بدايات القرن الحالي، وبعد ذلك، وقبل ذلك. الوصاية أمر ترفضه الشعوب العربية اليوم. لكن، من يسألها ؟ من يسمح لها أن تقول وتصرخ ؟ الوصايا على الشعب يقوم على افتراض أن الشعب قاصر. افتراض معيب. ألا يكفي شعوبنا من مهانة تلاقيها في سعيها لخبز يومها، فنضيف لها واحدة جديدة، احتقار جديد ؟ أن عدم الثقة بشعوبنا وبوعيهم وبقدراتهم التمييزية يجردنا تلقائيا، معنويا وأخلاقيا، من الحق في الحديث باسمهم، بتمثيلهم. ودعني هنا اذكر قول أحد المسؤولين العرب في برنامج تلفزيوني مباشر، حيث قال : شعوبنا لم تنضج بعد للممارسات الديمقراطية ! أية إهانة للشعب إهانة هذا الرجل ؟ وأي صمت صمت الشعب هذا ؟

-    وهل برأيك يمكن لمجتمع ما أن يقوم ويستمر دون مؤسسات ودوائر تشرف على الحياة العامة وتنظمها ؟

-    بالطبع لا. إنما الأشراف على الحياة العامة شيء والسطوة على الحياة العامة ومقدرات الشعب  شيء آخر. الأشراف على الحياة العامة لا يقوم على إرادة المؤسسة وإنما على تجسيد إرادة الشعب، لا يقوم على علاقة عمودية، المؤسسة فوق والشعب تحت. المؤسسات يجب أن تتجسد على يد الشعب وتجسد تطلعاته، وليس لها ديمومة أو صفة قانونية إلا بمقدار ما تقوم على حملها هذا. الحاصل في العديد من البلدان العربية أن هناك سطوة على الحياة العامة، أن هناك انتحال لصفة تجسيد إرادة الشعب، أن إرادة الشعب تأتي بتشخيص من القمة. المسؤول الأعلى اعلم بإرادة الشعب وتطلعاته من الشعب ذاته ! أنها دائرة الوصايا الرعناء ذاتها.

-    اعتقادي، أن قرار منع روايتك في الأردن لا يتعارض مع إرادة جماهير المسلمين، فهي تمس معتقدهم في النهاية.

-    الرواية الممنوعة في الأردن لا صلة لها بالدين. والاتهامات الموجهة إليها لا صلة لها بالدين أيضا. الرواية لا تعالج حالات أو مقولات أو مفاهيم دينية مركزية. ثم إن قليلي العلم الديني، قليلي الحرص الديني، وحدهم يجدون في الدين نسبا ومبررا لما يسمى "جرائم الشرف" المعيبة والتي تدينها الرواية بشدة. الرقابة الأردنية تعتبر القول الوارد في الرواية " ليس بوسع أحد أن يصون الحب والجنس بالرصاص " اعتداء على الدين من جملة اعتداءات ! وحدهم الجهلة بالدين وعلومه وتعاليمه يرون أساسا دينيا لقتل المرأة – دون الرجل – لمجرد شبهة، لمجرد شائعة.  هؤلاء ذاتهم لا يجدون الشجاعة للدفاع عن كرامتهم الحقيقية وكرامة المرء عمله، لصيانة  شرفه الحقيقي وشرف المرء عدله وحقه وحريته وصدقه ومروءته. أن تبرئة هؤلاء المجرمين القساة، الذين يقتلون بناتهم وأخواتهم ونسائهم، هو اكبر كفر عرفه التاريخ الإسلامي. أين الشهود الأربع كي نجلد ؟ لا يوجد شاهد واحد ونقتل! أنها مغالاة على إرادة الله، أنه الكفر، أنه تجاوز لحدود الدين باسم الدين.

-    لكن ليس هذا هو سبب منع الرواية، هناك أسباب أخرى، حقيقية أكثر وأهميتها اكبر ؟

-    هذا واحد من أكثر من عشرين  قولا في الرواية أُعتبر مسيئا للدين. المؤسف أن النقاط الأخرى اقل تقاطعا من هذه مع الدين. قل قولا، أي قولا، وسأجد له صلة بالدين إن شئت. لكن مثل هذه الصلة ستكون في رأسي وليس خارجه، ستكون في منطقي وربما مقتصرة عليه. الحاصل أن الرقابة الأردنية فسرت روايتي في ضوء إرجاع المفاهيم الفكرية الإنسانية- الاجتماعية إلى الجذر  الديني. فهي كثيرا ما تخلط بين الموروث الديني وبين الموروث الحضاري، بين المنطلق الديني وبين المنطلق الحضاري. كما أنها نسبت بعض العادات وبعض العيوب السائدة في المجتمع إلى الدين. يجب تحصين الدين من عقد المعقدين ومن تفسيرات الجهلة. فالإساءة للدين غالبا ما تكون عظيمة عندما ننسب إليه أشكالا من الوعي البشري المحكوم بالمكان وبالزمان وبالحالات النفسية. تحميل الدين ما لا علاقة له به، شحنه بالمعطيات الحضارية البشرية، إساءة له كبيرة.

-    أفهم منك أن قرار المنع هو تجني على الرواية. لكن لماذا قد تتجنى الرقابة الأردنية على روايتك ؟

-    لا أعتقد أن التجني هو ردة فعل واعية إلا في حالات قليلة ونادرة. حتى إذا ما وقعت في هذا الإطار يصبح من الممكن نعتها بالظلم المقصود وبالجور المستهدف. التجني قد يأتي نتيجة عدم إلمام كاف بحيثيات الأمر. قد يكون في أساس التجني الجهل، وقد يكون في أساسه، التزمت، الانغلاق أو غيره، فالتجني هو ردة فعل لها جذور وظروف في البنية النفسية للمتجني قبل أن يكون لها مبررا حقيقيا في الواقع. إن قراءة في أسباب منع الرواية ليؤكد جهل المانع بتعاليم الدين الحقيقية، مثلما يبين عدم قدرته على فهم رسالة الرواية الإنسانية. فهل من الحكمة أن نمنع صوتا مطالبا بصيانة الكرامة الإنسانية، بالحفاظ على حياة البشر وعلى حريتهم وعلى حقوقهم وعلى مستقبلهم وعلى عواطفهم ؟ هل مثل هذا الصوت يتعارض مع الدين ؟ يقينا لا،و ليغفر الله للرقابة الأردنية جهلها بأمور الدين.

-    الرقابة الأردنية ترى أن الرواية تسيء للأخلاق أيضا، فهي تحتوي على وصف مسرب لحالات عشق وعلى تعابير غير لائقة.

-    ليس بهذا الحجم وليس بهذا الشكل وليس بهذه الطريقة حتى يستوجب منع رواية. من ناحية أخرى، الحديث عن لحظات عشق ليس حديث عن اكتشاف جديد، عن اختراع جديد، عن بدعة جديدة. لحظات العشق التي تشير إليها، هي ممارسة يومية، ممارسة عامة، والأهم من هذا هي ممارسة طبيعية ؛ بل وضرورية لصفاء النفوس وسلامتها. ومادام الأمر واقعا، مادام شأنه حقيقي وكبير، فأن الحديث عنه أمرا واقع هو الأخر. الكتمان ليس له علاقة بالأخلاق، قبلا له علاقة بالتملق وبالكذب.

-    مع ذلك يظل الحديث عنه، من حيث المبدأ الذي تتبعه الرقابة عامة، حديثا يخدش الحياء العام.

-   الحاصل في العالم العربي أن هناك خلط في المفاهيم وخلط في الفهم، التباسا في التعابير والتباسا في معانيها. لا يخدش الحياء العام أن نرى رجلا متمددا في الشارع يتضرع جوعا. لا يخدش الحياء العام أن نرى طفلا يذهب إلى العمل بدل أن يذهب إلى المدرسة. لا يخدش الحياء العام أن يتم انتخاب رئيس بنسبة 99،99 بالمائة من الأصوات. لا يخدش الحياء العام أن نتبجح بالديمقراطية ونسجن الديمقراطيين، أن نصرف عشرة بالمائة من الميزانية العامة على التعليم ونسجن ونهجر ونطارد المتعلمين. لا يخدش الحياء العام أن نظل خمسين سنة عاجزين عن استرداد القدس ومقدساتها الدينية ونمنع كتاب لأنه، بتخيل المتخيلين، يمس الدين. لا يخدش الحياء العام أن نرى أطفالا عرب يموتون من الجوع ومن قلة الدواء ولا نمد لهم طعاما ولا دواء. في نهاية المطاف، لا يستطيع شخص ما أن يكرهك على سماع ما لا ترغب، فلماذا تكره الأخر على عدم سماع ما قد يريد سماعه. ثم أن الكاتب  لا يكره ولا يستطيع أن يكره أحدا على قراءة ما يكتب. فهناك اختزال اجتماعي تلقائي يجب تفعيل دوره لتحديد مكانة رواية ودورها، مكانة راوي وحدوده. بإمكان من لا يعجبه كتابا ما أن لا يقرأه، ألا يتعرض لمضامينه. لكن ليس من حقه أن يمنعه عن الآخرين، عن الذين يريدون التعرض إليه. الكاتب لا يحمل كتابه إلى الشارع ويقرأه على مسامع من يريد ومن لا يريد. على العكس لا بد من الذهاب إلى المكتبة، ودفع ثمنا للكتاب، حتى يتسنى قراءته. أليس خدشا للحياء، والحال هذه، أن نعتبر كتابا ما يخدش الحياء ؟

-    أسألك في الختام، منع الكتب قائم في معظم دول العالم، فلماذا ننكر هذا الحق على بلداننا ؟

-    ربما كان من الأصح القول أن الكتب بالمطلق، بمختلف أنواعها ومضامينها، مسموح بها في معظم بلدان العالم، فلماذا تمنعها بلداننا العربية ؟ اكثر من ثلثي كتب العالم تصدر في أوروبا وأمريكا، ومع ذلك عدد الكتب الممنوعة في هذه الدول لا تتعدى عدد الأصابع. العالم العربي يطبع اقل من اثنين بالمائة من كتب العالم، ومع ذلك الكتب الممنوعة تكاد تتغلب على الكتب المسموح بها.الرقابة على المطبوعات مؤسسة غير موجودة عادة في البلدان الأوروبية وأمريكا. وعندما يتم نشر كتب يسيء لطرف أو لجهة، فأنه يمكن للطرف المتضرر أن يرفع دعوة قضائية. يمكن أن يكسبها أو يخسرها. يمكن للكاتب أن يوكل محاميه وان يدافع عن نفسه. الفرق إذن من الأتساع بحيث يستحيل المقارنة.