E-mail                   Home

 


الروائي محمد الدروبي " للحياة " : القانون مدعو لحماية الكتب والكتاب من لا شرعية الرقابة

" الرقص في هياكل الشرق " هو عنوان رواية جديدة للكاتب السوري محمد الدروبي؛ صادرة مؤخرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.  هذا العمل الروائي المتميز أثار ويثير أراء جد متضاربة وجد متطرفة.  يذهب البعض إلى اعتبارها صادقة مع الزمن، صادقة مع الظرف، صادقة مع الواقع، صادقة مع النفس، تدفع غير المتسائل إلى التساؤل والمتسائل إلى مزيدا من الجرأة والتمحيص.  يصنفها البعض الآخر ضمن الروايات التي تتمرد بلا اعتبارات عامة على أحوال المجتمع العربي، وتنتقد قيمه ومعتقداته الساسية.  الرقابة الأردنية أخذت على الرواية مسائل عديدة واعتبرتها - من بين أشياء أخرى - مناهضة للدين الإسلامي وتمس المفاهيم والقيم الدينية مسا مباشرا.  على هذا الأساس تمت مصادرتها وتم سحبها من الأسواق الأردنية. ادارة المطبوعات في عمان أصدرت قرارا يمنع بيعها أو تداولها في المملكة.  "الحياة" التقت الكاتب محمد الدروبي وسألته :

-   كيف تقيم أنت روايتك الأخيرة الرقص في هياكل الشرق " ؟

-   لا أعرف إذا كان بوسع كاتب ما أن يقيم عمله بحيادية، بموضوعية، بجدية. قد يرتاح لعمل أكثر من آخر، قد ينجذب، عاطفيا أو فكريا، لعمل أكثر من آخر، إنما في نهاية المطاف، الأعمال التي لا يقيمها عاليا لا ترى النور عادة.  لا أستطيع أن أقيم روايتي، لكنني أعتز بها بشدة.  

-  هل تستطيع أن تصفها لنا إذن ؟

-   أن أصفها ؟ نعم. . ربما يمكن القول إنها استنكار لأثواب بالية، لأقنعة عتيقة، تنتقل معنا نحن العرب من تنكر إلى تنكر ومن قرن إلى قرن.  إنها استنكار لمفاهيم خارج الزمن وخارج العقل ؛ مفاهيم تتحكم بأمور الإنسان ولا يتحكم بها، تخدمه ولا يخدمها.

-   السلطات الأردنية المختصة تذهب أبعد من هذا، وترى أن الرواية تتعرض للمعتقدات الدينية ولمفاهيم الإسلام، وعلى هذا صُدرت وتم حظرها في المملكة ؟

-   الرقابة على المطبوعات، بشكل عام، هي ظاهرة معيبة إلى حد ما ؛ ظاهرة غير طبيعية وغير حضارية.  الرقابة تعني حرمان الفرد والمجتمع من الاطلاع بنفسه على المعطيات الفكرية المعنية ومن إبداء رأيه فيها وفق فهمه للأشياء.  الرقابة في العديد من البلدان العربية تلعب دور الفرد في اختزال الأفكار والمفاهيم، وتمارس الأبوة على أفراد المجتمع " القاصرين " !.  فأي عيب هذا أن لا نثق بأبنائنا وبقدرتهم على التمييز بين الصالح وبين الطالح، بين المقبول وبين المرفوض، ونقوم بحمايتهم من الأفكار.  إنه شيء محزن أن تكون ثقة السلطات بمواطنيها وبوعيهم وبقدراتهم العقلية على هذا المستوى من الابتذال، وأن تبني معهم علاقة هي على هذا المستوى من الرعاية الرعناء.

-   لكن الرواية لم تحترم الإرادة الجماعية، وبخاصة لم تحترم المشاعر والمعتقدات الدينية وفق قرار المنع، وبالتالي منعها كان بمثابة الصيانة المبررة للمشاعر العامة.  

-   قرار المنع مجحف وغير مسؤول.  مجحف لأنه يفسر الرواية بطريقة غير عقلانية وغير معرفية وغير مقبولة.  مجحف أيضا لأنه يرتكز على فهم الرواية فهما ذاتيا، يكاد أن يكون جاهلا، ويدخل إلى بنائها من أشد مداخل الفهم ضيقا وانغلاقا.  فالرواية لا تمس الدين بحال وأن كانت ربما تمس قليلي الدين.  وأنه قرار غير مسؤول من كونه لا يرتكز على اسس حقيقية وعلى إدراك متريث وسليم.  هو قرار غير مسؤول من كونه ايضا يسيء لسمعة الرواية ولسمعة الكاتب من غير وجه حق وببساطة مخزية. أن تدين رواية إسلاميا يعني أيضا أن تدين الراوي إسلاميا. وهذا أمر خطير وأجراء غير مسؤول من قبل الرقابة الأردنية.  وأنني أدعو إلى إيجاد قوانين تحمي الكتاب والكتب من لا شرعية قرارات الرقابة، وتحميهم أيضا من أخطاء هذه المؤسسة ومن تفسيراتها السريعة اللامسؤولة.  أنهم، ببساطة، يدينون كاتبا ما بأشد الإدانات قسوة وليس من دفاع وليس من مسؤولية وليس من عقاب.  إنها مفارقة لا يقبلها منطق ولا يغفرها دين.  

-   لنعود إلى الرواية بذاتها.  بدا لي كما لو أن الكثير من أحداثها قد تتقاطع مع أحداث حياتك، تراني إلى أي حد مصيبة ؟

-   لا أعتقد أن أحداثها لها علاقة ما بأحداث حياتي.  أحداث الرواية من صنع الخيال المحض، وكذلك الشخصيات.  على العكس من هذا، تجاربها تطل على تجاربي، تطلعاتها تتحالف مع تطلعاتي، وهذا شيء لا مفر منه لأي كاتب يرمي إلى الانسجام بين ذاتيته المعرفية والنفسية والانفعالية- العاطفية وبين ما يكتب.  ثم أن هناك أمكنة الرواية التي لا تخرج عن نطاق أمكنتي، وهناك تنقلاتها التي لا تتجاوز تنقلاتي.  ربما هذا قد يوحي بأن لها علاقة ما بأحداث من حياتي محتملة.

-   على ذكر الأمكنة، هي متنوعة متبدلة في الرواية، وكذلك المؤثرات الحضارية.  هناك أيضا تزاوج بين الأمكنة الجديدة والمحمول الحضاري القديم وبالعكس، أي بين الأمكنة القديمة والمكتسب الحضاري الجديد ؟ ما هي الحكمة المبتغاة من ذلك ؟

-   إن المؤثرات الحضارية ديناميكية متغيرة في المكان ذاته، مختلفة في المكان المختلف.  الجمود في الظرف الحضاري، في البيئة الحضارية، في المتغيرات الحضارية، هو جمود الحياة والوجود، وهذا أمر أشك في أن يكون ممكنا.  تغير المفاهيم أيضا هو واحد من سنن الحياة، والذي يجب أن نقبله ونتعايش معه ابتغاء الحفاظ على هارمونية الحياة وعلى طبيعة الإنسان وفكره.  لا يمكن تعليب الأفكار والمفاهيم.  لأن هذا شيء ضد القانون القدري ويتنافى مع طبيعة الإنسان المتطلعة دائما إلى مزيد من المعرفة وإلى مزيد من اليقين بالسبل الأفضل إلى حياة أنسب. إن المفاهيم والأفكار التي تبقى في مكانها وفي زمانها تفسد، ذلك أن للزمن أحكامه التي لا مفر منها، وللأجيال أيضا أحكام لا هروب منها. تغيير الأمكنة في الرواية لا يبتغي إذن خلق حالة غير قائمة أو غير معتادة، أنه على العكس، يمثل حركة طبيعية في داخلنا في أمكنتنا في أزمنتنا، إنه يمثل حركة الإنسان عبر التاريخ.  ليس الغريب أن نغير الأمكنة والمؤثرات الحضارية، الغريب أن نبقى في أمكنتنا وفي أزمنتنا وتحت رعاية الأفكار والمفاهيم السائدة.

-   لكن ألا تعتقد معي أنك تتحدث الآن، وفي الرواية بشكل خاص، بهامش كبير من الحرية بفضل كونك تعيش في أوروبا، بعيدا عن القيود والمؤثرات القائمة في المجتمعات العربية بشكل عام ؟

-   سيدتي، الحرية ليست ظرفا بحال.  الحرية إرادة وشعور داخليين.  الحرية الحقيقية لا تتحدد بالظرف القائم إنما بالاستعدادات النفسية الداخلية، وبأتساع أو ضيق القيود التي يفرضها الفرد على نفسه داخليا.  قد يوضع المرء في أشد الأنظمة الاجتماعية انفتاحا وتسامحا، مع ذلك يحس نفسه مقيدا بألف قيد.  إن تحطيم القيود الداخلية هو الشرط الأساسي والحقيقي والممكن لبلوغ درجات سامية من الحرية.  الظرف الخارجي قد يساعد، قد يزيد من الجرأة، قد يحث، لكن القرار والقدرة على حَمل حِمل أن نكون أحرارا هو في نهاية المطاف يحدد الشعور بالحرية. على كل، لا أكتب وأنا مثقل بالقيود الداخلية.  الإبداع هو تجاوز أو تخطي للقائم وبالتالي لا حدود وإبداع في آن.

-   أردت أن أقول أن الكاتب المحلي، في البلدان العربية، خاضع بصفة عامة للبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها، بينما أنت متحرر منها، وبالتالي لديك مقدارا اكبر من الجرأة ؟

-   صحيح أن الحياة بين الناس هي حياة مع الالتزامات، مع الضوابط، مع النظام العام.  لا يستطيع أحد أن يعيش بين الناس دون التزامات ودون حد أدنى من الضوابط.  لكن، بالمقابل، لا يستطيع كاتب أن يكتب دون التزامات وضوابط. أهم ضوابط الكتابة الصدق والأمانة الفكرية على مفاهيم الكاتب ذاتها والتمتع بقدر من الحرية الداخلية.  ظاهرة أن نكتب لإرضاء الغير هي ظاهرة قائمة عبر التاريخ، وفي كل التشكيلات الحضارية، ولا زالت قائمة.  لكن هذا نوع خاص من الكتابة الذي ربما نسميه تدوين لأفكار الأقوى ماديا أو فيزيائيا، تدوين لتطلعات السيد المالك للمال أو للسلاح.  إن الكتابات التي تهدف إلى إرضاء المجتمع لا تخرج عن إطار التدوين هذا، لأنها تهدف أصلا إلى مردود ما أناني، إلى امتيازات اجتماعية محددة ما.  إنه برأي، عمل فيزيائي من أجل الكسب.  ولحسن الحظ، أن عدد قليل جدا من الكتاب الدين يعيشون في المجتمع العربي يمكن تصنيفهم في فئة المدونين، وبالتالي لا أتفق معك تماما على أن كتاب الوطن أقل جرأة مني.

-   هل تنكر، على هذا، دور غربتك الطويلة في تعاملك مع قيم المجتمع العربي بهذا القدر من الارتياح، بهذا الكم من الترف الفكري ؟

-   قد يكون الشخص غريب بين أهله، في بيته، في وطنه.  المسافات ليست هي شرط الغربة، أو بكلمة أصح، ليست هي المكون الوحيد للشعور بالاغتراب.  الاغتراب ظاهرة يصادفها الفرد في حياته اليومية، سواء خرج من بيته أو عاش في قصر عاجي مغلق.  الاغتراب ليس له مفهوم مكاني أو شرط مكاني وحسب.  الاغتراب يمكن أن يكون شعورا قائما في داخل الفرد في علاقته مع قيم الأسرة أو الأب، مع العمل ومردوده، مع البنية السياسية للمجتمع، مع المعطيات الفكرية للمجتمع، بل مع الجسد ومع النفس.  لا نحتاج مسافات كي نشعر بالغربة وبالاغتراب.  لكننا، على العكس من هذا، نحتاج إلى المسافات كي نشعر بالانتماء، كي نقدر الانتماء عاليا، كي نحافظ بكل قوة وبكل طاقة ممكنة على الانتماء.  وهذه مسألة قد يعرفها المغتربون اكثر من غيرهم.  الغربة، في هذا المعنى، دفعتني لأن أكون أكثر التزاما وأكثر حرصا على قيم المجتمع العربي.  الحرص لا يعني الحفاظ والتخزين والتقديس، بل التطوير والتحسين.

-   التحسين والتطوير يفترض الحضور ؟

-   لم يعد للمفاهيم أو الافكارحدود أو مكان.  أننا نشهد أنحسار المسافات لتصبح حدود الأرض لا تتجاوز حدود شاشة الكومبيوتر.  قبل عقود قليلة كان أنتقال الصحيفة من بلد إلى بلد يحتاج أسابيع.  اليوم نحتاج بضعة دقائقها لنقلها من نقطة في الأرض إلى كل نقطة في الأرض.  

-   في روايتك الأولى " السيد يلعب غميضة" كانت الغلبة للخيال، أما في روايتك "الرقص في هياكل الشرق " فالغلبة كانت للواقع، ما سر هذا الانتقال ؟

-   الأولى تعالج مفاهيم وشرائح من التفكير تكاد أن تكون ميتافيزيقية، مفاهيم مجردة على أية حال، لكنها فاعلة بقوة في السلوك الإنساني اليومي. إذن، كان لا بد من منهج كتابي مناسب ومن معطيات كتابية مناسبة لمعالجتها.  رواية " الرقص في هياكل الشرق" تعالج الواقع، تتعامل مع معطياته ومع ثمرات الأنظمة والمفاهيم السائدة.  من هنا كانت الواقعية في الرواية الأخيرة تعبيرا عن سمة وظيفية؛ بغية الالتصاق والتقرب اكثر من الموضوع المطروح.