|
|
|
من هند الرستماني : ... أشكرك على إتاحة الفرصة لي لقراءة روايتك عشاق الدير وأتمنى أن يتسع صدرك لتعليقي عليها. شدتني الرواية لأنها تتحدث عن رحلتك في أعماق الذات. ذات الإنسان والنفس البشرية وأحوالها وتقلباتها. فبعيدا عن الأبعاد التاريخية والفانتازيا الدرامية والتي سيكتب عنها الكثيرون، وجدتني أتبحّر في الذات الإنسانية وخصوصياتها وزواياها الغامضة. والذي لفت نظري أكثر هو أن ذلك الطفل الذي بدأت به الرواية ظل طفلا في عالم الكبار حتى النهاية. يجد نفسه أمام أسئلة كثيرة ما زال يبحث لها عن إجابة. يقول الطاهر وطار في مقدمة روايته الولي الطاهر: مهما اعتقد الكاتب، أنه يؤلف لنفسه بالدرجة الأولى، وأن غيره عليه أن يستمتع، إن وجد متعة، أو أن لا يدخل في حسبان العمل الإبداعي أصلا. غير أن هاجسا خافيا، يظل يلح عليه، بأن لغيره الحق، في مشاركته، حالته. حين بدأت قراءة روايتك وجدتني أشاركك حالتك وأدخل معك في دهاليز الشك واليقين وأبحر معك في أعماق الذات الإنسانية عبر بوابة دمشقية. فمتعة قراءة الرواية هي أن يكون القارئ كاتبا أيضا مع الراوي. أنا لم أفتش عن الخلفيات التاريخية ولا عن أخطاء للنقد ولم ألهث خلف كبوات الكاتب. ولكنني أعتبر قراءة الرواية هي عملية تغلغل في نفس الكاتب الذي يبدع في تداعياته وينسج من التاريخ ما يعكس هواجسه وأحاسيسه. يقول الطاهر وطار أيضا: فالكاتب. أي كاتب، مهما قيل فيه، هو ظاهرة تاريخية قبل أي شيء آخر. فالذي يميز الكاتب هو مقدرته على جمع خلجات النفس البشرية وصياغتها في رواية تفتن القارئ لأنه وجد من يكتب ويعبّر عمّا يدور في نفسه. فأنت في هذه الرواية استخدمت الأدوات التاريخية والشخصيات التاريخية في حبكة ناجحة لشرح ذاتك. وجدت نفسك تهيم في التاريخ الأموي تفتش عن ذاتك وتصيغها بلغة سهلة ممتنعة لتخبرنا بأن الإنسان هو الإنسان منذ بدء الخليقة وحتى الساعة تتغير أدواته وتقنياته ولكنه ما زال هو الإنسان الحائر في أمور الحياة والوجود ويعيش نفس الصراع الذي عاشه من قبل. صراع الخير والشر صراع الأجيال وسر الوجود الإلهي. كان لا بد من مقدمة لصياغة الرحلة... رحلة البحث عن الذات. طفل صغير يكبر قبل سنّه في ضيعة تقدّس قدّيسا أو وليّا لا تعرف حتى اسمه. طفل فتّح عينيه على كعب حذاء أمه ينخر في ذاكرته تاريخا من الهموم والدموع. يكبر الطفل على صوت أمه تقول: كيف أنسى سنوات من ظلم ظالم مظلوم. هذا الظلم الذي لا تتوانى الأم عن حفره في ذاكرة الطفل نفسيا وجسديا. الألم الجسدي تلقائيا سوف يذكر بالألم النفسي أو العكس. للتنفيس عن همومها ولتأريخ الظلم الذي وقع عليها تأتي إسقاطاتها على الطفل الذي لا بد له أن يتحمل مسئولية ظلم القدر لأمه. أمه المسايرة، التي لا تحب أن تتميز عن الآخرين بأي شيء ( وللحق لم تكن أمي بحاجة البتة إلى متابعتها...وإنذاراتها الرديئة...هي امرأة وضعت إرادتها وعواطفها رهن الآداب الحاكمة في الضيعة...والعادات المستعصية على التجاوز..) هي امرأة لا تحب الخروج عن المألوف. علاقة الحب والكراهية بينه وبين أمه جعلت منه طفلا بالغا، كبر قبل وقته... كبر ليحقد على أبيه فهو كما يصفه: (...رجلا نموذجيا لرجال الضيعة، يسلم بالأشياء كأقدار تغنى الإنسان ولا تغنى المعرفة). يكبر الطفل قبل أوانه ويتساءل عن سبب تقديس الناس للأشياء دون معرفة محتواها. ذلك الفتى اليافع صغير على فهم أشياء كثيرة في ضيعته. لم يكن هذا الطفل الصغير يدرك شيئا عن الدّير سوى أنه مقدّس من الجميع وكان جده يقول: لكل بلدة ذراع تعول عليه اتقاء المحن . ذراع بلدتنا هو الدير. أول مواجهة أو اقتراب للطفل من ذاته وإيمانه (المتمثل في الدير) حين شفيَّ من المرض وكان لا بد أن يقدم الامتنان والعرفان لصاحب الدير الذي كان له الفضل في شفائه. هذا الدير الذي يصفه بأنه لا ينام في الليل أبدا، يقظ على الدوام، يترصد بحرص. هل هو الدير أم الولي أم القديس؟ ثم يشرح لنا كيف بدأت تتوطد العلاقة بينه وبين الدير. (هكذا تغلغل الدير إلى منطقي حين كان منطقي يتعلم الوقوف على قدميه). عبارة فلسفية جميلة تعبر عن تكوين الذات الذي بدأ ينمو ويرتوي على مهل. تأتي هنا المساءلة. فمن الواضح هنا أن رمزية الدير والولي أو القديس تعكس بدايات الإيمان لدى الطفل والمراحل الأولى التي ابتدأ التعرف فيها إلى الوجود الإلهي. فالمكان يأتي أولا كرمز للمعتقد المسلّم به والذي يتبعه الجميع دون سؤال ( ولكن أين هي روح الدير؟! أين محرك الدير؟). هنا يبدأ صراع الفتى الذي يحاول تثبيت منطقه وجعله يقف على قدميه. طفل كثير الأسئلة لا يقبل بالمسلمات هكذا. يود أن يزن الأمور في عقله. طفل يحاول أن يكون ذاته في صفحات الطفولة النقية. وتأتي اللحظة التي يتبين له خلافه مع الدير إذ يرفض أن يغمس يديه في دم الكبش وأن يبدي عرفانه للقديس أو الولي. لماذا يجاري العادات التي لا يفهمها مثل أمه وأبيه وبقية أهل الضيعة. ويجد الطفل نفسه ضائعا. لماذا الإجبار على فعل شيء هو غير مقتنع به؟ لماذا يحتاج أن يخالف إرادته ويفعل ما يريده الآخرون أن يفعل؟ يقول: (الكبار يمضغون بلا رحمة أحلام الأطفال البريئة، فلا يبقون لهم غير واقع لا يبلعه جائع وان اشتد به الجوع). الطفل الذي يريد لأحلامه أن تكبر برية بلا حدود، بحرية وأن تمتد في هذا الكون الرحب. الطفل الذي لا يحب الإكراه على أي شيء. مشاعر الخوف يصفها قائلا: (أدرك اليوم جيدا أن الخوف لا يحتاج دائما إلى أرض خصبة وسبب. لعله كالحب، مجرد شعور غادر يحط من إرادة الإنسان ومن مقام الكرامة). هل هو كذلك؟ ولما يصف الحب بالغدر؟ ربما لأن علاقته بالدير بدأت بنوع من المحبة ولكن بعد إجباره على تقديم العرفان أحس بالغدر.. يرفض فكرة الذبح والتضحية والقربان. يرفض فكرة قتل المشاعر، مشاعره وأحاسيسه وكتم فضوله وأسئلته...يرفض قتل العفوية في داخله. هذا الصراع نجده يتولد لدى أي طفل في مواجهة إرادة الآخرين. تلك المشكلة التي قد تحدث ضررا في النفس لا ينسى. لماذا الإكراه على شيء لا يريد القيام به. لا يدرك الفتى هنا بأن هذا الصراع سوف يمتد ليشمل مواقف كثيرة في حياته. ماذا يعنى أن يرفض تقديم القربان للولي أو القديس؟ في نظر الناس هذا كفر وخروج عن المألوف، أما بالنسبة للطفل الصغير فهي فجرد عدم الرغبة في شيء لا يجد له منطقا بتفكيره البريء. ولكن الكبار دائما يريدون للصغار أن يدركوا معنى الأشياء ويتشبثوا بها كما هم يفعلون. وهنا تحضرني قصة الأمير الصغير لأكسوبري حين يتقدم برسمته للكبار والكل يجمع على أنها قبعة ولا أحد يستطيع أن يدرك بأن الطفل يرسم حية تبلع فيلا. لم يكن الكبار حوله يهتمون بمنطقه ولا يبذلون مجهودا في فهمه أو حتى سؤاله عما هو يعبّر عنه. يعتبرونه طفلا لا يدرك من الدنيا شيئا. منطق الصغار دائما مختلف عن الكبار. هنا ينشأ التمرد في روح الفتى الصغير وتكبر الأنا في داخله لتتمرد على كل شيء ودون رادع. هذه نقطة حساسة جدا وباعتقادي كان لا بد من هذه المقدمة التي يبين فيها كيف بدأ تاريخ الحيرة والقلق في حياته. قليلون هم الذين يدركون بأن ما يحدث في الطفولة من مواقف قد يترتب عليها حياة الإنسان بأكملها بعد ذلك. الشرخ النفسي في الطفولة حدث مهم لا ينتبه له الكبار كثيرا. فالتمرد على الأشياء أمر حتمي يعبر عن إرادة الأنا في تكوين الذات بمعزل عن الآخرين. وحدها فلاح تستطيع إقناعه بإنقاذ الموقف والمضي بغمس يديه في دم الكبش وإبداء الرضا والعرفان للقديس الساكن في الدير. من هي فلاح التي أنقذت الموقف ورضخ لها الطفل المتمرد؟ كيف استطاعت أن تروضه بهذه السرعة؟ هل فلاح هي مرحلة اللاوعي أم الأنا العليا التي تذبذبت واستسلمت في لحظة يأس؟ في لحظة انتصر فيها العرف والتقليد على المنطق؟ الاستسلام للواقع ومجاراة العرف! قد يكون ذلك طبيعيا فما زال طفلا لا يقوى على جيل بحاله يحمل كل هذه القيم والموروثات أبا عن جد. (هيا نرفع العوارض. قلت لفلاح. ليتها لم توافق، كنا قد وضعنا الحجرة الأولى في بناء المصير السيئ، مصيري ومصير ضيعتي). رفع العوارض كان هو الخطوة الأولى على طريقي الشاق، وكان هو حجر الأساس الذي قامت عليه محنة الأهالي ومراميهم الدينية التالية والتي (كما ذكرت أمي في رسالتها الأخيرة، لم يتم ترويضها بدون عون الإله ورعايته). إذاً فلاح هي الخيط الأول في رحلة البحث عن الذات. هي التحدي وتكوين الأنا بمعزل عن المتوارث والمألوف. هنا يبدأ الطفل يكبر وتكبر معه الظنون والهواجس والأسئلة التي أصبحت أكبر من أن تسيّج وتحتوى على شكل مكتوم. تدور الأسئلة حول الولي الصالح، من هو؟ طريق المعرفة يبدأ بمشوار شاق. هو يريد أن يعرف الحقيقة. يجيبه جده: (ومن قال لك أن الأهالي بحاجة إلى معرفة جذور الولي الصالح؟ نحن نعيش بوقع الأحاسيس يا بني، لا بوقع العقل والحقيقة). ويأتي تحدّى فلاح (الأنا العليا ربما) له. هنا التحدي قد يكون فكريا، هل يقبل بالمسلمات الموجودة ويمضى بها ويكمل مشوار الأجيال؟ أم ينطلق نحو المجهول ويكتشف الحقيقة التي يظن أنها تختبئ عنه في مكان ما؟ هل يقبل بما لدى الأهالي ويرثه ويورّثه أم يطلق العنان لنفسه المتعطشة للمعرفة والتي لا تتقبل الأشياء كمسلّمات؟ (ساكن الدير هو رجل لا يعرف الحقد إلا أنه لا يحب الخطيئة الإنسانية المتكررة. هو مخيف بقدر إصرار الإنسان على اختراق المحظور الإلهي). نلاحظ هنا حيرته من منطق العقاب والثواب. يقول عن نفسه: (أما أنا...كنت لا أزال أحفظ لنفسي الحق برفض وجوده الحاضر وبإنكار قدراته التحكمية في مصائر البشر). هنا تأتى مرحلة الشك في واحدة من أهم المسلّمات بالنسبة للضّيعة وأهاليها. مسلّمة الوجود الإلهي. وتأتى رمزية الولي الصالح أو القديس. ونلاحظ هنا أن البحث عن الإله لم يقتصر على دين واحد فهو يدمج الإسلام والمسيحية في شخص الولي أو القديس الذي يرمز بدوره إلى الله. تحدّي فلاح له هو تحدّي النفس الضائعة التي لا تكتفي بما يقال لها أو بما هو موجود بلا تفسير. كيف يستحق ذاته بجدارة؟ كيف يكون نفسه ومعتقداته؟ (يجب أن أستحق فلاح بجدارة. أجهل الجدارة التي كانت تريد. أجهل أساسها). هو ذاته لا يدري لماذا كل هذا التحدي ولكن غربة المشاعر وتناقضاتها تجعله في صراع دائم وبحث مستمر عن الحقيقة عن الذات. وسنلاحظ أنه نفس التحدي يتكرر مع أحداث الرواية حين يواجه غالب الصراع بين أمه وذات الخال ويختار الطريق الأصعب للوصول إلى المعرفة المتمثلة في ذات الخال. وبالطبع عدم التسليم والبحث عن الحقيقة يحتاج إلى جرأة لأنه خروج عن المألوف (سوف أقرأ هذه الأوراق حتى لو كانت ستجث حلوق العالم أجمع). وتبدأ رحلة الراوي.. رحلة تحدى المجهول. تلك الرحلة التي تغوص في الذات الإنسانية، في شخص الشيخ غالب باحثة عن الذات وعن الحلم الذي ظل يراود صاحبها. يقسّم الكاتب الرواية إلى جزأين. الجزء الأول يروى فيه الأحداث عكرمة صديق غالب منذ الطفولة. ثم تأتى مذكرات الشيخ غالب التي يرويها هو. لماذا اختار الراوي وجهين للكتابة؟ لماذا شخصين؟ هل هي عملية مقارنة بين الأنا والأنا العليا وصراعهما مع الرغبات المكتومة؟ أم أنه للمقارنة بين الأنا والهو؟ لننظر أولا إلى مذكرات عكرمة عن الشيخ غالب. عكرمة هو صديق الشيخ غالب، كما ذكرنا، والذي دوّن سيرة الشيخ وحافظ على مذكّراته. يقول عكرمة عنه: (صديقي منذ أن خرج من النفق المؤدى إلى جنة الفردوس الموعودة، منذ أن راح يلهث وراء الخبز ورضا الوالدة وهو يكتم صرخة مدوية). ويصف غالب بأنه قليل الكلام كثير الصمت لا يتحدث عن نفسه وآماله، غامض كرجل ما قبل التاريخ. (غالب الذي سكنته الأسئلة والهواجس كان كالبحر عميقا... منظره يوحى بالرهبة وعمقه يحمل الكثير الذي لا يبدو في الظاهر). فهو السهل الممتنع ذلك البحر الذي لا تدرى متى يغضب وكيف يغضب... هل هو هدوء العاصفة أم هو السكوت المقيد بالأم..الأرض.. المكبّل بالواجبات اليومية تجاه أم هجرها زوجها. غالب هو الرجل الغامض الضائع بين أب جرده من هويته واسمه الحقيقي وبين أم بلغت بها الأنانية شوطا سرقت منه صباه وشبابه. غالب المتوّج بعقدة أوديب والذي فتح عينيه على الدنيا ليرى نفسه مسيّجا بعالم أم تحتمي به بعد أن هجرها زوجها. فعلاقة غالب بأمه هي عقدة أوديب التي تدرك الأم كيف تستغلها وتلعب على وترها الحساس. غالب الذي لم يخذلها مثل أبيه لم يهجرها. جعلته يحبها حد العبادة وهو وحده الذي يقوم على خدمتها. تنسّك من أجلها. لم يلمس امرأة قط ولم ينظر لغيرها فهي مثله الأعلى وضميره الذي لا ينام ولا يتوقف عن الرقابة. يقول عنها عكرمة في مذكراته: (امرأة دين أكثر مما يطلب آله من عبده، كان الزوج يظن أنها مخلوق صنعته الطبيعة من عقد. أم غالب كانت تخشى على ولدها من أن تفقده). أم غالب كانت تخفى خلف الآلام الجسدية آلامها الروحية. يقول عنها أيضا حين أخذت حجة المرض الجسدي لتبقيه إلى جانبها: (أمي المسكينة هي امرأة عاشت تشكو آلاما غير مرئية، آلاما تنبت في جسدها كفطر مضر في قاع واد رطب، لا شك أنها كانت تعانى من أوجاع مختلفة. أوجاع في الروح وأوجاع في القلب وأوجاع في العقل وأوجاع في التطلعات اليومية والأحلام المستقبلية وأوجاع خلفتها مخالب الماضي الفقير لهمسات ولمسات الحب، وأوجاع يحدثها الحاضر المحمل بأهوال المخاوف من الوحدة المريعة). كانت هذه هي الخطة الناجحة التي تستطيع بها أم غالب أن تبقى ابنها إلى جانبها. يتعذّب غالب من خضوعه لأمه: (لماذا كنت أخضع لها ولمطالبها على نحو العبد المتدرب على العبودية كل هذه السنين؟). وتشتد لهجته عن أمه خاصة بعد أن كانت السبب في فقده لذات الخال فيقول: (استطاعت أمي بصفاء نية، النذالة أفضل منها يقينا، أن تخمد العاصفة التي هبت في واحة المشاعر والأحلام فأطفأت المشاعل التي بددت الظلام في داخلي حينا قصيرا من الزمن، على أن القهر والندم وذكرى جبني وتخاذلي تمنعني مجتمعة من الحديث عن تركي الغبي لحبال مصيري بيد أمي). هذه المازوشية التي خضع لها غالب بإرادته. إذ تفننت الأم في تعذيبه وتلذذ هو بهذا العذاب دون احتجاج. عقدة الذنب الأبوي التي كانت تلاحقه وتدفعه إلى تقديس أمه حد العبادة. هل هي الجينات الأنانية التي تجعل الأم تتشبث بابنها وتبقيه عبدا لرغباتها وتحرمه من امرأة أخرى. هل هو حب التملك الأناني الذي أمات ضميرها وحرمت ابنها من أبسط أمور الحياة وأجملها؟ ثم يأتي الحديث عن الأب. الأب الذي غاب عمرا كاملا ثم جاء ليريح جسده ويموت بين يدي زوجته وابنه. يصف عكرمة والد غالب في مذكراته بأنه جلاد ظالم في أحسن أحوال عدله. إذاً لا حسنة واحدة تذكر لهذا الأب الذي عاد ضعيفا واهنا ليموت عند أسرته. يقول عكرمة: (عودته المفاجئة لم تكن مرغوبة كذلك. غالب يتذكر عيوب والده وحسب. لا لأنه كان يريد، بل لأنه كان يعتقد أن هذا الرجل لا يمتلك سوى العيوب). يقول عنه: (لا يليق به مقام أب من أي مأخذ أخذته). سريع الغضب. يبيع الشعر لمن أراد، عانى الفقر وتذوق الغنى. لم يستطع غالب التخلص من حقده على أبيه حين جاء ليموت. يقول عنه: (الإصلاح عندما تشرف الحياة على نهايتها أشبه ما يكون بالمذلة المجانية). تلك المرارة التي يحملها الشيخ غالب وهو يصف أبيه في مذكراته: (صاحب وجهين في تقدير أدنى. كان بائعا ممتازا لكلام رديء، لأي كلام حتى). غالب لا يستطيع أن يغفر لأباه حتى وهو يحتضر. هل هو عقاب لأنه حمّله مسئولية الأم وتركه تحت رحمتها وأنانيتها. أم لأنه سخط تكوينه منذ البداية حين غيّر اسمه الحقيقي مجاراة للخليفة؟ تغيير الاسم الذي ترتب عليه تغيير الدين وضياع الهوية. رغم أن الأم غفرت لزوجها وتركته يموت في سلام. لم يشتك غالب من أمه إلا بعد ظهور ذات الخال في حياته. تلك الجارية التي جاءت مع والده ووقع في غرامها. فجأة ينتبه غالب إلى سنين العمر التي مضت في خدمة أمه ولم ينظر فيها لامرأة غير أمه. تأتي هذه المرأة "لتشقلب" كيانه وتقلب تاريخ حياته رأسا على عقب. من هي ذات الخال بالنسبة لغالب؟ هل هي الرغبات الجامحة المطفأة بعقدة أوديب التي حين أراد التحرر منها اصطدمت المشاعر ولم يعد قادرا على الخلاص منها؟ يقول غالب على لسان عكرمة واصفا ذات الخال: (لا يكفى أن تكون المنافذ إلى قلوبنا واسعة حتى يحبو الحب إلى مساكنها. فهذا الشعور الضخم، العملاق أحيانا، يحتاج إلى أفئدة مشرعة دائما، لا أبواب لها ولا منافذ. أو يحتاج امرأة كذات الخال تنزلق بليونتها وخفة دمها ورقة ملمسها عبر أضيق المداخل إلى أصغر الأفئدة، فتسكنها وتبعث الحياة فيها). لم يعرف غالب امرأة قبل ذات الخال سوى أمه. حاول تأجيل رحيلها رغم إصرار أمه على رحيلها إلا أنه جبن أمامها: ( لكن أمرا كهذا يحتاج إلى وقفة شجاعة أمام العجوز المقعدة. للأسف لم يمتلك صاحبي القدرة عليها). يقول عكرمة في وصف حالته:(أمه والخليفة الوليد والدين حاضرون في أنفاسه حتى هم الذين اختطوا الدرب لمنطق غالب ولأحوال عقله). كان في هذا الشأن جبان. كان يعرف، وكان يعترف: (الجبن يقتل المبادرة قبل أن تخرج من الرأس). كان غالب يعيش الصراع بين أمه وذات الخال ولا يكف عن المقارنة في عطاء الاثنتين وتأثيرهما عليه. يقول: (ذات الخال علمتني أن للقبلات مذاقا مختلفا وأن للكلام وقعا مختلفا، وأن للحنان دفئا مختلفا حتى غاية اليوم،لا أعرف شخصا غير ذات الخال يعطى متلذذا إلى حد النشوة بعطائه وبالتالي لا ينتظر مقابل بل يأخذ في حينه). كان غالب ضعيفا وعبدا لرغبات أمه التي كانت تدرك نقطة ضعف ابنها الذي كان جبانا في اتخاذ قرار بشأن ذات الخال: ( صمت الضعيف أبلغ كلامه). ذات الخال كانت ذكية جدا، فقد اكتشفت مواطن ضعف غالب وعرفت سنوات الحرمان التي عانى منها بسبب أمه. أدركت ذات الخال بأن هذا الرجل بحاجة لامرأة تدرك مكنونه وتعوضه عن السنوات العجاف التي فرضتها عليه أمه. ولكن إلى متى سيظل غالب يهرب من اتخاذ القرار؟ أمه كانت أوعى منه إذ عرفت كيف تثير حفيظته وتزرع الغضب في قلبه تجاه ذات الخال. وهنا تظهر حقيقة أوجاعها التي كانت تشتكى منها. امرأة لا تحرك ساكنا، استطاعت الزحف إلى غرفة ذات الخال وكشف علاقتهما وتدميرها. وبالرغم من ذهول غالب بقدرات أمه إلا أن كلمات ذات الخال كانت هي الفيصل. ( ليتك تموتين) هذا ما قالته ذات الخال لأم غالب. وكأن غالب كان ينتظر هذه اللحظة كان ينتظر الحل على يد أحد غيره. ويجبن مرة أخرى في الدفاع عن ذات الخال وتنجح الأم في إبعادها عن المنزل. في لحظة غضب تهاون وتخلى عن ذات الخال. هل هو الخوف أم هي عقدة أوديب التي لم يستطع التخلص منها؟ كان لا بد من تأديب المشاعر الكامنة والتي تفجّرت فجأة ولم يعد قادرا على السيطرة عليها. فتجربته مع ذات الخال أمر جديد على الذات، اختبار لمشاعر كان يجهلها في زوايا الذات. بعكس عقدة أوديب التي تغلغلت وترسخت بجذورها في ذاته. الصراع بين عقدة تاريخية ومغامرة جديدة كان قويا لدرجة أن غالب لم يعرف كيف يسيطر عليه ويروّضه. فجاء قراره العشوائي بمعاقبة ذات الخال. نلاحظ هنا صراع المشاعر يشبه صراع المشاعر في البداية حين رفض الطفل أن يغمس يده في دم الكبش وتستطيع فلاح إقناعه. وهنا تستطيع أمه إقناعه بالتخلي عن ذات الخال. سيكولوجية القهر والقمع التي تسيطر على المشاعر بسبب الأنا العليا الرقيب المتكون من تراكم الموروث والواجب. قرّر إهداءها إلى صاحبه الوليد. قالت له: (لن أرجوك أن لا تبعني، فالجريمة التي أنت في طريقك إلى ارتكابها ستؤذيك أيضا. ستتعبك أكثر مما ستتعبني. مع ذلك دعني أقول لك قولا مغسولا بطهارة الحب والصدق. إن ما قلته أنا لأمك لا يهين رجلا ذا كرامة. فأنت مهان أصلا أكثر مما تتصور وأسوأ مما تظن. لهذا كان في ردة فعلك كل هذا الكم من الجنون). لقد قالت ذات الخال ما يجول في نفس غالب ولم ينطق به أبدا. ذات الخال هي الإسقاط الحقيقي لعلاقته بأمه. كان يود لو يستطيع التخلص من عبء أمه ولكن قيود كثيرة منعته. هذا هو الصراع بين الأنا والأنا العليا والرغبات المكبوتة التي لا يستطيع أن يحققها بسبب عقدة أوديب. ثم يأتي شخص الوليد الثاني بن يزيد الثاني، الوجه الآخر لغالب. الرجل الذي ربما تمنّى غالب أن يكونه. يقول الوليد لعكرمة: (أنا لن أذهب لملاقاة الله وقد فاتتني في الحياة رغبة). هل كان غالب يتمنى أن يكون مثل الخليفة متحررا من الالتزام بالعبادات حرا طليقا في بحر الرغبات؟ في حوار بين غالب وعكرمة يقول غالب لعكرمة: (وأنت تعلم أن الخليفة الوليد يعنف الله في الجامع ان هو أراد شيئا وأبى الله أن يشاءه). وتأتي حكاية عكرمة مع الخليفة دليل ساطع على جشع الوليد في الملذات حد استباحة زوجة عكرمة. يقول عكرمة عن الخليفة: (كان فهمه يحتاج من الإنسان الذكي عمرا أطول مما خصص الله لبنى آدم. أما معرفة خباياه فقد كانت غير ممكنة دون المستحيل، دون إعادته إلى بطن أمه ومراقبته قبل الولادة، ثم مصاحبته وملاحقة أحوال عقله يوما بيوم وساعة اثر ساعة). هل اختار الكاتب راويين يمثلان التضاد في النفس البشرية؟ الصراع بين الرغبات المكبوتة بسبب الدين والمجتمع وبين الحقيقة التي يؤمن بها. فعكرمة لا يتوانى عن فضح الوليد وإظهار عيوبه بينما غالب يحاول دائما أن يجد المبرر له. يقول غالب في مذكّراته عن يزيد والد الوليد: (الناس أقل عدلا من الحاكم مهما كان الحاكم ظالما. كل الناس أغمضوا عيونهم كي لا يروا استقامة الخليفة يزيد ونظافة أمره في الشئون العامة. بالنسبة لخبرتي به، الرجل إذا كان سيئا في الحياة الدنيا، فذلك ليس بسبب ما علّق عليه من أوساخ ليست أوساخا أصلا، بل لأنه خلف ابنا لا يرى من الحياة الدنيا إلا الخمر والنساء). من الغريب أن يقول ذلك عن شخص سلبه اسمه الحقيقي وأعطاه لقبا يطمس شخصيته وديانته. يتساءل غالب في مذكراته: (لماذا اتخذت من الوليد بن يزيد الثاني، عاقبه الله شر عقاب على أحكامه وعلى جوره، خليلا أعول عليه عندما أقدم على المحن أو حينما أسقط في فراغات الزمن؟ لماذا لم اتخذ عوضا عنه حيوانا غبيا، بغلا مثلا أو كلب صيد؟). نلاحظ هنا التناقض في كلام غالب حين يتحدث عن صفات الخليفة الوليد وإصراره على صداقته حيث يقول غالب: (هو الصديق الوحيد الذي طالما تمنيت وأتمنى أنه كان عدوا وذلك بالرغم من رقة معاشرته). يصف غالب صديقه الوليد الذي أصبح خليفة فيما بعد: (حيث أنه كان يحفظ الشعر والحكمة أكثر من القرآن). يقول لغالب: (القرآن أمره عجيب، يتحدث إلى الجنس البشرى بتهديد وبتوعد وبتعال لا يقبله ذو ماء وجه أو صاحب بقايا كرامة. ثم أن القرآن لم تقله العرب، بل لم يقله إنسان، ولا حاجة بي لما لم تقله البشر في حياة هي بينهم ومعهم ومثلهم). هنا نلاحظ اهتمام غالب وإعجابه بالخليفة حين ينقد الدين خاصة أن الشيخ غالب أجبر على تغيير اسمه منذ الطفولة ومع تغيير الاسم طمست الهوية الحقيقية لغالب الذي لم يستطع التخلص من الشخص الذي ابتدعه الخليفة له وُحبس فيه غالب. كان للوليد فلسفته الخاصة في أمور الحياة وربما يكون هذا ما شدّ غالب إليه. فالوليد رجل خارج عن إطار مجتمعه ولديه السلطة والقوة بحيث لا يستطيع أحد أن يمنعه عن ذلك. فهو حر في عدم ممارسة الطقوس الدينية ومعاشرة أية امرأة يرغب حتى لو كانت زوجة صاحبه. وهذا ما لم يستطع فعله غالب الذي ذهب إلى النقيض تماما وتفرّغ لأمه. وربما إعجاب غالب به كونه سلب من اسمه وديانته الحقيقية. إذا هناك صراع في الذات حول تعريف الأشياء والصفات. فالإنسان طيب وشرير في الوقت ذاته. البشر عجينة تناقضات لا تنتهي. والصراع هنا يأتي في أن الشيخ غالب يريد أن يكون كل شيء في آن واحد. الابن البار، العاشق المخلص والصديق الودود. غالب يريد أن يتحرر من القيود والقوانين. يريد أن يعود إلى طفولته من جديد ويعيد كتابة تاريخه الذي طمسه والد الوليد حين غيّر اسمه. الصراع دامٍ في نفس غالب بين الأم والأب والوليد وذات الخال من جهة وبين نفسه المشردة التي لا تمتلك نفسها منذ استعبدته أمه. عقدة أوديب، صراع الضد الذي يريد أن يكونه متمثلا في شخص الوليد والمشاعر المكبوتة التي طفت على السطح متمثلة في ذات الخال. إذا هو نوع ما من صراع الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد. الماضي هو أمه التي توقف عندها الزمان ولم يعد غالب قادرا على المضي قدما. الحاضر هو ذات الخال التي دخلت حياته فجأة، أما المستقبل فهو الذي يحدده له الوليد لاسترداد ذات الخال. الرمز المهم في مذكرات غالب هو الرجل العظمى. ترى إلى ماذا يرمز هذا الرجل العظمى المصنوع من عظم حيوان أبيض وموضوع في علبة يعتقد أهل الضيعة أنها تحتوى على أرواح شريرة التي إذا ما انطلقت فإنها ستقضى على السعادة في الضيعة. هل الرجل العظمى هو رمز الإنسان حين يموت ويوضع في تابوت فلا تعود لديه القدرة على فعل شيء لأن الروح فارقته وطالما هو محبوس فلا خوف منه، أمّا حين تدبّ الحياة فيه يكون قادرا على فعل الكثير؟ لماذا أخرج غالب الرجل العظمى من علبته ودسه في جيبه ورحل؟ غالب الذي يقول: الروح الشريرة تسكن الأحياء وحسب. إذا هو يدرك أنها مجرد قطعة حجر لماذا إذا أخذها معه؟ يقول: (إنها نتوءات حجرية ذات حدة هي من صنع البشر، يمكن متى شاء المزاج أن يحطمها إلى أن تتحول إلى غبار. يمكن تفتيتها أشكالا وأشكال، ذرات وذرات، يمكن اللعب بها كقرن حيوان. يمكن رميها في الحوش بين مخلفات الناس والحيوانات. ماذا في وسعها أن تفعل؟ أين احتجاجها وأي حياة فيها؟). ويجيب هو بنفسه عل ذلك: (حياتها في حقول البشر وفى تخيلاتهم ومخاوفهم وهواجسهم وغبائهم وليست فيها بتاتا.الخوف والغباء يدفعان المرء إلى الاعتقاد بأن النملة أكبر حجما من الفيل وأشد بأسا من الأسد). يشير هنا إلى الإسقاطات التي يحدثها الناس على الرجل العظمى وكيف يكون هذا الحجر الشماعة التي تعلق عليها كل أسباب الفشل والتقاعس وكل أعمال الشر التي يرتكبها بني البشر. هي الهروب بعينه، الهروب من كل شيء، من المسئولية بالذات. لماذا احتاج غالب أن يخرج الرجل العظمى من الصندوق ويأخذه معه؟ هل هي التعويذة التي تقيه مهالك الطريق وأخطاره خاصة أنه مقدم على مهمة شاقة أوكلها له الوليد؟ طلب منه الوليد أن يجعل أحجار البادية تغنى وحيواناتها ترقص. وهذا مقابل استرجاع ذات الخال. ما المقصود بذلك؟ يروى عكرمة بأن الخليفة قال لغالب بأن (صفاء النفس نحو الحبيب يحتاج معاقبته لا بلع الأذى والكتمان)، فصدقه صاحبي المغفل. قال الوليد لغالب: (اسمع يا ابن أخي، أريدك أن تقتل ابن عمى الناقص). يدرك الوليد حب غالب لذات الخال وبأنه مستعد لفعل أي شيء لاستردادها. ثم، لقد باح الوليد بسره لغالب فأسره، إذ يقول له: (يا ابن أخي، من يملك سر مثّل خطرا على نفسه وعلى غيره. وها أنت ملكت أخطر أسراري. رقبتي كما تعلم لا أتركها بيد حي إلا إذا لصقت رقبته بها). لماذا إذاً كان غالب يرى في الوليد الإنسانية والمحبة؟ هل كانت تلك هي اللحظة الحاسمة التي أدرك فيها غالب معنى صداقته مع الوليد؟ هل يقتل من أجل أن يسترجع ذات الخال؟ هل ساومه الوليد على ذلك لأنه يعلم أن غالب سوف يستجيب؟ ثم يورد عكرمة قصة سائس الخيل والفارس الذي أرسله الخليفة ليرافق غالب. السائس ينظر إلى الفارس بنظرة دونية رغم علو مرتبة الفارس إلا أن السائس كان يزدريه لأنه الغريب الذي لا ينتمي للضيعة. الغريب الذي أتى من آخر الدنيا لينضم تحت لواء الأمويين ويقاتل من أجل الإسلام. لم تشفع له فروسيته وشجاعته في شيء إذ أنه لم يستطع حتى اكتساب احترام السائس الذي حاول قتله ولم يتردد هو في الدفاع عن نفسه وقتل السائس والتهرب من الجريمة. وبرر الفارس لنفسه رفض الذهاب إلى الخليفة والاعتراف بذنبه يقول: (الخليفة لا يعدل لكنه قد يسامح. الله يعدل وقد يسامح). على أنه في نهاية المطاف سيتم مثوله أمام الله. (فحكم الناس للحياة وحكم الله للأبد. هذا لا يحل محل ذاك). ثم يذهب في حوار فلسفي حول الوجود والعقاب والثواب إذ يقول: (الله، لو أنه شاء لما وقعت الحادثة أصلا، ولا حصلت النزاعات ولا أزهقت الأرواح. أليس هو من كتب أعمارنا وخطط لنا المصائب التي ستقودنا إليه ليحاسبنا على قدر هو أيضا من كتبه لنا وما كتبنا لأنفسنا منه شيئا؟ العدل الإلهي عسير الفهم على الإنسان). نلاحظ أن الحوار حول القدر والمكتوب يتكرر مع كل قصة وبطريقة أقوى وأعنف وصلت إلى حد تبرير القتل والمساءلة ان كان الاعتراف بالذنب سوف يؤدى إلى العدالة. فلسفة الوجود والنهاية والعقاب والثواب التي تضع الكاتب في حيرة نحو هذه القدرية التي لا يستطيع التخلص منها إذ نجد الصراع يتكرر في كل الشخصيات ولكن بصور مختلفة. وهنا تأتى الحبكة الجيدة لهذا الحوار الحساس عن الناس وأقدارها حيث نصل في النهاية إلى نفس النقطة ولكن بصورة مختلفة. نصل إلى خلاصة أن الإنسان هو الإنسان مهما اختلفت رتبته أو طريقة حياته أو ديانته يبقى في دوامة الصراع بين الخير والشر في عالمه. ويبقى هو وحده من يحدد الطريق في نهاية الأمر. الخليفة غدر بغالب مرة أخرى حين أوصاه على أمه. ماذا كان رد الخليفة؟ قال: (أمه عاشت أكثر مما كتب لها الله. نهشت من شبابه أكثر مما يطيق أو أطيق كصديق). إذن الخلاص من الأم لم يكن فقط الرغبة المخفية لغالب الذي حرم نفسه من كل شيء وتفرغ لها. حتى الخليفة يرى ذلك. ليست وحدها ذات الخال التي أدركت ذلك الخليفة أيضا. وبالرغم من أن غالب رد رسول الخليفة ليذكّره بأمه ويقول له بأنه لا يموت جوعا أحد في ديار أمية إلا أن الخليفة كان مصرا على رأيه ورد برد صعب: (قدّر الخليفة أن أمك عاشت أكثر مما تطيق كرامة الإنسان،وأنها أضحت بحاجة لقبر لا لجارية). كيف يستطيع الخليفة بهذه السهولة إنهاء حياة شخص مسالم؟ هل اعتبر الخليفة أن أم غالب مرحلة لا بد لها أن تختفي من حياة غالب؟ هل أراد الوليد تحرير غالب مما لم يستطع هو التحرر منه؟ هذا هو صراع الشخصيات المشترك أو لنقل صراع الأنا والأنا العليا في وجه الرغبات المكبوتة والمقهورة بسيطرة الأم عليها. ويأتي حوار الأم الفلسفي والذي غير معروف لمن هو موجه مباشرة: (أنت يا سيدي تكتب أقدار الناس لكنك لا تستطيع أن تضع نقطة على أحرف قدرك. ليس بمقدورك أن تضع فاصلة بين زمرتين من المتناقضات في أحوال مصيرك! أنت يا سيدي تمنعني من أن أقوم بما تعجز عنه أنت، أن أحسّن ألفاظ قدري وان كان لم يبق منه غير القليل. لكن، هل بوسعك، هل بوسع من هو أبر منك وأعظم، أن يحول دون إرادتي والفعل؟ أن يمنعني من إيقاد قناديل الفرح في رحاب القلب؟ هل بوسعك أو بوسعه أن يمنعني من إغلاق منافذ الروح المطلة على عباب البؤس الذي كتبته؟ لماذا كتبته هكذا قدرا مقدورا للذاهب من هذه الدنيا وللآتي إليها وكلاهما على غير علم بمنتهيات الدروب؟). ونلاحظ هنا بأن موضوع القدر يتكرر كما في قصة الفارس والسائس. الخطاب هنا بين الأم والله والرجل العظمى. الخطاب القدري الفلسفي الذي يتعطّش إلى جواب لا يجده. ويجادل بحدة وشدة وغضب أمر الوجود وفائدته إذا كنا نعلم في النهاية أن الموت هو المصير الحتمي. الحوار الفلسفي هنا صيغ بلغة سلسة وعميقة ترينا حرقة الكاتب وحيرته من هذا الموضوع الذي لم يجد له حلاّ وفى نفس الوقت لا يريد الاستسلام للمسلمات والانقياد في عجلة الحياة دون وضوح. الكاتب دائما يبحث عن خلفية الأشياء وعن المعاني الكامنة وعن التفسير الآخر للأشياء فيقع في دوامة الأرق كثيرا لأنه لم يشف عطش المعرفة لديه كما أنه لم ييأس من البحث. يحب أن يكون جريئا وواضحا مقداما دون خوف يحبسه أو يرده. يتوالى الحوار الفلسفي: (طبعا أنت تعرفني مذ كنت طفلا. ومما يؤسف له أنني لم أعرفك إلا حين كبرت. ومما يؤسف له أكثر أنني عرفتك. كان من الأفضل أن أموت شابا، بل رضيعا وأنا لا أعرفك وأنت لا تعرفني من أن أصل إلى هذا الحد من الكهولة الذي يطالبني أن أخافك بهذه الطريقة المحزنة المخزية. أخاف من ذكرك وأخجل من عيبي هذا). لماذا كل هذا الزخم من الكره وعدم الاستقرار في المشاعر هل لأن تجربة الكاتب في فلسفة الوجود كانت ومازالت شاقة؟ لماذا الحيرة والخوف أم هي الأجواء التي كان يمر بها الكاتب؟ هناك نقطة أخرى مهمة: (أنت تعرفني الآن يا سيدي، أنت تراني. أنت تراقبني. أنت تلاحقني). لاحظوا الأقوال الأفعال وحركتها من المعرفة لرؤيا المراقبة الملاحقة، صراع الأنا والأنا العليا والشهوات والعواطف وعقدة الشعور بالذنب أيضا. لنتابع: (أنت تكتب مصيري على أوراق قدر تكاد أن تتمزق من بأس المصائب، من شدة العدل الظالم لكن ها..ها..ها..هل تعرف كل شيء عنى؟ هل أنبأك ذاك الجيش من الشهود المخبرين عن أحوال النفس وعن الأفعال في سراديب الظلمة والانفراد؟ دعني أؤكد لك شيئا من هذا وشيئا من ذاك. اتبعني إذا يا سيدا يكتب أقدار الناس بسوء نيّة وبقلّة ضمير دون أسباب من أي صنف لو صّنفت. اتبعني يا سيدا يتخفى في الظلام ويضرب من الخلف). لنلاحظ هنا حدة اللغة التي تعكس المعاناة من هذا الموضوع. أليس هو الغدر أن نُستغفل ونُؤذى ونُفاجأ ونُهلك؟. (الغدر ليس من شيم الكرام. لقد كتبت لي المصير. أنت لا تتراجع عن كتاباتك. أنت لا تغير المصائر المكتوبة. ما ضرني إذا، أن أخالفك؟ ما ينفعني أن أرضيك؟ إن مصيري المكتوب يحررني من الخوف. يحررني منك. يحررني من المسئولية. يحررني من الواجب، يحررني حتى النهاية. اتبعني إذا واخسر الزمن..ها..ها..ها..بعد اليوم لن أهتم بشهودك. لماذا أفعل؟ الحكم كتبته فما فائدة الحرص؟ الشجاعة والحرية والأمل هي أسلحتي في وجه عدلك الظالم. أنت تخافها، أنا لا. أنا أستطيع المواجهة أما أنت فلا). هذه المواجهة القوية بين الإنسان والقوى الخفية أو بين الإنسان والأنا العليا التي هي الرقيب القامع لكل ما هو غير مألوف وعشق الكاتب للخروج عن كل ما هو مألوف لأنه لا يشعر بأنه شيء مقنع. هذا الحوار القوى الذي يشعر فيه بالاختناق فليس الله هو الرقيب الوحيد بل الناس، المجتمع، العيون التي لا ترحم والألسنة التي لا تكف عن الظلم. هناك معركة نفسية طاحنة تدور حول الوجود وحول تقرير المصير وحول الاستسلام لليأس والقدر والمواجهة الجريئة مهما كلّف الأمر لأنه في النهاية القدر مكتوب ومعروف.هل كل هذا الحوار هو هواجس الأم وإسقاطاتها واعترافها بفشلها أمام تحدى القدر؟ ما هي رمزية الرجل العظمى هنا؟ هل هو الرمز لخيال الإنسان الذي جعل منه تعويذة وآمن بها لدرجة الخوف؟ الكاتب هنا يريد التحرر من كل القيود والتفكير بصوت عال قوي دون خوف من القيود التي حوله. نلاحظ في هذا الحوار الفلسفي العميق أنّ الكاتب يستخدم أفعالا قوية في حواره تشعرنا بصراخ الكاتب وغضبه وثورته وحتى بكائه في لحظات الحيرة وعدم العثور على أجوبة لأسئلته الحائرة. وكأن الحوار الفلسفي هنا صورة حيّة نراها أمامنا . وتبدأ رحلة غالب، رحلة التحدي من الشام إلى البادية حيث حبيبته ذات الخال رهينة في قصر الوليد حتى ينجز غالب مهمته. يقارن غالب بين الشام والبادية فيقول: (في حين كنت أحس الشام كزوجة تعرّت أمامي وتعريت أمامها، تصادقت عيوبي مع عيوبها، كانت البادية تبدو لي عذراء ممشوقة تشد فؤادي من أذنه، فؤاد رجل طال به الزواج وقلّت قناعته وأثقله إخلاصه!). إذاً ثالوث الزواج والقناعة والإخلاص، مرجعية إلى أمه التي ارتبط بها بقناعته وأخلص في التفاني في خدمتها. فالشام هنا رمزية الأم التي تصادق مع عيوبها. أما البادية فهي ذات الخال المرأة التي فجرت رجولته وعوّضته كل سنين الحرمان. ذات الخال التي (شدّت قلبه من أذنه). هنا يدرك مزحة الوليد. لم يسلّمه الوليد ذات الخال لمآرب في نفسه والتي يعتبرها غالب مزحة العمر. ليست هي المرة الأولى التي يمزح معه على هذا النحو فكل خطايا الوليد مزاح ولكن هذه المرة يعتبرها غالب مزحة العمر. (الناس تسمى غدر الخليفة مزاحا، فصيانة ماء وجه الخليفة واجب ديني واجتماعي!). هكذا تتسلسل الأحداث بأخذ الرجل العظمى، ثم ارتكاب مذبحة الديوك حيث لم يكتف غالب بذبح ديك واحد بل ثلاثين ديكا. هل كان حقا بحاجة إلى هذا العدد من رؤوس الديوك ليأخذه معه؟ الطفل الذي لم يحتمل رؤية الخروف المذبوح ورفض أن يغمّس يده في دمائه يغيّر المشهد إلى رجل يستطيع أن يذبح ثلاثين ديكا ويحمل رؤوسها على كتفه. ترى ما الرمزية في ذلك؟ هل هو صراع الخير والشر في النفس البشرية التي من الممكن أن تنقذ روحا وفى ذات الوقت تزهق روحا؟ الديك هو الزعيم الجميل، وتعتبر الديوك مملوكة فهي رمز للمملوك وقطع رؤوسها هل يعنى هنا إنهاء الذل والعبودية للآخرين؟ هل القربان الذي يقدمه هو البعد عن الحرب كما في رمزية الأحلام والدخول إلى المدينة بسلام أي بدون محاربين؟ لماذا كان حريصا على مراضاة أهل ضيعة رأس الديك؟ يقول عكرمة في كتابة سيرة غالب: (كان المرء لا يكسب ودهم إلا بأن يأتيهم برأس ديك ويدفنه في مقبرة الشر الواقعة على هضبتها الشمالية). لماذا أخذ غالب ثلاثون رأسا إذا كان الأمر يتطلب رأس ديك واحد؟ هل لأنه صديق الخليفة وسيكون من العسير عليه كسب ودهم؟ يقول عكرمة عن أهل ضيعة رأس الديك: (وإذ أقول صديقا، أرى أنه من الواجب التنبيه إلى أن الصداقة في بلدة رأس الديك هي شيء، والصداقة في الشام هي شيء آخر. ففي هذا المكان النائي عن العالم الآخر، في رأس الديك، لا يوجد فرق بين الأصدقاء والمعارف. فكل من عرفت منهم وكل من عرفك منهم هو صديقك. ووفقا للعرف، سيظل قلبه وبابه مفتوحا لك ما دام لم يظهر منك قدر مؤسف من الأنانية، أو ما دام هو لم يمتلك أرضا صلبة لبناء الشكوك حول حسن نواياك. في مثل هذه الحالات النادرة، ابن ضيعة رأس الديك يتحول إلى عدو لا يحب القتال ولا يريد أن يحارب؟). ترى لماذا باح الفارس بسر الشيخ غالب؟ قال لأهالي القرية حين طال غياب الشيخ غالب: (إن الشيخ غالب هو رجل شديد الفطنة فلا يعلو إلى مراتبه في هذا سوى الحكماء والخلفاء. وهو شخص يتقي رب العالمين كالخليفة الفاضل عمر بن عبد العزيز. لكن الغريب مع ذلك، يشارك الأرواح في حياتهم وفى حياته ويحمل في جيبه عظام جن مسكونة بروح شريرة والعياذ بالله). هل هي أوامر الوليد؟ هل هي مؤامرة جديدة للتخلص من الشيخ غالب الذي كسب ود أهل المدينة؟ هل شعر الوليد بخطورة غالب وشكّ في أنه سينفذ المهمة خاصة مع اختفائه الغريب والذي لا أحد يدرى أين كان يذهب؟ يقول عكرمة: (ولئن أظهر أهالي ضيعة رأس الديك استعدادا كبيرا للترحاب به وبوجوده بينهم كإنسان يمتثل للعقل ويأخذ بأسباب الحكم من ناحية أولى، وكصديق للخليفة يسكن قصره سيدا بلا منازع من ناحية أخرى، إلا أنهم أصبحوا يرفضونه بلا تأن وبلا طول تفكير ودون المستوى اللائق من الصبر وذلك بصفته رجل يقيم علاقات مشبوهة مع الجن ومع الأرواح الشريرة). ويقول عنهم عكرمة: (كان أهالي ضيعة رأس الديك غارقين بالجهل إلى درجة مثيرة للعطف. فعلى سبيل المثال، كان بوسع المرء أن يجد بينهم من يعتقد أن النبي عيسى والنبي محمد هما أخوان بالرضاعة، وأنهما حاربا الشر معا ببسالة فرضي الله عنهما وكافأهما مرتبة النبوة). هنا نلاحظ الحديث عن مقارنة الأديان. وحين عاد الشيخ غالب من رحلته المجهولة ليجد أهل قرية رأس الديك بانتظاره. هل يهرب؟ هل يضعف؟ لكن ذات الخال هي غايته. الشيخ غالب بحكمته استطاع أن يواجه أهل القرية والتي قال عنها عكرمة: (فبالرغم من أنني صديق غالب منذ كان يتعلم الكلام، إلا أنني لم أتصور يوما أن له من سعة الخيال ما يجعله يتجرأ على الكذب المعقد أمام هذا الكم الهائل من البشر، وأن له من الحيلة ما يكفيه للنفاذ إلى النفس البشرية الضحلة والتحكم بأحوالها). وهنا تحولت نظرة أهالي ضيعة رأس الديك مسيحيين ومسلمين للشيخ غالب ليصبح الرجل الحكيم المبارك المبجل. لكن الزمن لم يمهل غالب وذات الخال ليستمتعا بحريتهما. فسرعان ما انقض جنود الناقص على القصر وقتل كلاهما. وبعد مقتله تحول الشيخ غالب إلى قديس أو ولى بالنسبة لأهل ضيعة رأس الديك ( ضعاف القلوب وأصحاب الخيال الواسع ). وصارت تقدم له القرابين وظهرت عادة غمس اليد في دم الكبش والضغط براحة اليد على جدار القصر. أما الفارس فقد أخذ الرجل العظمى وأخفاه في مكان آمن لا تصل له يد بشرية تنفيذا لوصية أم غالب. تتالى الأحداث بسرعة ويقتل أيضا الخليفة الوليد الثاني والذي طلب من عكرمة أن يكتب عن حياة الشيخ غالب ويغض الطرف عن حياة الخليفة. ثم يروى لنا عكرمة كيف ذهب أهل ضيعة رأس الديك إلى الناقص يطلبون منه السماح لهم لبناء ضريح للشيخ غالب كي يتجنبوا الجن ولإبعاد الشر عن الضيعة . يقول عكرمة: (مجرد وهم. غالب لم يكن غير ضحية أكل منها كل كلب نصيبه). ووافق الناقص على طلب أهل الضيعة. حين نقرأ القسم الثاني من الرواية حيث يروى غالب سيرته الذاتية، نجد فيه تعريف لذاته الممزقة المشوهة بفعل الزمن وأقرب الناس إليه من الوالدين إلى الصديق ثم الحبيبة. من هو الشيخ غالب؟ يقول في مقدمة مذكراته: (الحب كما الخبز، الحاجة إليه تحررنا من الأخلاق). ويوقعها باسمه الحقيقي أفرام. في مذكراته الغير مكتملة يقول: (من أنا قبل أن تصبغني التربية الحمقاء بلونها الداكن الموحد منذ الأزل "البحث عن الذات"؟ ولماذا ولدت في الشام في هذا الزمن الردىّ بالذات؟ ولماذا ولدت من أبوين لا يجمعهما في الدنيا جامع باستثناء تعلقهما بالشجار وميلهما لتربية الأحقاد كل ضد الآخر وامتهانهما الكراهية المتبادلة كصنعة في الحياة مفيدة؟). نلاحظ هنا التركيز على موضوع القدر مرة أخرى. يصف والديه قائلا: (أبوان لا يربطهما رابط ديني سوى الإرث المسيحي الذي بدده والدي سريعا بلا أسف، وذلك في بحثه العنيد المتواصل عن الجواري السمراوات المحقونات باللهفة وعن أموال الأمراء الوفيرة). ثم يقول: (أنا لست إلا قدرا لسلسلة من الأقدار لا تتبدل ولا تقاوم ولا تمس أحدا غيري. لو كان الأمر خلاف هذا لكنت بدلت أبوي بلا وقع حسرة أو احتمال ندم، ولقاومت قوانين الطبيعة المجحفة، ولما لصقت حياتي منذ الطفولة المبكرة وحتى هذا اليوم بالخليفة الوليد الثاني بن يزيد الثاني كفاكم الله شر صداقته وحرسكم من مزاجه ومن هزاله. الرجل والحق يقال، طيب أكثر مما يلزم، لكن الطيبة لا تردم دوما مواطن الأذى). لماذا قرر الشيخ غالب أن يكتب مذكراته؟ يقول: (نيتي أن أظل أقتطف ما تطاله قوى الذاكرة من ثمرات العمر المتقلب، الحلوة منها أو المرة، الطازجة والمتعفنة، وأسجلها على الورق، ثم أظل أقرأ وأكرر قراءة ما كتبت إلى أن أعثر على نفسي خارج إطار أقداري المضغوطة في الروح. أكتب إذا بحثا عن قدري). اسمه الحقيقي أفرام. هكذا دافع عن هويته حين اقتحم قصر الوليد في البادية وتحدى الوعد الذي قطعه ودخل على ذات الخال وصرخ في من حوله: اسمي أفرام. هو أفرام ابن حبيب لكن الخليفة يزيد أسماه أحمد بن أبيه. ودار أول صدام بين الأب وابنه ليقول الأب: (تعيش يا بني كحلزون في قوقعته مدفونة تحت الأرض. ألم تسمع بالقول الذي لا يمكن لأذن أن تتجنبه؟ ألم تسمع بالقول: بياع الكلام الماهر ان تكلم بثمن وان سكت بثمن أيضا؟ الرجل الشاطر يحصد في الذهاب والإياب). يقول غالب عن نفسه: (أنا رجل لم ألق من الحب غير حثالته. لم أنل من الحنان إلا فضلته. لم أر من النساء إلا أما ليست جميلة بحال، كثيرة المطالب، الشكوى حقل غرسها وحصادها والحقد والكراهية مرجعها). لقد مات غالب دون أن تكتمل الحقيقة. لقد التحق بذات الخال ولكن القدر لم يمهلهما لتتمة المشوار. هل الرمزية هنا تكمن في أن غالب وجد ضالته؟ عثر على نفسه الضائعة وتخلّص من إثم أمه وعقدة أوديب؟ هل التحامه بذات الخال هي نهاية مرحلة الشك في البحث عن اليقين؟ يختم الكاتب روايته بالعودة إلى الطفل الذي كبر وكبرت معه نفس الأسئلة ولكن في مكان آخر هو المنفى. وفي الغربة يتساءل عن الجهل وكيف كان أهل الضيعة سعيدين بما لديهم ومكتفين بطقوسهم. (فقد كانت الأرض تتسع للجميع والطقوس مشتركة مهما اختلفت المعتقدات). وحين اكتشف حقيقة الولي أو القدّيس وكشفه لأهل الضيعة نشب صراع المعتقدات والأديان وانقسمت الضيعة إلى فريقين كل منهما يريد أن يمتلك الدير وضريح الشيخ غالب. كلا الفريقين خائف أن يتنازل للآخر عن المكان كي لا تحل عليهم اللعنة أو الغضب. فيتحول الدير من الرمزية المقدسة إلى مادة يتنازع الطرفين على امتلاكها. وتبعا لذلك تولد حياة جديدة بين أهل الضيعة مليئة بالشك والترقب والخوف. انتهى عصر السلام. وكما يقول : (لقد أضحى الحنين إلى المضي خبز الأرواح وكلام النهار، أصبح وحده يسكن القلوب ويُسكنها). تقول له أمه في النهاية: (لا ترجع يا بني فقد تضيق بك الصدور الضيقة وتلعنك من جديد). رواية عشاق الدير تعبر عن رحلة في ذات الإنسان. تلك الذات التي تبحث عن الحقيقة. حقيقة النفس البشرية وصراعاتها مع الزمن. هي رحلة طفل لم تمت طفولته مع الوقت وظلت الأسئلة تلاحقه، تماما كقصة طفل الأمير الصغير الذي كان يفتش عمّن يدرك معنى رسمته التي غيّرت مجرى حياته وجعلت نظرته للكبار لا تتغير. فعالم الكبار لا يدرك أن الطفل الصغير له عالم كبير أيضا. وهنا الحقيقة نفسها، طفل يسير عكس إرادته. يكره القدر الذي يرسمه له الآخرين ويحاول أن يرسم قدره بطريقته التي تتعبه لكنها في الوقت ذاته تسعده. فالدروبي هنا يختار من التاريخ رمزا ليحيك لنا قصة البحث عن الذات. ورموز الرواية هي تجربة الكاتب في صراعه مع الذات التي تبحث عن الحقيقة في بحر المعرفة. الذات التي تهوى السباحة ضد التيار ليس لأنها تخالف الأشياء عن جهل أو عناد ولكن لأن هذه الروح المتمردة تعشق التغلغل في الأشياء للوصول إلى قراراتها. هذا الطفل الذي يريد أن يقول ما يشاء وقتما يشاء دون خوف. الطفل الذي تمرّد على الألم والخوف وانطلق بشجاعة يفتش عن كنه الأشياء حوله. طفل كبر بجسده وظلت روحه طفولية بريئة لا تهتز أمام الزمن وتقلباته. في هذه الرواية كنت سعيدة بجرأة الكاتب التي كانت تفوح من الكلمات القوية التي اختارها. وأحيى فيه قدرته على الحوار بصوت عال. على التعبير الدقيق عن مشاعره. فهو يصرخ متى شاء ويبكى متى شاء وينغلق على نفسه متى شاء ويحاور الوجود بصراحة وإلحاح وجرأة. ويكشف عيوب النفس وتقلبات أمورها بصراحة ودقة. فمن منّا لا تختلط أمور الخير والشر عليه في أن واحد. أعتقد أن ذكاء الرواية يكمن في تصوير رحلة البحث عن الذات في زمن معين (العهد الأموي) وبشخوص معينة بعضها موجود في التاريخ والبعض الآخر جاء في شخوص اختلقها الكاتب ببراعة ودمجها مع الشخوص التاريخية الحقيقية، فكونت صورة جميلة لذات تعشق الغوص في بحور المعرفة. فالكاتب في روايته تعمد ربما أن يجعل الأحداث التاريخية خلفيّة للرواية. نلاحظ هنا نوع من التهميش المتعمد لمجريات الأحداث التاريخية في العصر الأموي على عكس بعض الروايات الأخرى كرواية سمرقند لأمين معلوف حيث تمتزج الأحداث التاريخية مع شخوص الرواية بصورة حيوية وحاضرة طوال الوقت. وأعتقد بأن هذا التهميش جاء ضروريا حيث أنه لم يغيّب العهد الأموي بل جعله حاضرا غائبا وفى نفس الوقت ركّز على الأشخاص وأعطى فرصة لهذه الشخصيات كي تعبر عن ذاتها وتسرد خلجاتها الحائرة أحيانا والمليئة بالثقة أحيانا أخرى. ترك الكاتب لشخصياته مساحة واسعة للتصرف بمشيئتها واختياراتها فجاءت تصرفاتها تلقائية دون ابتذال أو تصنّع فجاءت الحبكة الدرامية متوازنة. النقطة الأخرى المهمة في هذه الرواية هي الحديث عن الأقدار وحقيقة أن الإنسان مخيّر أم مسيّر ومدى عمق النفس البشرية وقدرتها على التغلب على صراع الخير والشر والوصول إلى قرار يصون للنفس توازنها ويمنع اختلالها. فالصراع الأخير بين أهل ضيعة رأس الديك على القدّيس بعد أن عُرفت هويته تدل على مدى حب الإنسان للتملك وميله للنزعات العدوانية حين يتعلق الموضوع بالأماكن المقدسة والتي لا يعلم هو نفسه تاريخها أو أصولها. في نهاية الرواية يعبر الكاتب عبر رسالة أمه عن المقارنة الدائمة التي يقع الإنسان في دوامتها حول الماضي والحاضر والتي تؤثر سلبيا على المستقبل. فالإنسان حين يختلق المشاكل ولا يحاول حلّها ويظلّ يترحم على الأيام التي مضت، يدفعه ذلك لليأس والتقاعس عن المستقبل ويصبح التغيير إلى الأفضل حلما لا يتحقق. |