E-mail                   Home

 


أفاق الديمقراطية في سوريا بين الأمس واليوم

( إيلاف )

إن المفهوم النظري للديمقراطية كما هو معلوم متشعب للغاية. فثمة أشكال ومناهج وتصورات متعددة لوضع الديمقراطية في مفهومها النظري. على أن المنطلقات القياسية العملية أو جذور الرصد الديمقراطي تكون في الغالب واحدة؛ وكذلك الأرضية. تتمثل الأولى بالعمليات والأداء الاجتماعي – السياسي. فكلما كانت المشاركة الشعبية كشرط مسبق لهما وكرقابة لاحقة عليهما أكبر كلما كان الاقتراب أشد من الفعل الديمقراطي أو العملية الديمقراطية. تتجسد الأخرى بمؤسسات الأداء وإدارة العمليات الاجتماعية السياسية. فكلما كثرت وقويت وتحصنت مؤسسات المجتمع المدني كلما كانت الحالة المعطاة أخصب لإنتاج الفعل الديمقراطي. قد يكون تحديد المفهوم مفيدا في إطار النظرية؛ لكنه لا يكون ذو نفع أو شأن في حالات المتابعة للتطبيقات وحصرها في حدودها؛ أي حدود الممارسة الفعلية والتجربة الماثلة. ذلك أن المفاهيم النظرية من حيث المبدأ تعكس فهما مرتبطا بالتشخيص النظري أكثر مما هو تشخيصا لمعطيات الواقع.

إن الابتعاد عن المفهوم النظري لصالح المنطلقات القياسية وأرضية الفعل الديمقراطي، وبعيدا عن الاستخلاصات القائمة على الرغبات أو على الحاجة للتبرير أو التلميع يأخذنا إلى حقيقة شديدة المرارة في تاريخ سوريا السياسي؛ وبخاصة تاريخها الحديث. إنه تاريخ لم يعرف الديمقراطية قط. إنه تاريخ قادته ديكتاتورية وراء ديكتاتورية. يُستثنى من هذا ثمان سنوات، هما فترتان قصيرتان متقطعتان افتقرتا إلى شريحة ضيقة أو شخص قوي يلعب الدور الديكتاتوري ويكمل نمط الممارسة السياسية والاجتماعية القائم على المشيئة المركزية المطلقة. فترتان يحلو للبعض السياسي السوري أن يلونهما بلون الديمقراطية المقبول، أو المثالي حتى، على اعتبار أن التمسك بالوهم قد يحي الأمل وقد يساهم في خلق حالة جديدة. البعض يفعل ذلك بدافع الارتباط العاطفي بتلك المرحلة. البعض يناجي تلك الفترات الجد قصيرة فيسيء لها وله. فالأحزاب الشيوعية كانت في الخمسينات لا تقبل لسوريا أقل من ديكتاتورية البروليتاريا، لكن بقاياها اليوم تفتخر بطريقة أو أخرى أن كان لها نصيبا في خلق حالة اللاديكتاتورية. لكن هذا حديث آخر.

ولئن كان التاريخ السياسي السوري المعاصر هو صنيعة الديكتاتوريات وحكرا عليها، إلا أنه لم يخل من محاولات متكررة لتوفير المنطلقات القياسية وأرضية الفعل الديمقراطي وتكريسها بين ثوابت الحياة العامة. لكنها تظل محاولات جد محدودة ومشوبة بالريبة. ففي فترتي اللاديكتاتورية تم رسميا بذل الجهد الكبير لتعميق الأسس الدستورية ولتفعيل وتنشيط وإنشاء مؤسسات المجتمع المدني ابتغاء ضمان الإدارة الديمقراطية لشؤون البلاد السياسية والاقتصادية والثقافية وغيره. لكن تلك الجهود باءت سريعا إلى الفشل الذريع. ويعود ذلك إلى عدة عوامل كانت مؤثرة وفاعلة عامة في العمليات السياسية السورية آنذاك. فمن ناحية أولى، اتسمت المحاولات المتكررة لإنشاء أسس دستورية ومؤسسات مجتمعية مدنية تكفل الأداء السياسي الديمقراطي بالقصور الفعلي عن وضع إستراتيجية متماسكة وواضحة لحماية المد الديمقراطي وصيانته. في معظم الحالات كان التآلف الديمقراطي بين القوى السياسية السورية الفاعلة نوعا من الحل الآني وفقا للشروط السياسية المعطاة، أو نوعا من التسوية المؤقتة في ظل توازن الضعف. لم يتوفر لأي حزب من القوة الذاتية ما يكفيه لاحتكار القرار السياسي وأدوات السلطة. بل، لم تكن الديمقراطية في بداية الخمسينات مطروحة كهدف استراتيجي لأي من الأحزاب السورية التي كانت تلعب في المسرح السياسي. فالأيديولوجيات التي كانت تسود البنية السياسية للمجتمع السوري كانت كل واحدة تلغي الأخرى بالمفهوم والإرادة والتطلع والنوايا دون أن تترك المجال مفتوحا لإمكانيات التعايش. فالشيوعيون كانوا يريدون أن يلغوا الطبقات بديكتاتورية الطبقة. واشتراكيون كانوا يريدون أن يلغوا الإقطاع بديكتاتورية الفلاح. والبعثيون كانوا يريدون أن يقيموا الوحدة العربية بديكتاتورية الحزب الواحد حتى فيما لو أدى ذلك إلى إلغاء كيانهم الحزبي لصالح ديكتاتورية الفرد. والعسكر والمتعسكرون كانوا يريدون تحرير فلسطين بسلطة الجيش المطلقة على شؤون المجتمع كافة. والمسلمون المنظمون كانوا يريدون أن يقتربوا من العدل الإلهي المطلق على الأرض من خلال سلطة الأحكام الدينية المطلقة كما يرونها. فالتطلع الدائم إلى التفرد بالسلطة والقسوة كان يميز السلوك السياسي والإيديولوجي للأحزاب السورية كافة. أما محاولات التعايش الديمقراطي بينها في فترات متقطعة فإنما كان يلبي حاجة البقاء لا حاجة التعايش، كان قناعا من التعايش التكتيكي لا قناعة في التعايش الحقيقي والإستراتيجي.

من جانب ثان، كانت تلك المحاولات الخجولة لضبط الحياة السياسية والاجتماعية وفق الضابط الديمقراطي جزئية المنشأ، جزئية التطبيق، جزئية الانتشار، جزئية الممارسة. فلم يكن الشعب إلا في حالات نادرة مستفيدا أو معنيا أو معنى به بمحاولات التوافق الديمقراطي. فهي كانت تعني وتخص عناصر السياسة وفئات السياسيين دون أن تهتم اليسر النذير في تنشيط أو تمكين دور الجماهير. كانت ديمقراطية نخبوية إن صح التعبير. فليست الديكتاتوريات وحدها أسقطت دور الجماهير في صناعة القرار، بل أن التجارب الديمقراطية أسقطته أيضا وبقوة. فلم تكن الانتخابات إلا شكلا من أشكال الانحطاط السياسي والديمقراطي. بل لم تكن النخب السياسية" الديمقراطية " تسأل الجماهير رأيا حتى عندما تقدم على إلغاء الكيان القطري برمته! لكن الديمقراطية تكون كلية أو لا تكون. تكون عامة وجماهيرية أو لا تكون.

إن تاريخ اللاديكتاتورية في سوريا هو قصير جدا كما ذكرت؛ لا يتجاوز ثمان سنوات مترحلة. كما أن غياب الديكتاتور الفرد أو الشريحة الضيقة لم يتم الاستفادة منه لترسيخ منطلقات قياسية صارمة لترسيخ الديمقراطية ولم يتم بلورة أرضية صلبة لها. أما محاولات التوافق الآني بين القوى السياسية الفاعلة في تلك الفترة فهي ليست الديمقراطية التي يمكن الارتكان إليها أو إلى معطيتها. بل لا يمكن إخضاعها للقياس الديمقراطي حتى. فهي تجسد قبلا محاولات للتأقلم مع الظرف، ولم تمثل يوما أرضية للتعايش والتنافس على المدى الطويل. يمكن القول أنها كانت بمثابة الأرض المحايدة لصراع لا يقبل طرف فيه أقل من أن يلغي الآخر وأن ينفي وجوده.

على العكس من هذا، تاريخ الديكتاتوريات في سورية أكثر أصالة وعراقة ويمتد خمسين عاما إلى الوراء. وألمح إلى أن الديكتاتورية لا تعني فقط الانتشار الواسع والفض لعنف السلطة أو السلطان. هي قبل ذلك حصر مرجعية القرار السياسي وغيره في فرد أو في فئة محدودة انتزعت السلطة بالقوة وحافظت عليها بالقوة. وباستثناء حالات جد نادرة في التاريخ السياسي العالمي، وبشكل عام، استمدت الديكتاتوريات شرعيتها من مصادر القوة. ولم تكن الديكتاتوريات المتعاقبة في سوريا سوى ممارسات نموذجية لاعتماد القوة أساسا للشرعية. على أن هذا يقودنا إلى الحديث عن ثلاث مراحل أو أشكال من تطور الديكتاتورية في سوريا.

في المرحلة الأولى التي بدأت بعد ثلاث سنوات من الاستقلال، أي في سنة 1949 لم يكن الوعي السياسي في سورية قادرا على أن يلعب دورا حقيقيا في العمليات السياسية الجارية في البلاد. لم يتسم بالشمولية وبالتالي لم يكن يشكل عامل قوة جماهيري وحقيقي. فلقد كان محصورا إلى حد بعيد في الشرائح المتعلمة من أبناء المدن الكبيرة. بهذا المعنى، معظم الأحزاب كان لها انتماء طبقي محدد ومحدود، كان لها ارتباطات طبقية واضحة ومحددة ومحدودة. إنها صنيعة المدن وشرائحها المتعلمة مع تطلع للامتداد إلى الريف بغية تجنيده لا حرصا على إشراكه. كانت الأمية متفشية في البلاد وتصل إلى نسبة 97% في المناطق الريفية. وكان من الصعب تصور دورا طليعيا أو دورا في الطليعة السياسية يشغله أبناء الريف الذين كانوا يشكلون الغالبية العظمى من السكان ومن المنتجين الحقيقيين في آن. أن بنية الوعي السياسي ومظاهره كانت في تلك الفترة من الهشاشة ما يسهل تماما كشف عيوبه والحد من فاعليته. بعض الأحزاب جسدت بالنظرية مصالح وتطلعات الشرائح العريضة من الشعب لكنها عمليا كانت أبعد ما يكون عن أن تحقق بعض مما ورد في النظرية؛ بل وكانت جد بعيدة عن تلك المصالح والتطلعات. إن قوة الأحزاب الحقيقية التي سادت بعد الاستقلال كانت تكمن في انتماءها الطبقي لا في أيديولوجياتها الواعدة على غير هدى. كانت الأحزاب تُعرف بزعمائها لا بأيدلوجيتها أو تطلعاتها. وكان بعض زعماءها يُعرفون بانتسابهم الأسري والجغرافي والطبقي لا بمنظومتهم الفكرية والأخلاقية. الأمر الذي لم يكن سيئ للغاية وحسب؛ بل كان له وجه حسن أيضا ولو أنه جاء محض صدفة.

ذلك أن الديكتاتوريات التي نشأت في تلك المرحلة لم يكن لها من مصادر الشرعية، أي القوة، ما قد تستفيد منه على المدى الطويل. لم يكن لها سوى ثلاثة مصادر غير متينة للتزود بقوة الشرعية. تلك هي: الأهداف المعلنة والقوة العسكرية وتأييد بعض زعماء الأحزاب. وعندما أقول أهداف لا أعني أنها كانت تمتلك رؤية مستقبلية محددة أو برامج حزبية مكرسة.  بل يمكن القول قبلا أنها كانت ردود فعل على ترد ماثل. فتقسيم فلسطين والنكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني مثلت مصدرا شرعيا لقوة الشرعية. إن حماس الشعب السوري لاستعادة كل فلسطين كان عظيما وشاملا على وجه التقريب. الأمر الذي حاولت الديكتاتوريات توظيفه ضمن جهودها لبلورة شرعيتها. جاءت الديكتاتورية العسكرية باسم الشعب وإرادته في محاسبة المقصرين والقتال من أجل طرد الوافدين اليهود من فلسطين وأعادتهم إلى ديارهم الأصلية.

القوة العسكرية مثلت منهلا آخر تنضح منه الديكتاتورية قوة شرعيتها. فلقد كانت سوريا تخلو من أية مؤسسات قادرة على معارضة المؤسسة العسكرية. فمؤسسات المجتمع المدني لم تكن ريادية في العمل السياسي ولم يكن هناك ثمة ما يحميها ويصونها. فلا الخلفية الثقافية السياسية كانت من التطور ما يكفي لمعارضة المؤسسة العسكرية ، ولا الأحزاب كانت على درجة من القوة لتحريك الرأي العام أو الشارع ضد المؤسسة العسكرية التي قدمت من الحدود وغيرت دورها. ولقد ساهم في إعلاء هيبة الجيش حقيقة أن البلاد كانت قد خرجت للتو من استعمار طويل وأضحى بناء قوة عسكرية تحافظ على الاستقلال طموحا شعبيا عاما.

اعتمدت الديكتاتوريات الأولى المتتالية في سوريا على تأييد زعماء الأحزاب كغطاء محتمل لشرعيتها. بل أن زعماء الأحزاب كانوا يسارعون إلى تأييد الديكتاتور العسكري الجديد من أجل انتزاع مواقع متقدمة في السلطة. وتذكر بعض المذكرات وبعض الشخصيات المعاصرة لتلك الفترة أكثر من تواطؤ بين أكثر من زعيم حزب وأكثر من قيادي في الجيش من أجل القيام بانقلاب عسكري وترسيخ ديكتاتورية عسكرية جديدة. في واقع الأمر، التعاون بين المؤسسات العسكرية والمؤسسة الحزبية هي سمة ثابتة من سمات التاريخ السياسي السوري.

على أن مصدري قوة الشرعية الأخيرين لم يكونا في تلك الفترة موثوقين، ولم يكونا صلبين، مثلما لم يتم التعامل  مع الهدف بصدق ووفق توقعات الجماهير وطموحاتهم واستعداداتهم. فالديكتاتوريات التي رفعت شعار تحرير فلسطين انشغلت في معاركها السياسية الداخلية ولم تلق القضية الفلسطينية منها سوى التعبير عن الإرادة في التحرير والنوايا الحسنة. حتى أنه في فترة من الفترات بلغ عدد حماة دمشق العسكريين أكثر من حماة الحدود مع إسرائيل. كما أن النواة العسكرية بذاتها كانت ضعيفة؛ كانت الأقوى بين الضعفاء، وكان بإمكان ضابط صغير أن يثير القلاقل وأن يتطلع إلى القيام بانقلاب عسكري وتسلم السلطة. أما زعماء الأحزاب فقد كانوا يغيرون تحالفاتهم بسرعة مذهلة، ولم يكن أي منهم مضمون الجانب.على أن هذه الظروف مجتمعة أوجدت نوعا من التسيب السياسي ونوعا من الاضطراب ساهمان في إنتاج ديكتاتوريات ضعيفة؛ ديكتاتوريات كانت تموت قبل أن تكمل عامها الأول في حالات عديدة.

المرحلة الثانية من تطور الديكتاتورية في سوريا بدأت في سنة 1961 وذلك  في إثر الانفصال عن مصر، والأصح أن نقول بغية الانفصال عنها. وفي الحقيقة، كانت الوحدة مع مصر ارتجالية إلى حد بعيد؛ على الأقل من جانب القادة السوريين. وكانت خطأ تاريخيا دعم بقوة تطلعات القطريين وحججهم وجعل الوحدة العربية أقرب إلى الوهم، وجعل الكلام عنها أقرب إلى الهذيان. وعلى أي حال، لم يتم الاستفادة من تجربة الوحدة لإعادة المحاولة، إنما تم الاعتماد عليها لصرف النظر عن المشروع الوحدوي برمته. أما الأحزاب التي قامت أصلا على أيديولوجية الوحدة العربية فإنها ظلت متمسكة بأيديولوجيتها كي لا تنهار. فحزب البعث في سوريا لم يكن أمامه سوى خيار التمسك بالوحدة العربية كهدف استراتيجي وكعنصر جوهري في وجوده السياسي. خياره الآخر كان يتمثل في تغيير برنامجه وربما اسمه. الأمر الذي كان يجسد عبئا لا يتحمله أحد بما في ذلك وعي الجماهير. على هذا، تحالف حزب البعث مع الجيش في إثر الانفصال مثلما تحالف معه من أجل الوحدة. بل أن الأشخاص الذين قادوا سوريا إلى الوحدة مع مصر هم أنفسهم الذين باركوا الجيش لحركته الانفصالية الشجاعة التي "خلصت القطر السوري من عبد الناصر" وفي مقدمتهم صلاح الدين البيطار صانع الوحدة وأحد مؤسسي حزب البعث وأكرم الحوراني. ومن أجل التغطية على هذا التناقض الصارخ ما بين الشعار والفعل، ما بين الأيديولوجية والممارسة، تمت الاستعانة بأخطاء عبد الناصر ونائبه المقيم في سوريا المشير عبد الحكيم عامر. لقد كان حزب البعث بحاجة إلى الجيش للخروج من تناقضاته ومن مأزقه، وكان الجيش بحاجة إلى حزب البعث لتبرير خطوته الانفصالية واستمداد قوة الشرعية. فثمة تواطؤ حصل بين حزب البعث وبين الجيش، فكل منهما كان بحاجة إلى الآخر من أجل البقاء في مواقع القرار السياسي. على أن الثقة بينهما كانت معدومة في بداية الأمر. ولقد عمل حزب البعث على دمج الحزب مع العسكر في وحدة السلطة. واستطاع خلال فترة قصيرة من أن يأتي بالضباط البعثيين إلى مواقع السلطة وتحييد دور الأحزاب الأخرى. ما أدى إلى نشوء ديكتاتورية ذات سلطات جد واسعة ونفوذ لا حدود له. إنها ديكتاتورية الحزب والجيش الموحدان أيديولوجيا. إنها ديكتاتورية الضباط المتحزبون. ديكتاتوريات لم يكن لها من مصادر قوة الشرعية غير أهداف الحزب التي اتسمت بكثير من النفاق والمغالطات، والقوة العسكرية. لهذا لم يكن بوسعها أن تكون إلا ما كانت عليه من قسوة وقمع. لقد كانت ديكتاتوريات دموية وليس لها أن تختار وقد اختزلت مصادر قوة الشرعية إلى العسكر والحزب الواحد وحالة الطوارئ. وبالطبع، تطلع الشعب السوري لتحرير فلسطين لم يكن أقل حماسا من قبل، لكن الجماهير صارت أقل حماسا لتصديق الحكومات والجنرالات والأحزاب وهي تشاهدها تجري معاركها في المدن السورية وليس في أرض فلسطين. ولئن حاولت الديكتاتورية الجديدة إضفاء شيئا من الشرعية عليها بتوسيع دائرة أهدافها وتطلعاتها لتشمل تحرير فلسطين والوحدة العربية والعدل الاجتماعي وغيره إلا أنها لم تفلح في اكتساب ود الجماهير الحقيقي وتأييدهم اللازم.

أن التواطؤ ما بين حزب البعث والجيش بداية، ثم اندماجهما في وحدة ديكتاتورية وطد إلى حد بعيد آليات القمع ونسف بقوة معظم مؤسسات الحياة السياسية المدنية. فلقد ألغى استقلالية الحزب عن الجيش مثلما ألغى استقلالية الجيش عن العمليات السياسية في البلد. وأضحت قيادة الجيش وقيادة الحزب وقيادة الدولة تتمركز في شخص واحد؛ الديكتاتور الحاكم. ولقد مثلت هذه المعطيات الأساس الذي قام عليه النموذج الثالث من الديكتاتورية في سورية، والذي استلف منها قوة الشرعية فعمقها وأضاف إليها أسس أخرى.

في الواقع، استفاد بعض الضباط من الوضع الناشئ. بل أنهم ساهموا في إيجاده أيضا. فلقد كان العديد منهم في قمة المؤسسة العسكرية وفي قمة المنظومة الحزبية وفي دوائر القرار الضيقة. كما أنهم كانوا يرتبطون ببعضهم بروابط تنظيمية سرية وبأهداف معروفة لكنها غير معلنة وأخرى معلنة لكنها غير مقنعة. فاللجنة العسكرية، التي اقتصرت في بدايتها على العلويين ومن ثم ضمت إلى بنيتها عددا من  أبناء الطوائف الأخرى، كانت تتطلع إلى انتزاع السلطة على المدى البعيد. لم تمتلك مبررا آخر لوجودها على أي حال. كانوا جميع أعضاءها تقريبا ينتمون إلى المنظومة الإيديولوجية ذاتها؛ أي إلى حزب البعث، وكانوا يظهرون التزاما بمبادئه. لكنهم مع ذلك، تكتلوا في لجنتهم بما يشبه منظمة داخل منظمة: منظمة سياسية داخل الحزب ومنظمة عسكرية داخل الجيش.  ولم تغير اللجنة العسكرية أو تعدل شيئا من تطلعها الدائم إلى انتزاع السلطة بالرغم من تغير الظرف السياسي في سوريا أكثر من مرة.

إن اندماج الجيش وحزب البعث في بنية ديكتاتورية واحدة كان بمثابة الفرصة المتاحة للجنة العسكرية لتوسيع سلطانها والاقتراب من هدفها الرئيسي. حتى لقد بدا في مرحلة من المراحل أن زوال الديكتاتورية العسكرية في سوريا أو تراجع حزب البعث يعني نهاية اللجنة ونهاية آمالها. ولئن دعمت الجيش وحزب البعث بقوة؛ فأنها لم تكن تبتغي من ذلك تثبيت أقدام هاتين المؤسستين وحسب، بل كانت جد منشغلة بدفع عناصرها إلى مواقع السلطة الأمامية والتوسع الكمي والكيفي. التوسع الكمي كان يعني ضم المزيد من العناصر وحشد المؤيدين ، بينما عنى التوسع الكيفي الاهتمام بالضباط العلويين قبل غيرهم وبالقيادات الحزبية أكثر من غيرها.

المرحلة الثالثة من تطور الديكتاتورية في سوريا تبدأ إذن بانتزاع اللجنة العسكرية للسلطة في البلد بقيادة الفريق حافظ أسد. وهي ديكتاتورية لم تمتلك في بداية الأمر من مصادر قوة الشرعية غير ما خلفته من سابقتها، أي الجيش والحزب وحالة الطوارئ. على أن الفريق حافظ أسد كان أشد وعيا من غيره من الديكتاتوريين بضرورة تنمية مصادر قوة الشرعية وتنويعها وتكثيفها ما أمكن. أهتم بهذا الشأن كما لم يهتم أحد من قبله حتى لقد صارت ديكتاتوريته تشتق قوة شرعيتها من سبعة مصادر على أقل تقدير، وهي : الجيش، قوات الأمن، حزب البعث، الطائفة، حالة الطوارئ، أحزاب سورية أخرى، قضية فلسطين. وهي مصادر لم تضمن له قوة الشرعية اللازمة وحسب، بل أمنت له الديمومة المذهلة بالرغم من سوء التدبير والظلم والتذمر.

فمنذ أن تسلم السلطة سارع الفريق حافظ أسد إلى إعادة هيكلة الجيش. فهو لم يكن لا يثق به وحسب، بل كان يعلم أنه العنصر الوحيد في السياسة السورية القادر في تلك الفترة على أن يفاجئه. ولقد أتبع في ذلك محورين رئيسيين. عمد أولا إلى إعادة توزيع الكوادر العسكرية وفق معياري الولاء والانتماء، الولاء له وللحزب والانتماء للطائفة العلوية. فكان أن قام بتسريح أعدادا كبيرة من الضباط السنيين وغيرهم، غير البعثيين بشكل خاص، فيما دفع بضباط علويين إلى قمة الهرم العسكري بسرعة لا تخضع لشرع أو قانون. كما أن عملية تشغيل مراكز السلطة العسكرية خضعت بدقة كبيرة للمعيارين المذكورين أيضا. من ناحية ثانية، أستمر الفريق حافظ أسد مخلصا لعقليته ولحذره الشديد فأوجد جيشا داخل جيش. فسرايا الدفاع التي تم إنشاءها بقيادة شقيقه رفعت أسد بغرض حماية السلطان من العدو الداخلي كانت تتمتع باستقلالية كبيرة عن إدارة الجيش. وهي وحدات تمركزت في دمشق وضواحيها ودربت أفضل تدريب وسلحت أفضل تسليح وكادت كوادرها القيادية أن تقتصر على أبناء الطائفة العلوية. وفي الحقيقة، أظهرت سرايا الدفاع فاعلية في مهمتها، لكنها أظهرت تجاوزات لا تحصى ولا تُقبل، وأبدت وحشية حقيقية وفضة في تعاملها مع حركة الأخوان المسلمين. بل أنها كادت أن تتمرد على الرئيس نفسه ما أدى إلى حلها وأوكلت مهامها إلى ما سمي بقوات الحرس الجمهوري التي قادها فعليا باسل حافظ أسد. أضف إلى ذلك ما سمي الوحدات الخاصة والتي تم تشكيلها في وقت سابق بقيادة ضابط علوي مقرب وبدت بمثابة رافد محتمل ومستقل للدفاع عن السلطة في حالة الحاجة. بل أنها لعبت دورا حقيقيا في قمع حركة الأخوان المسلمين في بعض المدن السورية. لقد استطاع حافظ أسد في نهاية الأمر من ضمان الجيش وقد غير بنيته حتى أضحى أكثر من 85% من القياديين العسكريين الرئيسيين هم من أبناء الطائفة العلوية، كما أمسى الحرس الجمهوري قادرا على إحباط أية محاولة عسكرية لقلب العلاقات السياسية ونظام حكمه.

في حقيقة الأمر، شكلت ميول الحذر والاحتساب للمؤامرات مستويين مركزيين في تفكير الفريق حافظ أسد، الأولى فرضتها احتياجات نشاط اللجنة العسكرية والثانية مارسها شخصيا ومورست عليه أيضا. لم يكتف بتغيير الطابع القيادي والبنيوي للجيش، بل عمد أيضا إلى تكوين قوات أمن ضخمة، ومن ثم قوات أمن داخل قوات أمن وقوات أمن مستقلة عن قوات الأمن وقوات أمن على قوات الأمن حتى بلغ عددها سبع مؤسسات أمنية تضم أكثر من سبعين ألف عنصر مهمتها حماية النظام. ولقد منحت تلك المؤسسات إمكانيات كبيرة للتحرك والعمل وأوكلت لها صلاحيات واسعة للاعتقال والتعذيب والقتل والاغتيال وغيره دون العودة إلى مؤسسة دستورية أو إلى شخص غير الرئيس ذاته. وكان للمؤسسات الأمنية أن تنشر عناصرها بين الجماهير فتفكك من بنيتهم وتنشر الرعب في سلوكهم وتحد من ثقة الفرد بالفرد ومن القدرة على التعبير وعلى التنظيم.

لكن الفريق حافظ أسد لم يتوقف عند الجيش وقوات الأمن للنهل منهما قوة شرعيته. فلقد كان يدرك أنهما قد يكفيان، لكنه كان يدرك أيضا أنهما يمثلان شرعية القوة لا شرعية العامة. على هذا لجأ إلى توسيع المنظومة الحزبية بكل السبل المتاحة. فكان أن ربط الانتماء إلى حزب البعث بالامتيازات وغير الانتماء إليه بالحرمان. امتيازات للبعثيين  في العمل وفي التقدم في العمل وفي الانتساب إلى الجيش وإلى مؤسسات الدولة المختلفة وفي المنح الدراسية والجامعات حتى، أو في بعض فروعها على الأقل وغيره وغيره. مما أدى في النهاية إلى جمهرة حزب البعث وانتشاره في الأوساط الفقيرة والريفية التي رأت في امتيازات الانتماء إلى حزب البعث تعويضا من نوع ما عن أوضاعها السيئة.

على أن جمهرة حزب البعث كان أمرا سهلا في ظل غياب الأحزاب السياسية البديلة. ولا أعني أنها لم تكن موجودة. كانت قائمة، وكان أعضاءها موجودين في السر أو في السجون أو في ظل حزب البعث. فلقد عمل حافظ أسد ومنذ تسلمه السلطة على أضعاف الأحزاب السياسية السورية ما أمكنه ذلك. اتبع لهذه الغاية سياسة العصا والجزرة؛ فكانت جزرته رخيصة بخسة مقابل الخضوع التام وكانت عصاه غليظة قوية لمن رفض الخضوع واستنكر. فانشأ ما يُسمى بالجبهة الوطنية التقدمية التي ضمت إلى جانب حزب البعث المسيطر على قراراتها وسياستها،عدة أحزاب جد ضعيفة تتقاسم فيما بينها مقاعد بسيطة محدودة. في ذات الوقت لاحق الأحزاب الأخرى أو المنشقة وضربها بعنف شديد. على أن بعض أحزاب الجبهة كانت اقرب إلى الكيانات العائلية منها إلى المنظومة السياسية بالمعنى الحقيقي. أحزاب يرأسها الفرد حتى الموت ثم توُّرث لزوجته أو لأقربائه مع مقاعدها في الجبهة أو في البرلمان. الأمر الذي كان يسعد حافظ أسد ويلقى منه التشجيع. فالجبهة بالنسبة له، تمثل ليس فقط مقبرة الأحزاب السياسية السورية، بل أيضا قناعا يخفي بعض عيوبه السلطوية وراءه وشريانا آخر يغذي حكمه بقوة الشرعية. 

إلى جانب المصادر الرئيسية هذه لقوة الشرعية دعم حافظ أسد ديكتاتوريته بمصادر أخرى على قدر كبير من الأهمية. فلقد ورط عددا من أفراد الطائفة العلوية في مشروعه الأمني ، وورط عددا من أبناء الطوائف الأخرى في الفساد ما سهل عليه السيطرة عليهم. فالعلويون المتورطون أصبحوا جزءا من المشروع الأمني-الطائفي الكلي، وصار عدم الإخلاص الأعمى لمشروع حافظ أسد يعني في الوقت ذاته خيانة للطائفة. من جهة أخرى، كان حافظ أسد يعلم جيدا أن الفاسد قويا بماله ضعيفا بأخلاقه وشعبيته، وأن مال فساده هو سيف مسلط على رقبته يمكن استخدامه عند الضرورة كما حصل في السنوات الأخيرة مع رئيس الوزراء الزعبي. وأبقى حافظ أسد على حالة الطوارئ معتبرا أنها عماد التجاوزات اللازمة لتحييد شرعية الدستور لصالح شرعية السلطة، وأنها سند لا يجوز التخلي عنه لمحاربة عناصر السياسة السورية الخارجة عن طاعته وسلطانه. ووظف حافظ أسد قضية فلسطين في عملية إمداد ديكتاتوريته بقوة الشرعية وهو المتلمس جيدا وقع هذه القضية في نفوس الشعب السوري. فكان أن رفع شعار التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل، وساهم في تأسيس جبهات للصمود والتصدي، وحمل بشدة على أشكال التسوية، بل وحمل وتحامل على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لأنه تجاوز إرادته فيما يخص هذه القضية. غير أن الممارسات الفعلية كانت غير ذلك. ففي حين كانت إسرائيل تبني الجيش الموالي للوطن كانت ديكتاتورية حافظ أسد تبني الجيش الموالي للسلطان. 

لقد ورث الدكتور بشار حافظ أسد أبيه ومصادر قوة الشرعية وآليات الحكم والفساد والتذمر العام وهموم الطائفة والوضع الاقتصادي المزري والمتغيرات المحلية والدولية. والأصح أن نقول أن التركة كانت مثقلة بالماضي للغاية وقوية للغاية في آن. ومن المهم أيضا الإشارة إلى حقيقة أن الدكتور بشار حافظ أسد لا يملك الوسائل الكفيلة لمواجهة تلك الآليات وتلك التركة بفاعلية حقيقية، خاصة وأنها هي التي أتت به وهو لم يأت بها. يجب ملاحظة أن التركة السياسية والعسكرية والاقتصادية والطائفية والفساد والظلم هي التي تحكم الوضع الفعلي في سوريا وهي التي تملي على الدكتور بشار أسد منطقها وحاجاتها وضروراتها، والعكس قد يصح في حدود ضيقة، والأرجح أنه لا يصح أبداً. ومن هنا كان تعليق الأحلام بالانفراج الديمقراطي في سوريا على شخص الدكتور بشار أسد أو على تصريحاته أو خطبه نوعا من الهروب من الحقائق الماثلة وخطأ يجب تجنب الوقوع فيه. فلقد شغل دكتور بشار أسد موقع الرئاسة أصلا بفضل مصادر قوة الشرعية التي خلفها والده (الجيش، وقوات الأمن، والحزب، والطائفة، وحالة الطوارئ، والفاسدون)، وما كان ليشغله، على الأرجح، بغيرها. فهو أستمد شرعية وصوله إلى السلطة من هذه المصادر وليس له من مصدر آخر يستقيها منه. أنه من غير المؤكد أن يستمر في موقعه الرئاسي في ظرف ديمقراطي. فقوة الشرعية السائدة في البلد هي ضمانه اليقيني الوحيد للبقاء بصفته الحالية. استمراره في موقعه مرتبط ارتباطا عضويا باستمرار الحالة القائمة. حتى فيما لو افترضنا أن له إرادة حقيقية في التغيير( وهذا أمر بعيد كل البعد عن الحقيقة وعن الممكن، وأكده في لقاءه الأخير مع تلفزيون الجزيرة عندما قال أنه لم يأت ليغير النظام)، فأنه غير قادر بحال على فرض إرادته على الواقع السوري في شكله الحالي. فالدكتور بشار حافظ أسد، بصفته رئيس، هو نتاج الوضع، يحمل سماته ويحافظ على مكوناته. هو صنيعة تلك الشريحة من الجنرالات العسكرية المتورطة في فساد أو قتل. هو رغبة المؤسسات الأمنية الضاربة جذورا عميقة في الحياة السياسية السورية. هو غير الفاسد الذي يحجب الفساد عن الرؤية. هو نتاج تاريخ طويل من التجاوزات القانونية ومن القمع والقتل والتشريد الذي مارسه غيره، وأصبح بحاجة ماسة وحيوية لطبيب تجميل. هو ثمرة  حزب البعث الذي أصبح يحتاج إلى طبيب لإبقائه على قيد الحياة بعد أن شاخ واحتقن بالوصوليين والمنافقين والمرتزقين. هو أشياء أخرى لم يصنعها لكنها صنعته، إن لم يحافظ عليها لن تحافظ عليه. من هنا كان الرهان عليه هو الرهان على أولئك الذين انتفعوا من الديكتاتورية على مدى ثلاثة عقود وحافظوا عليها وصاروا يقلقون على مستقبلهم من أدنى تغيير. فمن المعلوم أنه في ظل أي نظام سياسي يُغيب مؤسسات الرقابة والمحاسبة والديمقراطية تتكون شريحة من المنتفعين منه وبه. وهي شريحة ترتبط مصالحها عضويا ببقائه وتعول عليه في وجودها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وغيره. وعندما يكون النظام قائما على قوة القهر في شرعيته وعلى الفساد ، فأن هذه الشريحة لا تقتصر على الانتفاع به، وإنما تصبح سريعا متورطة بقوة الشرعية وتصبح شرعيتها أيضا مرتبطة ارتباطا وثيقا بوجود النظام واستمراريته. وعلى هذا ينشأ ما يمكن أن نسميه بدائرة النفع الوجودي المتبادل. فمادام النظام قائم على سواعد هؤلاء، ومادام وجودهم هو شيء ممكن بفضل استمرار النظام وحسب فأنه يوجد هناك دفاع مستميت متبادل بينهما. النظام يحميهم وهم يحمون النظام.

هذا يقودنا إلى مسألة جد حيوية وأساسية؛ إلى مسألة إرادة الديمقراطية في سوريا. فثمة من يرى آفاق الديمقراطية مرتبطة بإرادة الديمقراطية قوة ومنعة. وإذا ما انطلقنا من كون الإرادة الحقيقية لا تكمن في النوايا أو في الرغبات وإنما في العمل وفي الممارسة فأننا نصدم من جديد بالواقع المرير. فمما لا شك فيه أن الجماهير السورية الواسعة تتطلع بتوق وتبجيل للحياة الديمقراطية، لكن إرادتها لتحقيق ذلك سلبية وراكدة ومترددة. مثل هذه الإرادات المجردة من الفعل كانت عبر التاريخ عبئا قبل أن تكون عامل قوة. لم تكن مؤثرة على أي حال. وعندما نحاول رصد إرادة الديمقراطية في سوريا بالمعنى المعطى، فأننا نجدها تنحصر في المثقفين المولعين بالقيم الإنسانية السامية والمحنطين بإحساسهم للعدل والذين يمتلكون الشجاعة والاستعداد لدفع الثمن. وبالرغم من أن عددهم يتزايد يوما بعد يوم إلا أنهم لا زالوا غير قادرين بوضعهم الحالي، وضع اللاتنظيم والمسايرة والمساومة والتردد، على أن يشترطوا إرادة الجماهير أو أن يفرضوا إرادتهم بين ثوابت ( أو حتى بين متغيرات) السياسة والقرار السياسي والتحولات السياسية. على العكس من هذا ، إرادة اللاديمقراطية هي مسألة وجود لبعض الشرائح التي تعتقت في السلطة فأصبحت جزءا منها. فإرادة اللاديمقراطية واسعة الانتشار في مراكز القوة والسلطة والحزب وغيره.

لم يكن القصد مما سبق تقديم صورة سيئة للوضع الديمقراطي في سوريا. فهذا لا يفيد شيئا مثلما هو في نفس الوقت ليس من المفيد أبدا تجميلها. كما أن هذه الصورة المريرة يجب أن لا ترسم مستقبلا محبطا للتطلعات الجامحة إلى دقرطة الحياة السياسية في البلد. على العكس، إن الوقوف على دقائق الواقع بشجاعة وشفافية لا يحد من المد الديمقراطي أو من التطلع إليه، بل قبلا يرفده ويشد من عزيمته.  كما أن الديمقراطية هي قدر سوريا كما هي قدر غيرها من البلدان التي لازالت تُحكم بعقلية المُلك والوصايا. ذلك أن للجهل نهاية وللظلم مدى وللفساد مدى وكلاهما قد تم تجاوز مداه أو على وشك. وفي الواقع هذا يأخذنا إلى الحديث عن آليات التحول الديمقراطي الممكنة. وهذا، أمر معقد ودقيق وشائك وليس من مكان له هنا.