|
|
|
محمد الدروبي والرقص الفاضح في هياكل الشرق ( صحيفة الزمان ) هل يمكن لحدود القيم العامة أن تتساوى مع حدود الفهم الإنساني لمتطلبات الحياة الاجتماعية ؟ هل يمكن أن تسمو القيم فوق الحاجات الضرورية الأساسية لحياة الفرد فتصل إلى مواقع الأشياء المقدسة التي تستعبد الإنسان فتسخر قواه لها بدل أن تُسخر لاحتياجاته ؟ إن هذه، وأسئلة أخرى تطرحها رواية الكاتب السوري محمد الدروبي الصادرة تحت عنوان" الرقص في هياكل الشرق " عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. رواية تكثر من الأسئلة وتقل من الأجوبة. تضع القارئ أمام الحيرة بدل أن تضعه على طريق اليقين، تضعه أمام السؤال بدل أن تلمح للجواب. تتوزع أحداث الرواية على ثلاث مستويات مكانية و قيمية. وهي مستويات متداخلة قليلا متناقضة كثيرا. فهناك أولا الريف السوري، حيث الكل يعرف كلا والمقدسات لا تحصى. أما صاحب الرذيلة فأنه لا يُسامح وأما صاحب الأخلاق فأنه يتجنب الملامة وحسب. ففي الريف تكون للأشياء الصغيرة معان كبيرة، وتكون المبالغة في التقيد بالآداب نوعا من الفضيلة. وفي تلك الأجواء ؛ في رحاب هيبة الأب وسلطانه المطلقين، نشأ بطل الرواية هارون شابا مفعما بالبراءة والأوهام. وإذا كانت البراءة لا تدين صاحبها إلا أنها قد تأخذه إلى مواضع الاتهام والى مصاعب. يدخل هارون السجن بذنب غيره لكن أبوه لا يغفر له ذنبا لم يرتكبه. والده هو رجل متزمت جدا، متعبد في محارب القيم العامة، أخلاقي جدا، مغال أبدا. هذه أشياء قد تنفعه أو قد تشبع غروره، لكنها بالمقابل تدفع بشاب إلى الشارع. الكاتب يرى أن الناس قد تُغلب مطالب القيم على روابط الأبوة في مجتمع لا يحاكم الأشياء بالعقل والتروي أو بالمشاعر الداخلية الفردية البحتة. أحكام الفرد تتساوى مع أحكام المجتمع أو مع ما ينتظره المجتمع ويتوقعه من الفرد الخاضع. يبدو هذا واضحا من العصبية العمياء الكامنة في الطريقة التي يتبعها والد هارون لطرد ابنه من البيت. فالتزمت يصنع القسوة والقساة كما تظهر الرواية. لكن هل هي قيم حقا تلك التي تجعل المرء يتبرأ من ابنه غسلا للخطيئة. أليسوا الأولاد ذواتهم قيمة مقدسة ؟ ويبدو أن الكاتب الدروبي شاء أن يقول أن ثمة خلط قيمي في العالم العربي، حيث تعلو القيم الاجتماعية قيم الإنسان الحقيقية الملموسة، وذلك حين ابرز في اكثر من مكان مقتل الحياة في مذبح القيم. كان على هارون أن يواجه مصيره بمفرده. شاب تنقصه التجربة والحيلة. أمضى ليال على قمة التل المجاور للقرية قبل أن يعطف على حاله فرنسي لم يرحل مع الفرنسيين. وفي بيت الفرنسي يتعرف على معان للحياة مختلفة وعلى فتاة احبها بصمت، بكتمان، فكانت المعاناة وكان الحرج. ينتقل هارون إلى المدينة ليتابع دراسته. مستوى آخر من القيم وامتحان جديد لبراءته. القيم السياسية تنتشر في المدينة، في الجامعة، بين الشباب. أمام القيم السياسية، في مجتمع مضطرب سياسيا، كل القيم مستباحة. في ذلك الزمن، في نهاية الستينات، كانت السياسة تجارة بالقيم مربحة. شعارات لا تحصى، شعارات لا أساس لها سوى الجهل والوهم. لكن هارون ظل يرنو إلى المثاليات إخلاصا لبيئته الريفية من ناحية وتكفيرا عن ذنب ألتصق به دون أن يرتكبه من ناحية ثانية. أندمج الشاب بالحياة السياسية سريعا حيث أنها بدت له بمثابة انتماء كان يفتقر إليه في كثير من الأحيان. لكن الأحزاب السياسية في سورية، في تلك الفترة، كانت ترتفع على ظهور الأعضاء الضعفاء. هذا على الأقل ما يمكن أن يُستشف من الرواية. وكان هارون نموذجا ممتازا من البساطة والضعف، فكان اختياره من قبل الحزب قربانا من أجل ارتقاء الحزب والقادة. لكن هارون كان أضعف من أن يقوم باغتيال وزير الداخلية، أو الخلد على حد تعبير الراوي. كان أجبن من أن يرفض أيضا. وإذا فكر بالهروب، فأن ما عجل بالأمر هو اعتقال صديقته ورفيقة الحزب والمهمة الصعبة. على أن الكاتب سقط بالمحظور الأدبي عندما أتخذ موقفا واضحا من الحالة السياسية التي كانت قائمة في سورية في الستينات. غاص في أعماقها تحليلا، واعتبرها نموذجا من ألعاب السيرك الذي تديره لجنة عسكرية، فلا هموم أعضاءها هموم الوطن ولا حاجات الوطن حاجاتهم. أنه يكاد أن يوجه الاتهام، وهذا ما يخرج عن النسق الروائي الذي يظل وصفا أدبيا بحتا، متماسكا، إلى أن يصل إلى هذه النقطة الحرجة من معاناته السياسية. يفر هارون إلى خارج البلاد قبل وقوع حادثة الاغتيال بيومين. مع ذلك يوجه الاتهام إليه، وتلاحقه السلطات السياسية والقضائية. الحزب يتبرأ منه كي ما يتبرأ من حادثة الاغتيال. الحزب يلاحقه ويتمنى له الموت كي تموت أثار مغامرة سياسية ومقتل وزير. " أيادي السياسيين الدامية تُغسل بدماء الشهود ". هارون يصل إلى أوروبا، ويبدأ مشوار جديد من المعاناة. إن أشد أشكال المعاناة ألما هي الناتجة عن فقدان حلم أو تطلعات أو مثاليات. الراوي يسجل عيبا على الأحزاب السورية بأنها كانت تكتب الواقع على غير ما كانت تتكلم وتقول. كانت تقول شعارات رنانة إنما كانت تلون الواقع بالمصائب. "لم تكن شعاراتكم غير وريقات توت لعورات ضخمة ". يقضي هارون سنوات عديدة في أوروبا. يتعلم خلالهن الأنانية المفرطة، والحذر الشديد، والانتهازية." لقمة العيش تلغي كل التحفظات الأخلاقية". بناء على هذا، يقوم بمغامرات متحررة من رقابة الضمير، فيخلف ضحايا. ضحاياه من النساء. هو ذاته يقع ضحية امرأة تريد من الحياة طفلا بلا أب. لكنه كان يتهاون إزاء تطور الأحداث. بل أن اللامبالاة كانت تصم تصرفاته في كثير من الأحيان. عندما تتغير الأحوال السياسية يعود هارون إلى البلاد. التغيير لا يعنى الأفضل. الأشخاص ذاتهم إنما بأدوار جديدة. المصائب ذاتها إنما السادة جدد. أذن لماذا عاد إلى الوطن الذي قسا عليه يوما فكاد أن يودي بحياته ؟ هل عودته بغية انتقام كما قد يلاحظ القارئ أم أنها محاولة لرد الاعتبار ؟ إن أول ما يفاجئ هارون، لدى عودته، والده مسلحا بالفخر به، لكن بعصا الطغيان والأدب أيضا. هارون تبدل فما راق لوالده ذاك التبدل الملحوظ. صفعه معبرا عن خيبة ومضى. مضى هارون أيضا إلى تصفية حساباته مع رفاق السياسة السابقين. الرقص في هياكل الشرق رواية الأحداث المكثفة جدا، والصور المعقدة، والأسلوب المركب جدا. رواية الاحتجاج والجرأة التي أخذتها إلى المصادرة والمنع في الأردن ومصر وبعض البلدان العربية الأخرى. ولعله من سوء حظ الكاتب أنه لم يستطع دائما أن يبقى في سياق القص الممتع، فكان من حين إلى آخر يطالعنا بحكم قبل أن يطالعنا على القضية. ويبدو واضحا تأثير انقطاع الكاتب الطويل عن مكان الرواية حيث يسجل مواقف تجاوزها الزمن بجيل. لكن تظل الرقص في هياكل الشرق رواية الرقص الفاضح في مجتمعات تخشى اكثر ما تخشى الحقيقة والفضيحة. |