E-mail                   Home

 


فانتازيا جديدة ... لترسيخ ذهن جديد

في الثمانينات، عندما سقطت بيروت ولم يستطع العرب حمايتها، كان لابد من موازاة ذلك سقوط الكثير من المفاهيم الفكرية والإيديولوجية على كل الأصعدة؛ سياسياً واجتماعياً وبالتالي فكرياً. وإذا كنا نعلم كثيراً أو قليلاً عن المفاهيم السياسية التي سقطت، فالتساؤل هو: ترى أية مفاهيم أدبية اندثرت بسقوط بيروت؟

آنذاك كان أدب "حنا مينا" مثلاً يمثل مرحلة ما قبل بيروت؛ رواية تبدأ بصراع أو صراعات أصطلح على تسميتها "صراع الطبقات" حيث في النهاية يتباهى البطل بين جموع الجماهير، وتشرق الشمس، ويعود كل إلى بيته سعيداً، ليعيش في ثبات ونبات وينجب لدولته اللطيفة البنين والبنات.

بالطبع، كانت هناك قوى كثيرة تدعم هذا الفكر، ابتداء بالشقيقة موسكو حتى آخر أباطرة الاشتراكية الذين (ميعوا) أجمل المشاعر الإنسانية ووقفوا محاربين عتاة أمام مد الفانتازيا – والتي هي إحدى ضرورات نجاح أي عمل أدبي.

في هذا المنحى ظهرت حركة شابة بدأت بالتجريب وبالغوص في فانتازيا الذات، لاسيما ذات الكاتب التي هي غالباً انعكاس لذات اجتماعية مخفية. لقد أسس لهذا النهج بشكل أو بآخر أدوار الخراط في مصر، سليم بركات في سوريا، إبراهيم الكوني إلى حد ما في ليبيا، بالإضافة إلى بعض كتابات القاص والروائي العراقي فؤاد التكرلي، وأن كان هذا الأخير ينتمي إلى جيل آخر.

على أية حال، في الثمانينات وما تلتها، بدأ الحديث عن الرواية العربية الجديدة؛ الرواية التي بدأت تنشغل اكثر على هموم لغوية، وسياقات فكرية متعددة، وبدأت حركة النقد العربية الخجولة بالحديث عن "رواية شعرية" أو عن "شعرية الرواية" وعن "الواقعية السحرية" ورواية الفانتازيا.

والواقع، يمكن القول أن كل هذه التسميات إنما جاءت لتحمل هذا الفن الجديد أو الطارئ إلى جسر المصطلح وتقريبه لذهن القارئ. لكن للآسف، لم يستطع هذا النقد احتواء هذا النتاج الإبداعي. وإذا كانت النتاجات الأدبية الغربية هي وليدة الفكر النقدي والمدارس النقدية في الغرب، فأنه في المشرق كان العكس وما زال، إذ يحاول النقد اللحاق بالنتاج الأدبي.

رواية "السيد يلعب غميضة" هي مقاربة ومحاولة أخرى جريئة من الكاتب الدكتور محمد الدروبي لتأسيس هذا النهج الروائي العربي الجديد، هي رواية إن شئت أن تنهي قراءتها بعد خمسين صفحة لأمكنك ذلك، وإن أردت قرأتها للصفحة الأخيرة فلن تشعر إلا بالمزيد من التوق إلى المتابعة.

ثقافات متعددة، وأشخاص أسطوريون، وأبطال مكسورون، نلتقي بكل هذا بين دفتي الكتاب، فنتعاطف مع الجلاد في الرواية كما نتعاطف مع الضحية. هذه مميزة الكاتب الدروبي في حياديته الهادئة وواقعيته التي قد تبدو لا معقولة؛ ولكن أي معقول في عالمنا؟

"السيد يلعب غميضة"هي رواية الأمكنة المتعدد وليس المكان الواحد، الأزمنة المتعددة وليس الزمن المحدود، الثقافات المتعددة وليس الثقافة المحصورة المميزة لهذا القوم أو ذاك. محمد الدروبي، في روايته هذه، يضع يده على الجرح ولا يصف العلاج، لأن الكاتب الكسول وحده يعتقد بأنه قادر على شرح العلاج، ووحده القارئ الكسول ينتظر هذا من الكاتب.

أن تقرأ "السيد يلعب غميضة" عليك أن تكون قارئاً بهلوانياً، وألا سوف تضيع وتغرق في بحور حُنية كما غرق الحبشي من قبل!

كلمة أخيرة أضيفها هاهنا. للآسف أن تنشر هذه الإبداعات لكتاب يعيشون بعيداً عن أوطانهم، لسبب أو آخر. إذ أن هذا الانقطاع المكاني بين الكاتب ومحيطه يؤثر كذلك في عملية إيصال هذا التأسيس الجديد للناس المعنيين من قبل الكاتب، ومحمد الدروبي أحد هؤلاء الكتاب بامتياز.