|
|
|
الشاعر موسى حوامدة أمام محاكم الإبداع ( الزمان، إيلاف ) يوماً بعد يوم يؤكد العقل العربي اعتزازه الكبير برصيده المتراكم تاريخياً من المعارف الثابتة كآله قديم في تاريخ قديم. مرة بعد مرة يُبدع العقل المؤسساتي العربي تأويلات محيرة ما أنزل الله بها من سلطان، لعمل إبداعي يستحق الثناء والتقدير، فيدفعه نزقاً إلى الفناء، ويسحب صاحبه إلى المحاكم والسجون. حين بعد حين، نحزن ونأسف ونتضامن مع مبدع سلبته، أو حاولت المحاكم أن تسلبه زوجته وأملاكه ودينه لأنه في لحظة الكتابة سجل قولاً أو جملة تحتمل أكثر من تأويل! ولئن كانت محاكمة الإبداع هي أسطع صور الانحطاط وأسفلها، فأن القائمين على تلك المحاكمات يستحقون الرثاء بجدارة. وقد لا يتسع المجال هنا لتعداد ضحايا التكفير والتدمير والإجحاف من بين المبدعين العرب، والذين شردتهم الرقابة المتحصنة بالدين دون أن يكون لها حكمة أو معرفة بعلوم الدين، من بيوتهم ومن أعمالهم ومن كيانهم النفسي والعاطفي بدماء باردة وحمق شديد. ويبدو أن الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة، والمتميز بكتاباته الرصينة والملتزمة والمنتفضة على الظلم كأطفال الحجارة هو الضحية الحالية. فللمرة الثامنة يجرجره الباحثون عن خطأ في التحية إلى المحاكم بعد أن ثبتت براءته في سبعة أحكام سابقة. ولئن كانت التهمة تغير لونها كالحرباء، إلا أنها كالحرباء أيضا لا تغير جلدها. ففي قصيدة "يوسف" الواردة في ديوانه الشعري "شجرتي أعلى"، والصادر في سنة 1999، يحاول الشاعر أن يحتج ويصرخ وينبه إلى خطورة توظيف قصة "يوسف" في المشروع السياسي الصهيوني الرامي إلى التطبيع مع العرب بالقفز من فوق حقوقهم وبغض النظر عن معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وتكريساً لضياع اللاجئين في ديار العرب وذوبان وجودهم كقطعة جليد. الأمر الذي وجدت فيه دائرة الرقابة الأردنية بقدرة خفية لا يطالها ولا يستسيغها الحس السليم، وبعيون لا ترى كما نرى، نكراناً لقصة يوسف واعتداء على مصداقيتها وتحريفاً للقرآن وكفراً وردِّة وأشياء أخرى تعف النفس عن ذكرها. والمفارقة التي هي واحدة بين مفارقات لا تحصى تدمغ العالم العربي وعقله بالميل الدائم والشديد إلى الانغلاق على النفس، عن الآخر، كالقنفذ الخائف، تكمن في أن التفسير الذاتي المحض القائم على بنية نفسية ومعرفية محددة ومتصلبة كرأس الختيار، والفهم الخطأ لقصائد المبدع حوامدة كخيار يلبي الاهتمام ويشبع الغرور الجائع يمثل محنة حقيقية للشاعر بدل أن يكون محنة محزنة لصاحب الخيار في الفهم والتفسير والتأويل. ولو كان من المعقول أو المقبول جدلاً، أن تتم محاكمة مبدع على عمله، فإن الحد الأدنى من الإنصاف يتجسد في محاكمته على أساس مواقفه الواضحة وفهمه الصريح لمضامين إبداعاتها لا على أساس فهم الآخرين له ولها. فبأي منطق وبأي دين وبأي شريعة يكون الإنسان مسؤولاً عن فهم الآخرين له ولقوله؟ ثم، كيف يمكن لشخص أو مجموعة صغيرة من الأشخاص أن تحتكر فهم الإبداع وحقيقة المبدع وتتعالى على القدرات العقلية للآخرين وتتمادى على حق المبدع في أن يبرز معاني ما يقول أو ما أراد قوله؟ إن الذين يخشون على الدين من مبدع بدون سبب أو لسبب واهي، ويخافون على المسلمين من جملة تحتمل أكثر من تفسير، إنما هم في واقع الأمر قليلوّ الثقة بكتاب الله وبقدرته جل جلاله وبحكمته وبأحكامه، وناكرون لحجة المسلمين ولعمق إيمانهم ولقدرتهم العقلية على الفهم والفرز والخيار، فكأن المسلمين قاصرون، وبحاجة إلى راع ليأخذهم إلى الصراط المستقيم. غير أن الحقيقة هي بعكس ذلك، فكتاب الله والمسلمون هم بحاجة إلى رفع الوصاية لا إلى تشديدها، وذلك كي يتسنى لهم أن ينيروا مشعلاً في الساحة الحضارية العالمية، ويضيئوا قيم الإسلام المتألقة أبداً في رحاب واسعة من التسامح والانفتاح بدل تعزيز "القيم" المحشورة حشراً في زواياه. إن محاكمة الشاعر المتألق موسى حوامدة ليست هي الأخيرة، وليست فريدة، ولا تعنيه وحده. إنها خازوق تركي في ساحات المبدعين، تهددهم جميعاً وتترصد أقلامهم. وإذا ما صدر حكماً بحقه، لا قدر الله، سيمثل نكسة جديدة لتداعيات المبدع عموماً، وهزيمة للإبداع. |