|
|
|
فصل جديد في مسرحية السياسة السورية، تكتبه المعارضة هذه المرة ( إيلاف ) بمحاولة نبلاء من القوم الاعتصام أمام مبني البرلمان في دمشق، سجلت "المعارضة" السورية حضورها، على طريقتها الخاصة، في الثامن من آذار من هذا العام. إنها مبادرة جديدة، شجاعة، لتحصين الأمل في أنه قد حان الوقت لتشرق شمس الحرية في سماء سوريا بعد هذا الليل الطويل. إنها نوايا حسنة، طيبة، تكاد أن تكون ساذجة، قادت كمثيلاتها، كسابقاتها، إلى الإحباط. ذلك أن "المعارضة" علقت أمالاُ كبيرة وثقيلة على خيوط الرجاء الواهية، التي نسجتها، ولطالما تنسجها لنفسها وهي في حالة من الضعف والإحباط والتشظي مثيرة للعطف، بأن تدفع السلطة المتكلسة باتجاه إلغاء حالة الطوارئ في ذكرى نفس ذلك اليوم البعيد الذي حمل إلى سوريا وضعاًُ استثنائياً عنوانه حزب البعث الذي لا يخطئ إلا بمشيئة الله. إنها معارضة هذا الزمن العربي البائس البائسة؛ معارضة الإفلاس من السند الأخلاقي في شتاء العرب هذا القادم من واشنطن. إنها معارضة الحد الأدنى؛ معارضة أضعف الأيمان. ويبدو أنه علينا أن نستخدم تعبير "المعارضة" مع الكثير من التحفظ، لأن هذا التعبير يعني أن يكون لها وجود قانوني وفرص للتأثير، أو أن يكون لها شرعية ما تستمدها من الشارع أو من انجازاتها أو من ماضيها، وهي لا تملك مثل هذه المقومات سوى في أدبياتها التي تطل علينا من حين إلى حين كعهد عابر يذكي الأمل ويعد بالخيبة. أما "التضحيات" التي قدمتها، وتتباهى بها بدل أن تخجل منها، فأنها لا تنفصل ولا تفوق التضحيات الحقيقية التي كان على المواطن السوري أن يدفعها. إنها غير محقة في تسجيل هذا الدور، المعارضة الديمقراطية، لنفسها فيما لو انطلقنا من بنيتها الفكرية والعملية أو من أهدافها المعلنة أيضاً. فمن ناحية أولى، يجب الانتباه إلى الحقيقة الماثلة أبداً، وهي أن تختلف مع شخص لا يعني أنك نقيضه. أن تختلف مع ديكتاتور لا يعني أنك ديمقراطي أو لأنك ديمقراطي. وهذا ينطبق بامتياز على حالة طيف واسع من المعارضة السورية ومن رموزها. وليس بالتجني أو بالجديد القول أنها معارضة قوامها في الغالب، فرق متفرقة لا يجمعها إلا الشعور بالعجز والنرجسية الضاربة أطنابها في الفراغ المخيف. وبالرغم من محاولات متكررة في الأعوام الأخيرة للتعايش مع الآخر إلا أنها لا زالت كل تعيش بمفردها، في قوقعتها، تعبيراً صارخاً عن عدم قدرتها على الممارسة الديمقراطية. بل قد تكون سوريا هي الدولة الوحيدة التي أنتجت لجان ومنظمات مدافعة عن حقوق الإنسان عديدة في وقت قصير للغاية حتى بتنا لا نعرف مقر هذه في باريس أو في لندن أو في دمشق وذلك لفرط تشابه الأسماء والأهداف والمسيرة السياسية. ومن ناحية ثانية، الانفتاح الديمقراطي يعني التعري، وأكثرهم يخجل من عوراته. الديمقراطية تعني الشفافية وأكثرهم اعتاد على العيش في الظلام. لا زالت كل فرقة منها تجول وتصول بمفردها لتؤكد مبدأ "الصراخ دليل ألم في حين، ودليل عجز في أكثر الأحيان". غير أن السوء يزداد بروزاً مع ميل "قادة" المعارضة، ومنهم من تمتد جذوره إلى مؤسسات الديكتاتور العسكري أمين الحافظ، إلى إقصاء الآخر بكل السبل الممكنة؛ الآخر المنافس سواء كان فرداً أو تنظيماً أو دار نشر. ولعل أغلبنا يتذكر ذاك الشخص القيادي "المدافع" عن حقوق الإنسان والذي أتهم من خلال تلفزيون الجزيرة، شخصاً آخر، قال أنه لم يسمع به من قبل، بالمرتزق! أية مفارقة! بل أية مصيبة! ولعل أغلبنا يتذكر كيف أعلن في ذات الوقت، بأنه ورفاقه، هم بمفردهم من يجسدون المعارضة الديمقراطية، وبأنهم هم الذين قاتلوا من أجل الديمقراطية في سوريا وهم أصحاب الحق. أي حق خارج صناديق الاقتراع! أية مهزلة! بل أي طيش! فأنتم لا زلتم تعيشون فيما غيركم قُتل دون أن يعرف له حتى غاية اليوم قبر أو عنوان! أكثر من ذلك، لوح بالقول بأن من يدعي بأنه معارضة سورية ديمقراطية إنما يسرق النور منه، وهذا تجاوز للخطوط الحمر المشابهة لخطوط عبد الله الأحمر! هو الذي تحمس يوم كان الحماس مجدي لزرع ديكتاتورية البروليتاريا في دوائر سوريا ومراكز علومها وجامعاتها، ثم لما عصفت الريح باتجاه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، غير دينه. ومن ناحية ثالثة، إنه لشيء يبعث على الدهشة أن تكثف المعارضة السورية جهودها لرفع حالة الطوارئ في سوريا من خلال نداء موقع من 12 منظمة سياسية من المجتمع المدني. مطلب نبيل دون شك، لكنه قاصر، ولا يرقى لتحديات المرحلة الحالية، بل أنه يشغل المواطن والوطن بمسائل جانبية تغييرها لن يغير ولن يبدل. فمحنة السوريين مع حكومتهم وبعثهم ولقمة عيشهم لا تتجسد في قوانين الطوارئ وإنما في السلطان الطارئ. ولنتذكر جميعاً أن الحاكم في سوريا منذ أربعين سنة لم يخضع للقانون أي كان، وأخضع القانون لمزاجه مهما كان، متى شاء. ولنتذكر أيضاُ أن صدام حسين لم يعلن يوماً حالة الطوارئ، لكن القتل بدم بارد، لسبب لا يقبله المنطق أو لسبب لا يعقله عاقل، كان من ضمن الممارسات اليومية. ويمكن أن نعرج على كُتاب- رؤساء آخرين علقوا مشانق المعارضين على أبواب البيوت وفي الحارات دون أن يكون هناك إعلان لحالة طوارئ أو لقانون يغطي فضيحتهم. إنهم قادة لا يأبهون ولا يخجلون، فبأي فضيلة يذكرون؟ إنهم قادة استباحوا كرامة المواطن وحياته وحريته وعزة الوطن فعن أي قانون تتحدثون؟ وهل بموجب قانون الطوارئ تم تغيير فقرة في الدستور هي على غاية من الأهمية، في غضون عشرة دقائق؟ والخشية أن تكون المعارضة السورية بهذا التوجه، تقزم بحسن نية معضلة الشعب السوري مع السلطة المتجمدة منذ أربعة عقود في المكان. كما أنها تستخف دون قصد بمحنته مع البعث، لا كحزب، وإنما كأداة للاستيلاء على السلطة، أو كمصدر لشرعية السلطان. لا كأيديولوجية قد يكون لها مريدين حقيقيين، وإنما كمؤسسة سياسية مارست الفساد وغطت على المفسدين. لا كتيار سياسي له الحق، بل وكتيار سياسي عليه الواجبات، وفي مقدمتها احترام التيارات الأخرى وخيارات الشعب. ومع ذلك، لا نقول بالرغم من أننا نرغب القول، بأن على المعارضة السورية أن تفكر بتوحيد صفوفها والمطالبة المقرونة بالعمل الشجاع بانتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة نزيهة، وليس باستفتاء جديد معروف النتائج سلفاُ. نفضل القول بأن على السلطة السورية أن تفكر بهذا الأمر بكثير من الجدية. فكما أن المعارضة العراقية لم تأت بأمريكا إلى بغداد، فأن المعارضة السورية لن تأتي بجنود أمريكا إلى شوارع دمشق تحت أي ظرف كان، وليس بوسعها ذلك لو شأت. فأمريكا لا تأتي ولا تذهب بناء على طلب معارضة، كما أنها لا تبني سياساتها على مقاس مصالح الآخر. أمريكا تعرف كيف توظف عيوب الآخر في مشروعها السياسي الكلي، وعلينا أن نعرف كيف نوظف في قوتنا وإرادتنا لمواجهتها. وهل يمكن مواجهتها غير بالحاكم القوي المستمد شرعيته من صناديق الانتخاب النزيهة والشفافة؟ وهل يمكن مواجهتها غير بخيار الشعب؟ إن رئيساً منتخباً بشفافية ونزاهة قادر بكل تأكيد على أن يمتلك من الشرعية ومن القوة ما يكفيه لمواجهة أية أخطار خارجية، والدفاع عن أية سياسات داخلية من بناء القدرات العسكرية إلى استضافة المنظمات الفلسطينية. وإذا كانت السلطة في سورية ترى أن الشعب يقف صفاً واحداً خلف رئيسه، كما يحلو لها أن تصور الأمور، فما الذي يضرها في أن تظهر ذلك للعالم من خلال صناديق الانتخابات، فتفرض بنتيجة ذلك احترامها على المتقولين عليها وعلى المتربصين بها، وعلى الرئيس الأمريكي بوش المصاب بداء الخوف من الإرهاب، وعلى المعارضين؟ أليس من المجدي في هذه المرحلة الدقيقة من التطورات السياسية في المنطقة أن تكف الحكومة السورية عن الخطابات وتتوجه إلى الفعل الحقيقي والعملي؟ ألم يحن الوقت لأن تعترف الحكومة السورية بأن احتلال الجولان كان بسبب حالة الطوارئ وليس العكس، وأننا قد لا نسترده مادامت هناك طوارئ متنوعة ومفاجئة ومعيبة في سورية؟ ألم تدرك الحكومة السورية بعد أن سجن مواطن جريمة مثله مثل التفريط بشيء من تراب سوريا، وأن الذي يسجن مواطن يخون شعب! |