|
|
|
بوش ورجل السلام ( القدس العربي ) في واحد من تصريحاته الغريبة، المتكررة، أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش أن ارئيل شارون هو رجل سلام. وقد يأتي يوم قريب وترشح الإدارة الأمريكية واحد من اشد قتلة العصر وأكثرها تمرسا بالعمل الإرهابي ، شارون، لجائزة نوبل للسلام. فعالم اليوم هو عالم أمريكي لا معقول. لكن، مع ذلك يجيب على العرب أن لا يقلقوا. فالرئيس جورج بوش الذي اختلطت عليه الأوراق وقرر أن يتعامل مع القضية الفلسطينية من نوافذ مركز التجارة العالمي المحطمة، لا يستطيع أن يظهر انحيازا أكثر مما أظهر ولا أن يقدم عيبا في الحكم والعدل أكثر مما قدم. مع ذلك، القضية الفلسطينية بخير وستظل كذلك. فمادام الشعب العربي بخير لا قلق من رئيس أمريكي ليس على ما يرام. فعدل الشعوب أمضى من الأحقاد مهما كبرت، وأكثر ديمومة من الظلم مهما طغى. القضية الفلسطينية بخير لأنها قضية إنسانية أكبر من كل القتلة، ولأن أرادة العيش بكرامة متجذرة في نفوس الفلسطينيين والعرب، وهي تكبر يوما بعد يوم. على العرب أن لا يقلقوا لتصريحات تكاد أن تكون خارجة من صدر عماه الجرح العميق في الكبرياء. بالعكس من هذا، على الأمريكيين وليس على العرب أن يقلقوا وان يتساءلوا كما على الغرب أن يفعل الشيء نفسه. ذلك إن اعتبار ارئيل شارون، الذي كرس حياته للمجازر الفلسطينية والقتل وتقديس الأحقاد، رجل سلام هو إساءة حقيقية ومباشرة وقاسية للقيم الحضارية والديمقراطية، وصفعة لمبادئ الغرب الإنسانية المعلنة. عليهم أن يقلقوا لأن الذي يزور المعطيات والواقع في آخر الدنيا مهما كان السبب، قد يزورها في عقر داره لأتفه الأسباب. وسواء حصل هذا الأخير أم لم يحصل على المدى القصير أو الطويل، فأن أي تشويه للمعطيات أو تزوير للواقع ينفي عن صاحب التشويه أو التزوير صفة النزاهة. فكيف يمكن أن نغض النظر عن هذا الكم الهائل من الأطفال والنساء التي تنزف حتى الموت دون أن يكون قد أصابنا العمى أو قررنا أن لا نرى خدمة لمصلحة على حساب الحق؟ فيوم بعد يوم تتكشف أكثر وأكثر حقائق لا يمكن إغفالها دون الاستخفاف المشين بعقول البشر وبعيونهم وبالحقائق ذاتها. الأمر الذي يبعث على الشك في مصداقية المستخف والمسيء. إن الرئيس الأمريكي جورج بوش ليس مخيرا على ما يبدو في أن يكون واقعيا أو أن يكون عادلا أم لا. فأمام إسرائيل، الحليف الابتزازي الكاذب، وأمام اللوبي الصهيوني المتحكم بأدوات الانتخابات والقرارات السياسية الأمريكية، وأمام مستقبله السياسي، وأمام ضعف القرار السياسي العربي، تُختزل خياراته بمعادلة واحدة: ادعم إسرائيل ظالمة أو مظلومة تنجح في الانتخابات القادمة مستحق أو غير مستحقا. وهو ما يجعلنا نبصر أمريكا رهينة لإسرائيل، ويجعلنا نعتبر أن الرئيس الأمريكي يرى ما يراه شارون. وإذا كان ثمة مدعاة للقلق لدى العرب جراء تصريح بوش القائم على الحقائق الانتخابية والأمريكية لا على واقع الحال وحقائق الأرض الفلسطينية، فأن الضعف يأتي في المقدمة. فالاستخفاف بهم إلى هذا الحد هو دليل قاطع على أن الحكومات العربية تزن بترولا لا عقولا، وأنها لا تلقى حتى اللباقة الدبلوماسية الأمريكية. وكيف يمكن لها أن تحصل على ذلك وهي حكومات لا تحترم شعوبها. حكومات لا تلقى احترام الغرب أو العرب. وكيف يمكن لها أن تلقاه وهي حكومات ألتفت على كل القوانين وكل الأخلاق كي تحاصر الشعب في زاوية الطاعة العمياء؟ إن ما يجب أن يقلق الشعب العربي هذا القدر من " عقلانية الحكماء " التي تبدو أكثر وأكثر لا عقلانية مطلقة. هذا التراجع في العمل السياسي الشجاع والجاد لصالح الكلام السياسي الفارغ من المضامين ومن الأفعال. إن ما يجب أن يقلق الشعوب العربية هؤلاء الحكام المحكومين"بالمعطيات الدولية" والمصالح الأمريكية، واللاشرعية الشعبية، الذين يحكموننا. ومتى تحررت أمة أو شعب عول على المعطيات الدولية وراعى مصالح المعتدي أو المحتل؟ في النهاية، وإذا كان الرئيس الأمريكي جورج بوش غير معنيا أو مهتما بشهادة حسن السلوك الصادرة عن العرب، أفلا يعنيه أن يكون نزيها أو لا يكون؟ وإذا كانت الحكومات العربية لا ترى جدوى من مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية ، وبإزاء ما تقوم به نقابات العمال الدانمركية والبرلمان البلجيكية إلا يتساءلون، ألا يخجلون؟ وإذا كان الشعب العربي يرى غير ما ترى حكوماته ، أليس من المجدي أن يتوجه بمظاهراته إلى أمام القصور ومجالس الشعب ومباني الحكومات الوطنية بدلا من الزحف المميت إلى مكاتب الأمم المتحدة والسفارات التي لا تغني عن فعل وليست بالأصل معنية به؟ |