E-mail                   Home

 


أحلام مصادرة لآسيا علي موسى

( القدس)

المرأة العربية هي لوحة مهملة، علاها غبار التاريخ حتى ضاعت معالمها بمعالمه، رسمها الآخر؛ الرجل، وعلقها على جدار الزمن المتوقف عند نقطة سقوطه الأخلاقي، فصارت لوحة تبعث على الريبة وتشدد على مواطن الحزن والكآبة في النفس.

هكذا شاءت القاصة الجزائرية "آسيا علي موسى" أن تقدم لنا المرأة العربية في مجموعتها القصصية الثانية "أحلام مصادرة"، والصادرة حديثاً عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق.

فالمعاناة بصمت، بكتمان، هو من سنن حياة المرأة العربية، والانكسار تلو الانكسار هو المصير الذي يقودها الرجل إليه بحسن نية حيناً وبجهل يعمي البصيرة في غالب الأحيان. إنه صمت بائس على كل حال، ومتوارث ذاك الذي تحكي الكاتبة عنه، "فعينا أمي بحيرتان هادئتان، أقرأ على صفحتيهما رواسب الكتمان".

المرأة في قصص هذه المجوعة والبالغة ثلاث عشرة، هي كيان غير قائم بذاته لأنه غير مستقل بذاته على الإطلاق، ولا يجسد إرادته إلا في عتمة الليل المتقدم حيث لا نور يفضح ولا شاهد يشهد.  فهي في نهاية المطاف تتكون من خلال الأخر، الرجل أو القيم الاجتماعية المتسلطة على كيانها في جزئياته وفي كليته، أو كلاهما مادام الرجل هو الآخر ينقب في الحياة عن فضيلة الحياة الاجتماعية لا عن فضيلة النفس العادلة. وهي تستمر من خلال إرادة الآخر التي لا تقيسها سوى بالمعيار العام الذي ضاعت خطوط الفضيلة فيه لكثرة ما خطت عليه أقلام "فاضلين"! وكيف لها أن تكون غير ذلك مادامت تولد تحت الوصايا المتعددة المصادر، وتعيش تحت الوصايا المتعددة الأطراف؟ كيف لها أن تُكوّن هويتها وشخصيتها هي القاصر الأبدي والتي لا بد لها من رجل يكتب أقدارها ويخط لها دروب عيشها؟ كلا، المرأة التي تحدثنا عنها "آسيا علي موسى" تولد مسحوقة وتترعرع مسحوقة، فلا تستطيع بعدئذ أن ترمم حالها وأحوال نفسها ومشاعرها وتطلعاتها وإرادتها حتى لو بدا ذلك ممكناً بطريقة أو بأخرى. ولهذا، هي امرأة تميل إلى الاستسلام والصمت واجترار المرارة دون ضجيج والتحايل على الألم وقسوة العيش في عزلة ووحدانية " ألجأ إلى محرابي، إلى زاوية تخزين خرابي". إنها لا تقاتل، لا تخوض معركة لفرض الذات وتمييز الإرادة الذاتية وبلورة مساحة ما من الاستقلالية النفسية والعاطفية لأنها تقدر بأن مثل هذه المعركة لن تؤدي سوى إلى مزيد من الدمار والخسارة. لهذا ترضخ كالجارية التي الفت العبودية حتى لم تعد قادرة على التمييز بين احتياجاتها الممكنة ككائن بشري تتمرد في داخله المشاعر والرغبات وبين احتياجاتها ككائن مستعبد تتحكم فيه أهواء السيد ومعطيات الواقع.

ومن الواضح أن القاصة تركز بشدة على العنصر العاطفي النفسي في كينونة المرأة العربية والذي تراه مشوهاً وغير كاملاً نظراً لكونه يمر عبر مرشحات اجتماعية بالية وقوالب "أخلاقية" كثيرة قبل أن يأخذ صيغته النهائية.  وتشير في أكثر من مكان إلى أكثر من حالة تقود إلى محاصرة هذا العنصر في السلوك وتحييد مفعوله في الخيار؛ ليس من قبل الرجل ووفقاً لإرادته فقط، بل ومن قبلها أيضاً، وذلك كي يرجح المعيار العام والسائد، معيار الآخر، معيار الظلم الذي يجد بطريقة غير مفهومة نسباً له في المنظومة الأخلاقية العامة. "أجل موافقة... علي أن أكون كبش الفداء... فأربع بنات بغير زواج كما يقول أبي عار وعبء ثقيل...". مثل هذه الانكسارات العاطفية كثيرة في ثنايا القصص، وكذلك المعاناة النفسية الناتجة عن ذلك والتي تقتلع جذور السكينة من وقائع حياتها اليومية. تكثر إلى جانب ذلك، صور الألم الذي لا يصاحبه الصراخ، بل يتجسد بدل ذلك ببسمة صفراء تدلل على الخلل الماثل في علاقة المرأة، ليس مع الآخر؛ الرجل أو المجتمع وحسب، بل قبلاً في علاقتها مع ذاتها ومع احتياجاتها الإنسانية والوجودية. ولئن الاحتجاج المعلن هو نوع من التفريط ببقايا أسباب العيش، كيفما العيش كان، فأن المرأة في قصص "آسيا علي موسى"، تضع مسافة بينها وبين الآخر؛ الرجل، بنوع من التحدي الهادئ القاتل للطرفين، مشوباً بشيء من اللامبالاة وبشيء من السخرية. " سقطت مع إصراري على التعلق بك... على طريقتي الخاصة... التي لم ترق لك... لأن فيها الكثير من المساحات البيضاء".

ومحنة المرأة العربية كما تبين الكاتبة، لا تتوقف على الإجحاف في المكانة التي تحتلها في الذهنية السائدة. فالاضطرابات المتواصلة في الحياة السياسية والاقتصادية، والخيبات المتتالية في العمليات السياسية تتحالف مع السقوط الأخلاقي للرجل على حشر المرأة في زاوية انعدام الوزن وضياع الأبعاد. الخيبات السياسية العربية تدفع الرجل إلى قص الوصال الأخلاقي مع المرأة.

تصف "آسيا علي موسى" ألم وحزن ومعاناة المرأة العربية بكلمات عميقة، مختارة بعناية فائقة، وتصيغها بجمل شاعرية ورقيقة. وهي إذ تضيء جوانباً هامة من مأساة المرأة العربية بالشموع فإنها لا تفعل ذلك خشية من أن يتجاوز الوضوح المدى، بل قبلاً، لتعبر عن حزن شديد على واقع ينتج نفسه على شاكلته، فكأنه لا يتغير، فكأن لا حياة فيه.

آسيا علي موسى

أحلام مصادرة،

 اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2003