E-mail                   Home

 


نقد الرقص في هياكل الشرق

لا شك في ان رائحة بلغراد إذْ تشوبها روائح الرصاص والقذائف مختلفة عن رائحة الأشجار والأنهار والزهور في الفترة التي يتحدث عنها الدكتور الدروبي, وهي الفترة التي أعقبت الحرب العالمية بقليل وانتهت قبل نهاية الألفية الثانية بقليل, جعلته يتذكر رائحة البطاطا المشوية على لسان بطله حين وطئت قدماه ارض الوطن. وهي الفترة التي درس فيها هارون بطل الرواية, إلا انه لم يكن بطلا تُعقد عليه الآمال, إنما كان مضطربا ومعقدا وخائنا لكل شيء في حياته, ولا يتوانى عن دفع الحب ثمنا للحصول على امرأة مجانية فكثرت ضحاياه. واستغرب كيف يأتي على لسانه: "أخاف من كل شيء ومن لا شيء. ربما من هواء بلادي الجاف, أو من أرضها النحاسية, أو من صيفها الحار, أو من نجومها الكبيرة المنخفضة في الليالي, او من شوارع مدنها المظلمة", وهو الذي يعرف كيف ينتهز ما يرضي أنانيته.


وفي الرواية بعض المشاهد السريعة يلتقطها الكاتب في إحساس عميق: "لدي أربعة أطفال, ولولا أنني أتسكع بين أعمال اليوم واليومين لما وجدوا حتى خبزهم اليومي اليابس". ومشاهد اكثر إيلاما: "شاهدت رجلا آخر اشد تسليحا, وقد خرج من المبنى سائرا نحو الرانج قابضا على ليلى من شعرها. ادخلها في سيارة الرانج دفعا. ومن ثم والدها يسوقه اثنان من الرجال بفوهات بنادقهم المصوبة إلى رأسه". ثم يروي النتيجة آلت إليها حال ليلى من دون ان يدخل إلى عالم القضبان الحديد. عندئذ تذكرت رواية "شرق المتوسط" للأديب العربي عبد الرحمن منيف, وما قاله لي أحد المدرسين إذ قرأتها في مرحلة باكرة: "لا يجوز ان تقرأ هذه الرواية الآن" وحين سألته عن السبب قال: "قد يحجم من هم في مثل سنك عن الانخراط في العمل السياسي".


لكن السبب مختلف في روايتنا إذ لا يمكن الإقبال على العمل السياسي إذا كان أمثال هارون هم المعنيون. ومن ناحية أخرى, فان الأمانة والإخلاص والصدق في نقل الحوادث - ويشير الكاتب إلى ذلك - أبعدت الرواية عن الملامح الأدبية وقربتها من المباشرة والتقرير, بل من أسلوب الحكواتي: "أيها السادة" (...). وإذا كانت الفكرة السادية تُشعر القارئ بأنها رمز لشيء ما فإنها تتجسد حقيقة في الختام لتصبح حلقة من مسلسل الخيانات والجريمة لبطل الرواية.


لغة الدروبي سهلة, واضحة, يبتعد فيها عن "حواشي اللفظ" ونلحظ الشوق الكبير الذي يدفعه للوصل إلى عبارة جميلة. إلا ان امتلاء الرواية بالاستطراد والإسهاب يجعل قارئ هذه الأيام المستعجل يضيق ذرعا بانتظار الحدث الحقيقي, ولاسيما إذا كان لديه هاتف خليوي توت توت أو توت واحدة أو تو إذا كان لا يملك الصديق المشتاق سوى "يونيت" واحدة. فيصبح القارئ, كالراوي, شاهدا متأخرا على الحوادث التي دارت من غير ان يشترك فيها, خاصة ان غابت تلك الملامح او الخيوط الدقيقة التي ينبغي ان تفصل بين شخصيات الرواية وشخصيات المجتمع.


بعض الصيغ مثل "كيما لا" او بعض استخدامات ان المصدرية على نحو خاطئ تضعف من التماسك اللغوي , او تخفف من رصانة الجملة اللغوية, علماً أن الأمر بسيط جدا. فإذا أمكن تأويل "أن" بمصدر نفتح همزتها, وإذا لم نستطع تأويلها فواجب كسر همزتها, كأن تأتي بعد القول. ولننظر إلى "أن" وهي تدور في وجدان توفيق الحكيم: "... والسياسة هي اللباقة أو المهارة, أو الخفة أو البراعة أو الكياسة التي تستطيع بها أنْ تسحب خاتم السلطة من إصبع منافسك وتضعه في إصبعك إلى أنْ يغافلك المنافس وينتهز منك فرصة...


- والشعب... أهو قانع بمجرد المشاهدة?

 - من قال لك إنه قانع? لقد دخل هو أيضا حلبة اللعب...أنَّ الساسة علموه كيف يتذوق تلك اللعبة".