E-mail                   Home

 


استحضار العصر الأموي في رواية فانتازية

دمشق - راسم المدهون، الحياة 2004/05/23

رواية الكاتب السوري محمد الدروبي "عشاق الدير" تغامر بدخول التاريخ من بوابة الرؤية الفانتازية, فتستحضره متخففاً من ملامحه المكرسة في الكتب والذاكرة العربية, وتعيد تقديمه من جديد, كما شاءت الرؤية الحلمية أن تراه, تاريخاً من لحم أشخاص ودمهم, ومن أهوائهم ورغباتهم التي لا تستقر في حمّى تفصيلات الحياة العامة وتختفي خلف عناوين المعارك الكبرى والفتوحات التي شغلت العالم القديم وكانت دلالات حيّة عليه.

محمد الدروبي إذ يناوش هذه الأجواء التاريخية ويتوغل في دروبها يفعل ذلك متسلحاً بالرغبة في إعادة تصور ما جرى في افتراضية تأخذ من التاريخ شيئاً من سندها ودلائلها, ولكنها - في الوقت ذاته - تتكئ على الحلم والمخيلة بصفتهما السند الأبرز والأهم, بل والذي يقدم استجابته الفنية لنسيج عمل روائي يقوم على وضع الأبطال والشخصيات في شروط اجتماعية وفكرية تمنحهم الفرصة لكي يعبروا عن ذواتهم بالطريقة التي ترسم الصورة الأخرى, الغائبة - أو إذا شئنا الدقة المغيّبة - والتي لا يكترث التاريخ المكتوب المحفوظ في الذاكرة بها, ولا يعتني بالبحث عنها.

نحن في "عشاق الدير" أمام مجتمع من قراءة المخيلة, ومن نسيج وعيها لحقيقة ما كان, وما تفترض أنه الصورة الأكثر صدقاً وقرباً من الواقع, لرجال قبضوا على مقاليد الحكم والسلطة بجبروت وقسوة, وكانوا في الوقت ذاته يحملون ملامح استثنائية, حتى في انتمائهم إلى الشر والقسوة, وهي استثنائية س تفرض نفسها على مصائر الآخرين وحياتهم, بصفتهم محكومين يخضعون - بدرجات متفاوتة - لجبروت أولئك الرجال, بل ونزواتهم الصغيرة العابرة.

وفي "عشاق الدير" حضور طاغ لشخصية البطل - الفرد, الشيخ غالب, وملاحقة دقيقة لمصيره الفردي, إذ يرتبط بصورة مأسوية بمصير الحاكم الفرد أيضاً, في شكل تراجيدي يكون العشق هو سبب مأسويته, مثلما هو سبب وجوده في الأساس, من دون أن ينسى الكاتب أن يحيط في سطور روايته بعوالم وتقاليد اجتماعية وفكرية, بل وأخلاقية حكمت - في هذا القدر أو ذاك - وعي البشر العاديين ووجهت تصرفاتهم وقراراتهم المصيرية, سواء تعلق الأمر بالمثل والقيم العليا, أو حتى بما في حياتهم من أشكال الخرافة والوهم التي تطفو على السطح وكأنها قوانين لا تقبل النقض أو المراجعة.

أهم ما في رواية محمد الدروبي "عشاق الدير" نجاح الكتابة في استحضار المناخ التاريخي على نحو نادر في الرواية السورية, وهو نجاح نعثر عليه في القليل من التجارب الروائية العربية التي استحضرت التاريخ كما في الأعمال الروائية المهمة للكاتب المصري جمال الغيطاني وكما في بعض الروايات العربية المتفرقة الأخرى من مثل "المخطوطة الشرقية" للكاتب الجزائري واسيني الأعرج مثلاً. الحياة التي يقدمها محمد الدروبي في روايته تنجح في تقديم نفسها لنا في حبكة روائية متينة منسوجة من خيوط دقيقة, تأخذ تفاصيلها الاهتمام ذاته مهما كانت صغيرة أو ثانوية, ولعل هذا الاهتمام بالذات ما منح الرواية قدرة على أن تكون لوحة درامية متكاملة الأبعاد وشديدة التفاعل إلى الحد الذي ترتفع معه قيمة الكتابة ومتعة القراءة على حدٍ سواء.

نسيج الحدث في "عشاق الدير" يكتمل بالبناء المتماسك, الجميل والجذاب لشخصيات الرواية وأبطالها الذين يقدمهم الكاتب في صورة ديموقراطية لا تزجهم قسراً في عوالم لا يرغبون دخولها, بل هو يدعهم يعيشون وعيهم الحقيقي ويتصرفون بوحي منه, فيقررون بتصرفاتهم هم ما ينبغي أن يحدث.

رواية "عشاق الدير" لا تركن إلى قدرية أبطالها قدر ما تنحاز إلى وعي تصرفاتهم المشروط بشروط اجتماعية وسياسية تجعله مفهوماً ومتوقعاً, وإن كان يحمل ما يحمل من ضروب القسوة. ثمة في الرواية اهتمام ملحوظ بتصوير الحياة في مجتمع أموي عاش بوضوح تراتبيات التقسيم الاجتماعي الواضح بين الحاكم والمحكوم, وعاش في الوقت ذاته إرهاصات الوعي بالظلم والتحكم والجبروت, وما في تلك الإرهاصات من دلالات ثقافية واجتماعية - ومن ثم سياسية - تشير إلى نوع ذلك التاريخ الذي أسس دولة لا تزال مفاهيمها السياسية ضاربة الجذور في حياتنا العربية حتى اليوم.

رواية محمد الدروبي "عشاق الدير" إذ تمتلك جماليات فنية عالية, وإذ تقدم لقارئها عوالم محببة وقريبة من النفس, يشوبها في الوقت ذاته ما وقع فيه الكاتب من أخطاء نحوية كثيرة أثقلت القراءة, وكان يمكن بمراجعة دقيقة ومتأنية تجاوزها.