|
|
|
مغالطات أحمد جان عثمان ( كيكا) كلما تخيلت الشاعر أحمد عثمان وهو يحزم حقائبه وذكرياته وأحزانه استعداداً للرحيل عن أرض سوريا، أعود إلى الوراء أربع وعشرين سنة لأطل من ذلك الزمن البعيد على محنته. كلما تصورته يُقتلع من جديد من جذور متينة بناها بالعمل والجد والزمن، ينتابني الشعور بالمأساة المشتركة. لقد كان علي أن أفعل مثله، وإن كان بغير طريقته وبغير ظرفه، أنا العربي السوري. كان علي أن أرحل في ظلام الليل عن أرض أجدادي التي لم أرها منذ ذلك الحين غير صوراً وكلاماً في الصحف. لهذا، من بين أشياء أخرى لا تقل أهمية، سارعت للتوقيع على البيان الذي، للآسف الشديد، لم يساعده كثيراً على تغيير مسار مصيره المؤدي إلى المنافي والمعانة الكامنة من جديد. كبير هو الألم الذي يخلفه الإقصاء الجائر؛ وبخاصة الإقصاء عن الانتماءات الوجدانية. صدمة، قد يساعدنا الوقت على محاصرتها وقد يساعدها على تملكنا وعلى اشتداد سطوتها على سلوكنا وعلى مواقفنا. ولاعتقادي بأن مواقف الشاعر أحمد عثمان لا تأتي في سياق رد الفعل، فوجئت، في الفترة الأخيرة، بمقالاته التي بدت لي ليس فقط رد فعل، بل وتحليلاً وأحكاماً غير متبصرة. ويجب أن أذكر هنا أنني أتحدث كسوري لم تفعل له الحكومة السورية أي شيء، بل ليتها لم تفعل شيئاً عندما نقيس الفعل بمعيار الخير والشر، الجيد والسيئ، المساعد والمعيق، لكنني مع ذلك بقيت سورياً معتزاً بسوريته، ولم يخطر ببالي يوماً ما أن أربط مدى وقوة انتمائي إلى هذا البلد بما فعلته الحكومة لي أو لم تفعله، الأمر الذي يفعله شاعرنا ببساطة، ويعممه على مشاعر السوريين الأكراد بإجحاف، والذين من حسن الحظ لا يقاسمونه بغالبيتهم الإفراط في تذييت الواقع ولا النظرة الضيقة عينها. ففي مقاله المنشور قبل أيام قليلة على موقع كيكا، يسهب الشاعر أحمد عثمان في تشريح مقومات "الأسطورة الكردية" أو "القومية الكردية"، فينقلنا من مغالطة تاريخية إلى مقارنة لا تجوز وصولاً إلى غرب كردستان. سأتوقف عند اثنتين نظراً إلى أهميتهما. يبدأ مسيئاً إلى تاريخ العرب، وإلى أولئك الرجال النبلاء الذين قاتلوا بشجاعة وواجهوا الموت بشجاعة حين يحصر دوافعهم بالشوفينية العرقية التي مارستها الدولة العثمانية، ويرى أنها مبررات حاضرة في يومنا هذا لتشكيل "الأسطورة الكردية". ومما لا شك فيه أن شاعرنا يعرف جيداً، وهو الذي يمتلك ذكريات طيبة عن انتماءاته العرقية، إن ثمة خلل كبير في البنية الاجتماعية عندما يكون الانتماء القومي سابقاً للانتماء الوطني ومفضلاً عليه. خلل لا تقبل به حتى فلندة، الدولة التي لا أعرف تماماً لماذا ساقها مثالاً في مقاله. خلل دفع السوريون ثمنه، ولازال أمامهم فواتير للتسديد وديون مستحقة. وللتذكير، العرب الذين قاوموا الاحتلال العثماني لبلدانهم لم يكنوا أتراكاً عرباً، ولم تكن لديهم دولتهم، وبالتالي لا نجد أن بينهم وبين مؤسسي "الأسطورة الكردية" وجه شبه. أما عن السوريين الأكراد، فأذكر شاعرنا بأن التاريخ مليء بالأبطال الأكراد الذين دافعوا عن سوريا وليس عن "كردستان"، وكذلك برئيسين كرديين لسوريا. لا أحد يشك بسوريتهم، ولا هم يفعلوا ذلك بالرغم من مآخذ كثيرة على الحزب الحاكم قي سوريا. فمن حسن الحظ أنهم يعرفون الحقيقة السياسية البادية للعيان والقائلة بأن الشعب، كل الشعب، هو أول ضحايا الديكتاتور. وأن السلطة التي تحكم بشرعية السلاح لا تجسد وطناً ولا يغفر لها مواطن. وأتساءل هنا، كيف صار لأحمد عثمان أن يساوي بين الحكومة الديكتاتورية والوطن؟ بين الأبدي والمرحلي؟ ثم، إذا كان يرى بالشوفينية العرقية مصدراً لتكوين "أساطير قومية"، كيف لا يرى أن العرب يمثلون أكثر من تسعين بالمائة من السوريين وبالتالي لا يجوز أن يذيبوا انتماءهم القومي لإرضاء عدد ضئيل مما مجموعه سبعة في المائة من عدد السكان، وهم الذين يعانون من مخاطر الشوفينية الجديدة التي ينتهجها بوش وإسرائيل من على جانبيهم والعولمة في سماءهم؟ إن "الأساطير القومية" لا تحتاج إلى مبرر، بل إلى رجال طموحين تحركهم رغبات البطولة. مغالطة أخرى وخطيرة يرتكبها أحمد عثمان قي مقالته المذكورة. يرى أن الحكومة الحالية لا تقدم لأكراد سوريا ما يحملهم على تخطي العصبيات القومية. ويتساءل، بأي حق نطلب منهم أن يكونوا سوريين؟ لا بد أن نتفق معه ويتفق معنا بأن الحكومة السورية لا تقدم للمواطن السوري أي كان سوى الواجبات المرسومة اعتباطياً وأيديولوجياً. فحقوق المواطنة تنحصر بمدى الولاء وذوي القربة. لكن هذا يوجب على السوري، أي كان، أن يعمل على تقويم الوضع لا على تأزيمه، على العمل من أجل الإصلاح لا من أجل المزيد من الخراب. فسوء التدبير السياسي لا يحرج الإنسان في انتمائه الوطني، بل يجعله أكثر التزاماً به. وهذا في الواقع ما ينتهجه غالبية الأكراد في سورية. لا أحد يا شاعرنا، يطالبهم بسوريتهم. أنهم سوريون وثمة 200 ألف يطالبون بسوريتهم حسبما تذكر أنت في نفس المقال. فالسوريون، على خلاف حكومتهم، يعرفون كيف يتعايشوا مع الآخر، والتاريخ يشهد. السوريون، على عكس حكومتهم، لا يقبلوا أن يكون هناك سورياً يشكو من الظلم أو الضيم. إن الذين دافعوا وسيدافعون بسرور عن حقك في الجنسية السورية، سيدافعون عن حقوق السوريين الأكراد بالرغم من أنهم محرومين من جواز سفر سوري، ومن زيارة سوريا، ومن أشياء أخرى لا داع لذكرها هنا. |