|
|
|
قراءة في محاضرة السيد عبد الحليم خدام تقنيات سياسية سورية وخطوط حمر ومفارقات ( القدس العربي ) لم يكن نائب الرئيس السوري السيد عبد الحليم خدام على هذا القدر من تكثيف الحجج والبراهين المتضاربة ومن تركيز الأفكار المتباعدة في آن مثلما كان في محاضرة ألقاها مؤخرا على مدرج جامعة دمشق بحضور هيئة التدريس. ويبدو أن موضوع المحاضرة وطبيعتها فرضا عليه نوعا من العصبية الفكرية. فقضايا الإصلاح السياسي في سوريا ومراجعة المعطيات السياسية الحالية هي قضايا شائكة ومعقدة بالنسبة لرجل شارك فاعلا في صناعة الواقع السياسي القائم وهو اليوم معنيا بالمشاركة في عملية الإصلاح. الثناء على ما هو قائم وتبرير الأخطاء من ناحية وتبرير الحاجة للإصلاح والوقوف على الأخطاء من ناحية ثانية، في وقت واحد، هي المسألة التي ضيقت على السيد عبد الحليم خدام الحيل المتراصة وحللت أفكاره من تماسكها المنهجي- البنيوي في تلك المحاضرة. ونظرا إلى طبيعة المحاضرة ومضامينها فأننا نستأذن التعامل معها على أسس الفكر السياسي الخالص من مؤثرات المواقع السلطوية، البعيد عن الانتماءات أو التطلعات الحزبية، المتجنب لمنطلقات الصراعات السياسية البحتة. هذا يمكننا أيضا من أن نضع تلك المحاضرة في إطارها الصحيح، وأن نضع الأفكار الواردة في وظيفتها الممكنة. لقد بدأ السيد عبد الحليم خدام محاضرته باعتراف ضمني بحاجة السلطة والحزب لدعم شعبي بالرغم من مليون ونصف بعثي، وبالرغم من 97% من أصوات الناخبين. وأشار بشيء من الوضوح وبشيء من الضمنية إلى أن السماح لأحزاب الجبهة التقدمية بافتتاح مكاتب لها، وبإصدار صحفها الخاصة إنما كان نتيجة لتقديرات القيادة بأن هذا الأمر سيساهم في خلق ارتياح لدى الشعب (غير المرتاح) ويجعله يساهم في دعم سياسة الدولة والحزب. لكن القيادة على ما يبدو، أساءت التقدير، فكان الغضب على الآخر بدل أن يكون مراجعة للنفس. على كل، هذا هو الحل الوحيد للتخلص من عقدة الذنب لدى الأشخاص الذين يحاكون الآلهة بعصمتهم عن الخطأ. فمثل هؤلاء يظنون أن عيوبهم "البسيطة" تكمن في أن الأعداء أشهروا الكلام والحقيقة وليست عيوبهم الكبيرة هي التي جعلت الأصدقاء الحقيقيين يشهرون الكلام والحقيقة والاستعدادات الكبيرة للخطر. على هذا، شن السيد عبد الحليم خدام في محاضرته تلك حملة تشهير بمثقفي المنتديات السورية مشككا بوضعهم الثقافي وبحالتهم الفكرية فكانت أولى مفارقاته. لقد أنطلق في حملته هذه من تعريف المثقف على انه صاحب المعرفة الصحيحة القائمة على الجهد العقلي والتحليل، وهو تعريف مقتبس عن المفكر قسطنطين زريق بكثير من التصرف وبكثير من التسليم. تعريف يحتاج إلى أربعة تعاريف؛ تعريفا للمعرفة، للصحيح، للجهد العقلي، للتحليل، ويحتاج أيضا، بعد ذلك، إلى إعادة نظر. لكن الغموض يخدم جيدا في إخفاء الحقائق أو إضفاء الألوان الشخصية عليها. الصحيح والخطأ في أنظمة مركبة على أرضية الشمولية والقوة لا يتحدد وفق المعطيات والوقائع إنما قبلا وفق الإرادة والمصالح الضيقة. وحسب فهم السيد عبد الحليم خدام لهذا التعريف، ووفق منظوره لآفاقه، فأن المترددين أو القائمين على المنتديات لم يبذلوا الجهد الفكري والتحليلي والاستكشافي الكافي لانتحالهم صفة المثقف، وربما ليس لديهم القدرة على التحليل أصلا. المثقف، وفق رؤية السيد عبد الحليم خدام البارزة في عرض المحاضرة ، هو الشخص الذي لديه القدرة على الوصول إلى التطبيقات السياسية القائمة في سورية كنموذج مثالي لمرحلة صعبة وذلك كنتاج لجهد فكري وتحليل. أما الذي يحلل ويصل إلى غير هذه النتيجة فعليه أن يوجه دعوة إلى الدكتور زريق بسحب تعريفه من التداول أو تعديله ريثما يصل العلماء إلى تحديد المعرفة الصحيحة أو الحقائق. فالمثقف الذي يريد أن يحتفظ بلقب المثقف يجب أن يحلل فيصل إلى محاسن الوضع في سوريا لا إلى عيوبه بالرغم من وجود العيوب. على أن نائب الرئيس السوري السيد عبد الحليم خدام، لم يخف كل نواقص الحقبة السياسية التي بدأت قبل ثلاثين عاما ومازالت مستمرة. لكنه تساءل بنوع من الاستغراب وبنوع من المرارة : " هل صحيح أن حقبة من أهم حقبة في تاريخ سوريا ليس فيها إلا الظلم ومصادرة الحريات والفساد والاضطهاد والقتل ؟". فيها أيضا مدارس ومستشفيات وكهرباء وماء وطرق حسب قوله. بالطبع فيها مؤشرات أخرى ، لكن الاضطهاد والفساد هو أكثر ما كان فيها وأهم ما ميزها. وإذا كان لا يكفي، والمفروض أن يكفي، يمكن إضافة أشياء أخرى. فيها ظلم، والظلم يلغي شرعية الحكم والحاكم. فيها برلمان ثلثه منتخب وثلثيه تعيين. فيها حالة طوارئ وحالة استقرار وحالة إجماع بخصوص السلطة والحزب. فيها جيل ونصف ممن نشأوا على الخوف من السلطة بدل أن تنشأ السلطة على الخوف منهم. فيها شباب يصارعون الضياع بسبب ضيق الحال وضيق الأمل. فيها نقص بالكوادر والخبراء بسبب الكوادر والخبراء المشردين في ديار الله. فيها اتحاد كتاب السيد علي عقلة عرسان. فيها تفاضل طائفي. فيها مدارس وجامعيون عاطلين عن العمل. بل فيها مدارس خاصة للمتفوقين جدا أولاد المتفوقين جدا. فيها مستشفيات للفقراء، وميزانية لمستشفيات أوروبا. في هذه الحقبة تباطأ النمو الاقتصادي ثم كر إلى الوراء حتى سقط إلى الهاوية . فالمصانع التي كانت متوقفة أو خاسرة هي أكثر بكثير من تلك التي كانت تعمل وتحقق اللاخسارة. الخطط الخمسية كانت تأخذ عشر سنوات لتصل إلى نهاية مخزية. في هذه الحقبة كان، ولازال، عدد العاطلين عن العمل يزيد عن العشرين بالمائة وفق الإحصائيات الرسمية التي عودتنا على احتمال الخطأ والذي قد يصل إلى خمسين بالمائة لصالح الحكومة دوما. في هذه الحقبة انخفضت قدرة المواطن الشرائية سبعة أضعاف ما كانت عليه قبل ثلاثين عاما. الثروة الحيوانية تناقصت بشكل ملفت. في هذه الحقبة كان الصمود لكن الجولان لازال محتلا، ولازال الشعب العربي الفلسطيني يذل ويهان ويقاوم وحده. أما إيجابيات هذه الحقبة، وهي موجودة حقا، فأنها لا تذكر، لا لحجمها أو نوعها بل لأنها قبلا نتيجة واجب. أن الأداء الحسن والعمل هو جزء مركزي من الواجب، لكن العيوب هي جزء من التقصير. ومن سوء الحظ أن الإنسان – والأنظمة - يحاسب على التقصير لا على الواجب. ثم أنتقل السيد عبد الحليم خدام، في محاضرته، إلى ثلاثية التحديث السياسي من وجهة نظر المعارضة. أي إلى الحرية، والديمقراطية، والمجتمع المدني. وقد سارع إلى محاكمة هذه المطالب بالتهم المتكررة، وبالشهود الذين لم يغيروا أقوالهم بالرغم من تغير الحقائق وتغير الزمن. فالصراع العربي الإسرائيلي لم يبق مجالا للتفكير بأشياء من هذا القبيل. قضية الصراع العربي الإسرائيلي هي قضية مركزية تلغي التفكير بهذه الأشياء "الكمالية". ثم، سوريا ليست مرتاحة دوليا ولا إقليميا حتى يمكن أن تعيد النظر بقضية الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني، كما أضاف السيد عبد الحليم خدام موضحا موقفه من مطالب المنتديات. مفارقة أخرى، مفارقة كبيرة. فمن ناحية أولى، إذا كان الصراع العربي الإسرائيلي سببا للظلم والفساد، فقد يكون من المهم التخلي عنه، وإذا كان غطاء للفساد والظلم، فمن الضروري التخلي عنه جملة أو عنه كغطاء. فحيث يوجد فساد وظلم لا يوجد انتصار. كما أن الشعب الفلسطيني يمارس ديمقراطية واسعة نسبيا وهو تحت الاحتلال ؛ وهو في لب المعركة، تلك الديمقراطية التي تحصن القرار وتقوي المبرر. ألم تتحرر سوريا من الفرنسيين بتضافر هيكلي ديمقراطي نموذجي لزمانه، وربما لزماننا؟ هل أصبح الشعب السوري أقل أهلية للديمقراطية عما كان عليه قبل ستين عاما ؟ وإذا كان صحيح بالإدعاء والافتراض، فمن يا ترى هو المسؤول ؟ من ناحية ثانية، الديمقراطية والمجتمع المدني ليست نتيجة للارتياح الإقليمي والدولي، ولا يجب أن تكون تلبية لشروطه وأحواله. أن الديمقراطية وحقوق الإنسان هي، ويجب أن تكون، تلبية لشؤون ارتياح المواطن والوطن الذي يشكل في نهاية المطاف الهدف والأساس المتين للارتياح الدولي والإقليمي وليس العكس. فالربط ما بين هذا وذاك على نحو ما ورد في محاضرة السيد نائب الرئيس لا يستند على براهين علمية قوية، بل ولا على أية براهين موثقة بالتجربة. فالغرب ربح المعركة مع الكتلة الشرقية بسلاح الديمقراطية وفعلها لا بالقنابل النووية والفساد والظلم والشمولية. الربط العضوي السابق بين هذا وذاك ابعد ما يكون عن الحجة التي قد تبرر التحفظ على الحريات العامة وعلى الديمقراطية وعلى مؤسسات المجتمع المدني. من ناحية ثالثة، إن رد أو تفسير الحصار المضروب على العمل الديمقراطي وعلى عمل المؤسسات المدنية إلى احتياجات أو إلى ظروف المعركة مع إسرائيل هو تفسير يفتقر إلى المعرفة أو يستغفلها ويستهين بها. فالديمقراطية لا تمثل فقط دعما معنويا وبشريا للمعركة، إنما هي شرط أساسي من شروطها وظرف لا غنى عنه لكسبها. ذلك أنها الآلية التي تجعل الجهود تتضافر، والالتزامات تكبر، والأفاق تنفتح، والإحساس بالدور الذاتي يكبر. ويظل اعتبار الديمقراطية شيئا مناهضا لمتطلبات المعركة تشكيك ضمني بالولاء الوطني للمواطنين، وبالولاء العام للمعركة. من ناحية رابعة، أن المعركة التي تتجند لها طاقات الشعب وتسخر لها أمواله، هي معركة ترمي إلى استرداد حقوق مغتصبة. والمعضلة العصية على التفسير أو التبرير، كيف نغتصب حقوق المواطن وحقوق المواطنة أو نحرمه منها وهي في متناول اليد وندعوه إلى استرداد حقوق ؟ كيف له أن يثق بحكومة تجرده من ابسط الحقوق تحت مسميات مستعارة من الغموض والديماغوجية والاستخفاف بمصائر البشر وعقولهم ؟ لماذا لا تؤمن له حقوقه التي يمكن تأمينها ؛ بالأحرى، لماذا تُسلب حقوقه وتعده باسترداد حقوق أخرى ؟ أن حقوق الإنسان المدنية لا تحتاج طاقة ولا مال ؛ على العكس، تجند طاقة وتجلب المال، وهي من الأهمية بمكان. فالأرض هي شيء مهم من الكرامة، لكن حقوق الإنسان المدنية هي الحياة، وهي الكرامة. الحجة الثانية التي ساقها نائب الرئيس السوري السيد عبد الحليم خدام في محاضرته المخصصة لتفنيد وتحجيم دور المنتديات ومطالبها تتمثل بالحجة القديمة المتجددة ؛ الحفاظ على الوحدة الوطنية. وهنا أيضا تبدو المفارقة كبيرة. ذلك أن العلوم النظرية والتطبيقات العملية والتجارب البشرية وتراكمات الفكر الإنساني تؤكد مجتمعة على أن المشاركة العامة، أو الديمقراطية تمثل الضمان الأقوى للوحدة الوطنية، في حين أن الاستحواذ على السلطة من قبل فئة اجتماعية، حزبية أو غيره، دون غيرها يمثل تهديدا حقيقيا لها. أن الديمقراطية والدستور "المقدس" وحقوق الإنسان المدنية هي العناصر الحقيقية، الثابتة، التي تضمن استقرار المجتمع ووحدته الوطنية. ثمة مبادئ قليلة، تقول معطيات العلوم السياسية، يمكن أن ترضي كل فئات الشعب وكل قواه، تلك هي المعطيات التي تطمئن كل جماعة على مصلحتها وحقوقها وتوفر الحماية الجماعية لتلك المصالح ولتلك الحقوق. وليس مثل الدستور الذي لا يخضع لأي فئة وتخضع له كل الفئات ضابط لوحدة الجماعة ووحدة صفها الوطني. إنما لا يمكن أن تتفرد فئة أو حزب أو جماعة عسكرية أو غيره بالسلطة ولا ينشب احتمال تعرض الوحدة الوطنية للخطر. فتهديد الوحدة الوطنية يأتي نتيجة خلل في توزيع الحقوق والمصالح. مثل هذا الخلل يجعل الشغل الشاغل للقوى على اختلافها هو الحفاظ على الوحدة الوطنية. ذلك أن أسباب عدم وحدتها قائمة بفعل التفاوت في الحقوق والمصالح. الديمقراطية والحقوق المدنية بطبيعة الحال تقضي إلى حد بعيد على ذلك الخلل ولا تنميه بحال من الأحوال. وهي، عندما تترسخ تصبح ضمانا للوحدة الوطنية وتحيلها من مسألة واحتمال وخيار إلى بديهة ومسلمة من مسلمات الشعب وقواه. ساق السيد عبد الحليم خدام أمثلة على ما فعلته الديمقراطية ببعض الأقطار ذاكرا الجزائر. ولعله شاء أن يلوح بالأخطار للجم الأفعال الإصلاحية من أساسها. ولعله لم يكن موفقا بهذا الاختيار. كلمة حق مُغفلة أو شبه مُغفلة ولابد من أن تقال. أن الارتداد عن المبدأ الديمقراطي هو الذي اخذ الجزائر إلى حيث هي. وهو ارتداد مبكر أو ربما ارتداد سابق لارتداد كان محتملا. لكنه بالمحصلة الأخيرة ارتداد عن الفعل الديمقراطي وعن المبدأ الديمقراطي أدى إلى ضربة قوية للوحدة الوطنية. ثم أن سوريا مرت بتجارب ديمقراطية أثناء مقاومة الفرنسيين، فكانت الوحدة الوطنية قوية ومصانة بالرغم من محاولات فرنسا اللعب بالامتيازات وبالمشاعر الطائفية أو القومية. ومرت سوريا بالديمقراطية في الخمسينات ولم تكن الوحدة الوطنية بخطر قريب أو بعيد. ما الذي حصل الآن. إذا كان شيء قد حصل، فمن هو المسؤول ؟ وبعد أن اعتبر السيد عبد الحليم خدام أن الحرية هي قضية مركزية وهدف من أهداف حزب البعث التي لا يمكن التخلي عنه، جنح إلى الطرف الآخر، إلى الطرف البعيد ؛ إلى الطرف الذي يدفع إلى الحد منها. فلقد رفض منطق وجود حرية مطلقة وهو بذلك محقا. لكنه في حين تبنى مفهوم هوبس حول الحرية المطلقة لم يأخذ مفهومه لدور السلطة في الحد من الأفعال المسيئة للحرية. فكما أن للحرية سقف أعلى تطمح إليه البشرية والحضارات والإنسان، وكما أن هناك سقف عالي، مطلق، لا يمكن الوصول إليه ما دام الإنسان يعيش مع الإنسان الآخر، فأن هناك حد أدنى وهناك حد لا يمكن النزول إلى أدنى منه. لا يوجد عاقل يطالب بمقدار من الحرية يكفل له حرية قتل الآخر. لكن، لا يوجد عاقل لا يطالب بمنع القتل بحرية، دون محاكمة حقيقية ودون دفاع حقيقي، والذي يكاد أن يكفله قانون الطوارئ. بل أن مفهوم السلطة المطلقة يقترن بمفهوم حرية الحاكم المطلقة ويعبر عنها ويضمنها في آن. أن الذين قتلوا بحرية، دون عقاب ودون ذنب، في الحقبة الماضية-المستمرة كانوا يتمتعون بمستوى من الحرية يكاد أن يكون مطلقا بفضل الحكم المطلق والأحكام العرفية. فقانون الطوارئ ليس أداة ضبط للمجتمع ؛ معه سوريا بخير ودونه سوريا في تسيب كما ذكر السيد نائب الرئيس، بل هو أرضية خصبة لظهور تجاوزات قانونية وإنسانية لا تحصى ولا تحصر في حدود. هو أداة قمع وصلاحيات واسعة للقمع. هو تشكيك في ضمائر المواطنين في مسألة ولائهم لقضايا الوطن والتزامهم بالحرب التي قال السيد نائب الرئيس أننا في حالتها، وان الأحكام العرفية مرتبطة بحالة الحرب القائمة. وإذ لا يسعنا إلا أن نتفق مع السيد عبد الحليم خدام بأن الحرية لا يمكن أن تكون مطلقة، فأننا بعكسه نتساءل بمرارة، كيف كان للسلطة خلال ثلاثين عاما مطلق الحرية في فعل ما تراه ولم يكن نصيب الشعب من الحرية غير وعود وآمال لا زالت بعيدة المنال ؟ أن الأحكام العرفية هو أسوء أنواع ومستويات الحرية المطلقة. وفي سياق المقارنة وتحديد الظروف المواتية لتنشيط العمل الديمقراطي وآليات العمل الديمقراطي في سوريا، أشار السيد عبد الحليم خدام في محاضرته إلى أن الديمقراطية ليست بدلة جاهزة، نستوردها من هذا البلد أو ذاك ونلبسها لمجتمعنا، خاصة وان الديمقراطية الغربية أتت كنتاج لمرحلة طويلة من الكفاح والصراع والتطور، ونتيجة إدراك حاجات المواطن الاقتصادية. وإذ أننا نفترض أن السلطة في سوريا تدرك جيدا حاجة المواطن الاقتصادية، وبالتالي نسقط شرط الديمقراطية الأخير، فأن الشرط الآخر يبدو أيضا قابلا للسقوط. فالديمقراطية ليست فقط أسلوب حكم ومشاركة في الحكم، بل هي قبل ذلك، وأهم من ذلك معرفة قائمة على كم هائل من الحقائق المعرفية المتراكمة تاريخيا بفعل التطور الحضاري والإنساني، وتجريبيا بفعل الكفاح من اجل المشاركة في الحياة العامة، ونظريا بفعل متابعة التجربة المتكررة. ومن المعلوم أن المعرفة لا تنحصر في مجتمع بعينه أو بزمن بعينه. ثم، ولنفترض مع المؤكدين على أن الديمقراطية هي نتاج حضارة وليست معرفة، هي تناسب وعائها الحضاري ولا تتناسب مع معطياتنا الحضارية، هي بدلة مفصلة في الغرب ومجتمعاتنا لها أزياءها الشرقية. أليس يحق لنا أن نضيف افتراضات مماثلة قبلنا بها ورفضنا تلك ؟ أليس الحزب كمؤسسة، كأداة في الحياة السياسية هو نتاج الحضارة الغربية في ظرفها الديمقراطي ؟ لقد استوردناه دون أن نستورد ظرفه، أو نوفره. أليست الاشتراكية، رديف العدل الاجتماعي، هي نتاج درجة معينة من التطور الرأسمالي ودرجة معينة من استغلال الفرد ؟ استوردناها وكانت بلادنا بلا مصانع وبلا عمال وبلا رأسمال. ألم تنشأ وتزدهر الصحافة كمؤسسة سياسية في الغرب وفي ظرف معين من تطور الوعي بالحرية وضرورة التعبير عن أخبار الناس وآراءهم ؟ استوردناها ولم يكن ظرفها في بلادنا. أما بخصوص الديمقراطية، فأنه ويا للمفارقة، يتوفر ظرفها في بلدنا وتتوفر الحاجة إليها، وتشتد المطالبة بها، لكن الممانعة قائمة والإدعاء قائم بأنها ليست نتاج مجتمعنا. الديمقراطية لا تختلف عن أي من هذا سوى بكونها معرفة اشد التصاق باحتياجات الفرد والمجتمع في عملية المشاركة السياسية والتنمية البشرية والازدهار الثقافي والسياسي والاقتصادي، وأنها قدر تاريخي لا يمكن دفعه إلى ما لا نهاية. |